طاولة لإثنين

قبل أن تضرب الحرب شوارع مدينة حمص بكثير ضربتها العمارة_ أو بالأحرى إعادة البناء. منذ زمنٍ في حمص كنت حالما تشم رائكة الأكاسيا في أحياء المدينة تدفعك الرغبة للتوقف لأكل زهورها العطرة أنت وتتسابق مع أصدقائك في الشوارع الهادئة. كان يمكنك أن تراقب تلك الأشجار وهي تكبر فاردةً ظلالها على المارين. ولكن كيف يمكن لمن لم يختبر تلك المشاعر والصور التي حفرت في قلوب أهل حمص أن يختبر الشعور الطاعن في القلب لمشاهدة تلك الأشجار وهي تقلع بكل وحشية وتستبدل بأشجارٍ تشبه باقات البقدونس أكثر مما تشبه الأشجار تحت عنوان "التجديد والعمران".

 

كذلك تاريخنا يشهد بتعايش الأديان؛ فالجامع النوري الكبير في حمص القديمة ليس إلا مثال؛ لكن كيف يمكن لأي كان أن يدرك ما معنى التعايش الحقيقي بتلك الطريقة إن لم يعش قصة ذلك الجامع المتعدد الطبقات؟ وهو الذي كان معبداً في حمص التاريخية ،ومن ثم أصبح كنيسةً، عندما أمنت المسيحية وجودها فوق الأرض، ليشتري المسلمون نصفه ويعيشون ملاصقين لنصف الكنيسة المجاور، حتى أتى زلزال عام 1157 عليه. عندها أعيد بناؤه باسم الجامع النوري الكبير بأمر من نور الدين الزنكي، أما اليوم فقد أكلته القنابل والنيران.

 

لقد شهد أهل حمص مدينتهم القديمة وهي تتلقى الصفعات واحدة تلو الأخرى على يد التخطيط السيء والبناء اللامبالي. حتى تشوهت بالخيارت القبيحة؛ التي أهانت كامل البنية الاجتماعية قبل أن تدمرها الحرب بكثير. فكما يكتب فرانسيس سبارشوت: "لا تمثل الطريقة التي يشغل بها المجتمع الفراغ شيئاً أكثر وضوحاً من سياساته، وعلاقات السلطة فيه التي تكتسب داخله". وهذا بالضبط ما جعل أهل حمص يشيحون بوجوههم عما رمي عليها قبل الحرب الدائرة على أنه "تطوير" لمدينتهم الذي إقتلع على سبيل المثال لا الحصر، كتلاً من الأبنية الاثرية ذات الحجارة السوداء مستبدلاً إياها بخلاءٍ فارغ على أنه موقف سيارات في قلب المدينة القديمة؛ لا شيء سوى فراغٍ مفتوح، بدلاً من ما هو أكثر من إرثٍ معماري؛ تاريخٌ كاملً من القيم الاجتماعية تسكن كل تجعيدة من تجاعيد حجر البازلت الأسود هناك. بالطبع، اليوم هذه الإزالات طالت كامل المدينة القديمة وإختفى تقريباً كل أثر لذلك.

 

هذه الأبنية، هذه الشوارع‘ هذه الأشجار؛ ليست مجرد مكونات للبيئة العمرانية؛ بل هي البنية الأساسية لكل مجتمع بشري، فهي تفرض عليك الوجوه التي ستراها كل يوم المحال التي ستشري منها شكل وصوت ورائحة كل خطوة ستخطوها. بكلمةٍ واحدة، هي ما يحدد شكل "التجربة المشتركة" في البيئة المبنية؛ هذه التجربة التي تجعلنا ننتمي، هذه المشاعر المشتركة سواءً كانت ألماً أم حزناً أم فرحاً، هي ما يخلق جمعية المدينة، تلك "الخطى" المشتركة هي ما تحول العيش المشترك إلى عيشٍ واحد.

 

قد يبدو هذا نظريةً رومانيسةً للبعض، لكنه ليس كذلك على الإطلاق؛ إنه تجربة معاشة، حياة تم عيشها بالفعل بين جدران المدينة القديمة. هذا ما كانت عليه حمص، على الأقل، قبل التوسع والتجديد الذي خربها قبل أن تقوم الضواحي الجديدة، المبنية على أساسس طائفي ومذهبي، بتقسيمها إلى قطعٍ متنافرة.

 

لقد بنيت حمصات جديدة قدّم كل منها تجمعاً من الوافدين الجدد إلى المدينة من القرى والاراضي المحيطة. طوائف وأديان مقسمة لفئات تأتي لتستقر في مناطق مختلفة على أساس الإنتماء الديني والمذهبي. لكن هذا الاستقرار كان إستقراراً مزيفاً؛ كمن يلمس بطرف إصبعه الأرض، لذلك لم يستطع أن يعود بالنفع لا على المدينة ولا على القادمين الجدد.

 

فهذا النوع من التقسيم المناطقي العمراني لا يترك مجالاً كبيراً للإنتماء. حيث تضيع التجربة المشتركة في المدينة وينقطع أي حس بالإنتماء عند حواجز المجموعات المنطوية على ذاتها.

 

فحتى هذه الحرب المريعة فشلت في توحيد صفوف الجوارات العمرانية المتباعدة. وتحول هذا الفصل العمراني إلى صراعٍ مذهبي ولاقى كلٌ مصيراً مختلفاً عن الآخر. حصلت أنواع جديدة من الخسارات، وتم عيش حياة موازية لحياةٍ أخرى، وإستمر ذلك بحدةٍ أكبر عندما ماتت المدينة.

 

إذا إقتربنا أكثر منتقلين من المقياس العمراني إلى المقياس المعماري، يمكن سرد ذات الحكاية؛ حيث تحرم الكتل الإسمنتية الخالية من أي حس جمالي أو رؤيةٍ معمارية المدينة من شخصيتها، كما تحرم القاطنين من بيئتهم المتلاحمة. لقد فشلت تلك الحمصات الجديدة فشلاً ذريعاً في مجال الدمج الاجتماعي؛ وعلى العكس تماماً، عززت تلك الضواحي والتقسيمات الكساد الاجتماعي والإنطوائية.

 

والأخطر من ذلك أن تلك العمارة الفاشلة ساعدت في إشعال فتيل الحرب الاهلية. ففي حمص القديمة لم يكن لا المسلمون ولا المسيحيون، على سبيل المثال، بحاجةٍ لإثبات ذواتهم ومكانتهم الاجتماعية من خلال الدين؛ وإنما كمواطنين في المدينة؛ لقد إنتموا إلى المدينة والمدينة بدورها إحتضنتهم من خلال التجربة المشتركة للبيئة المبنية، حتى وهم يحتفظون بدينهم في المركز.

 

وهذا ما ينطبق في كلام سبارشوت الذي قال: "متى تم بناء البيوت فإن ذلك يعني إدامة نماذج من السلوك تم تصميمها بالأصل لتستقر. وبشكلٍ مشابه فإن العلاقات الفراغية بين منزلٍ وآخر وبين كل منزلٍ ومصدر طعامه وشرابه (كما الأسواق والكنائس والخانات) وبين مجموعة كاملة من المساكن والطرقات والبيئات، تلك العلاقات تمثل طريقة حياة سوف تعترف بها تلك البيوت على الفور وترمزها وتعززها".

 

إذا كنا نستطيع أن نتعلم درساً واحداً مما حصل في سوريا والدروس كثيرة جداً؛ فإننا يمكننا أن نعتبر من أن العمارة هي أقوى بكثير مما يحلو للبعض إعتقاده. حيث يمكن لأحدهم أن يقول أن العمارة هي إنعكاسٌ للإستقرار البشري، ولكن كذلك فإن الاستقرار البشري يمكن أن يكون إنعكاساً للعمارة. من هنا أعتقد وبشدة أننا إذا قلبنا المرآة، مستخدمين عمارةً قائدة، يمكننا حقاً أن نجد طريقاً لنا للخروج من هذه الحفرة السوداء. لأن طاولةً أعدت لإثنين من أجل أن يأكلا معاً أفضل بكثير من الجلوس وحيداً.

 

مروة الصابوني

      1542727.6115.jpg

 

 

تم نشر هذه المقالة أولاً في مجلة  RIBAJ

الأكثر قراءة

مبادرات معمارية

التصويت

ما رأيك بالتصميم الجديد للموقع؟

عن البوابة

نحن بوابتك إلى عالم العمارة والتصميم من حول العالم..

البريد الالكتروني:

support@arch-news.net

الروابط الاجتماعية