الفضاءات الافتراضية : المدن الافتراضية التفاعلية ثلاثية الأبعاد

أ.م.د. عماد هاني العلاف

جامعة الموصل – كلية الهندسة

تم استخدام العناصر المجسمة في التمثيلات ثلاثية الأبعاد للعالم الحقيقي مؤخرا وبشكل ايجابي في العديد من التطبيقات المتعلقة بقضايا الإنشاء العمراني كالتخطيط والبناء وتمثيل مشاهد السيناريوهات الحضرية. ويعد تكوين نماذج ثلاثية الأبعاد لمدنية فعلية إحدى أهم هذه التطبيقات لأنظمة الواقع الافتراضي في الجوانب المعمارية والعمرانية، ويتضمن مصطلح المدن الافتراضية ثلاثية الأبعاد مصطلحات عديدة كالمدينة الافتراضية والمدينة الرقمية “Virtual City”, “Cyber town”, “Cyber city”, “Digital City”وغيرها. وبشكل أساسي يعد مجسم المدينة ثلاثية الأبعاد نموذجا رقميا لمكونات مدينة ما، يعرض في بيئة افتراضية أهم أجزاء ومكونات المدينة بضمنها تراكيب المباني والطرق والأشجار والفضاءات الخارجية. ويتم عادة استخدام تقنيات تكوين المجسم الدقيق للمدينة من خلال استخدام تقنية المسح الليزري الأرضي والجوي عالي الكفاءة والذي يقدم معلومات دقيقة لتكوين نماذج بنائية ثلاثية الأبعاد قريبة جدا من الواقع، كما يتم غالبا استخدام أنظمة المعلومات الجغرافية بشكل ناجع لإدارة وتطوير نماذج مجسمات المدينة.

المدن الرقمية www.baconsrebellion.com

وقد تم إنتاج عددا كبيرا من هذه النماذج أساسا كنماذج أولية ثلاثية الأبعاد لأجزاء معينة من المدينة قيد الدراسة. وللأغراض التطويرية يتم تكوين المدن الافتراضية ثلاثية الأبعاد عن طريق المؤسسات والمعاهد المحلية لتقوم بعملية التغذية المرجعة الايجابية لتطوير المدينة الفعلية، ويمكن تشكيل هكذا مدن افتراضية إما كإعلانات تسويقية وكفضاءات ترويجية، وغالبا بدون تقديم معلومات مفيدة للسكان فعليا، أو كخدمات مدنية تقدم فضاءات رقمية عامة تساند عملية النقاشات العمرانية والسياسية والاجتماعية حول تطوير مرافق وخدمات المدينة نفسها.

عادة ما يقوم الزبون أو الجهة المستفيدة من المشروع بعقد مقارنة وعملية اختيار بين البدائل المطروحة للمفاضلة بين الفوائد المتوقعة والوقت المطلوب لإنتاج النماذج الافتراضية ثلاثية الأبعاد، وينظر إلى خصائص المشروع - كدرجة تعقيده ومستوى إعادة استعمال مكوناته- على أنها العوامل الأساسية لتحديد أو توسعة مدى الاستفادة من الواقع الافتراضي في تدخلات العمل الإجرائية ومراجعة التصميم. ورغم الكلفة العالية والصيغ المحددة لهذه الأنظمة، فإن القيمة الإضافية والإمكانات التي تطرحها تقنية الواقع الافتراضي في المجال العام هي احتمالات ومهام مهمة جدا، وان الجهود الاستثنائية والكلفة المطلوبة لتنفيذ هذه النماذج عادة ما تكون كبيرة جدا، ومع ذلك يمكن استخدام المعلومات المجسمة والممثلة بصريا لإدارة المناطق الحضرية ووضع خطط تطويرها المستقبلي، وإعادة استخدامها لتسويق المشاريع المكتملة، وصيانة المنشات بعد عملية الإشغال.

في الجوانب التنافسية في العالم الاقتصادي الدولي، يعد التعامل مع المعلومات أمرا حيويا للجانب التنافسي بين المدن. لذلك، يمكن استخدام الواقع الافتراضي من قبل البلديات والمؤسسات الحكومية لأغراض الإدارة العمرانية والتخطيط الحضري من خلال توظيف النماذج المجسمة للقطاعات الحضرية لإدارة والتحكم في البنى التحتية والمصادقة على رخص ومشاريع التخطيط والتسويق واستخدام الأرض وفي القطاع الخاص.إضافة إلى ذلك تقدم المعلومات ثلاثية الأبعاد بيانات تصويرية جيدة عن الفضاء الحضري يمكن أن تكون عاملا أساسيا مميزا في عمليات اتخاذ القرار، وضمن هكذا نماذج يمكن عرض معلومات صورية دقيقة بمواد إنهاء معمارية للتغير المستقبلي المخطط له لبيئة المدينة المدروسة, كما يمكن لنماذج المدينة أن تزود صانعي القرار بالقدرات والإمكانات الاستثنائية مقارنة بالتمثيلات البديلة الأخرى.

وقد أصبحت مجسمات التمثيل ثلاثي الأبعاد والتي تنشأ لغرض إعادة بناء المباني التاريخية مهمة أساسية لخبراء الحفاظ والمؤسسات والمنظمات والمهتمة بالحفاظ على التراث العمراني وحمايته. ومن المتوقع عالميا أن حقل السياحة سيشهد تتطورا ونموا وبشكل كبير في المستقبل القريب، لذا فان العدد المتزايد للزوار في المواقع التراثية يتطلب مهام حقيقية من المحترفين والمهتمين لتقديم تسهيلات العمل والمبادرات المساهمة بايجابية في الحفاظ لإدارة وتوثيق وحماية المباني التراثية.

arch-news.net151108012.jpg

إمكانية زيارة السياح لمجسمات مدينة ستوكهولم رقميا من موقع Google Earth

ومن هنا، فإن نماذج المدينة ثلاثية الأبعاد يمكن أن تكون مفيدة لقطاع السياحة وبشكل كبير، فيمكن للمتاحف والمؤسسات والشركات الخاصة ومكاتب الوكالات السياحية أن توظف هذه النماذج بهدف جذب وحث الناس على المزيد من الزيارات للمناطق التراثية. وقد كان المواطنون المحليون هم من يبدي الاهتمام عادة من تقديم هذه المجسمات الخاصة بنماذج المدن الرقمية في الفترة المبكرة، بينما غالبا ما يهتم الزوار الأجانب والسياح بهذه النماذج حاليا، ويمكن تحسين وزيادة عدد الزوار والمستخدمين عن طريق توفير بعض اللغات العالمية شائعة الاستخدام ضمن لائحة التفاعل الشخصية للمشروع الرقمي إضافة إلى الخدمات المهمة الأخرى للسياح كتوفير دليل تفسير المخططات ومرشد الخرائط ضمن البيئة المعروضة.

إن التمثيل المتقدم لنماذج المدينة ثلاثية الأبعاد يعد أفضل الطرق لتحري واستكشاف وتمثيل القطاعات الحضرية، فهو يعزز من أداء عمليات التخطيط والتصميم الحضري ويستخدم لتكوين المشاريع المعمارية ضمن هذه القطاعات ومجاوراتها، وتنفيذ بيئة محاكاة لتحليل التأثير البيئي للمقترحات والاحتمالات المقدمة.

ويسهل النموذج التفصيلي ثلاثي الأبعاد بشكل نسبي فهم الظواهر المجردة لمدينة معينة من خلال توقيع الظاهرة قيد الدراسة ضمن النموذج الممثل، فهي تمكن المستخدم من استكشاف عناصر محددة، أو دراسة وتحليل فضاء معين، وتحديد النسب والمقاييس والتناسبات ومعلومات أخرى في المنطقة ذات العلاقة. ومن خلال استخدام الصور والأشكال التخطيطية للنماذج ثلاثية الأبعاد يمكن رفع وتحسين درجة اهتمام وتغيير نظرة المجتمع نحو خطط التطوير المستقبلية ايجابيا، فمن خلالها يمكن تفسير وإيضاح العلاقة بين المشروع المقترح مع المناطق المجاورة وخدمات المدينة والعناصر الأخرى، فإذا كانت الصورة تعادل ألف كلمة فنموذج المدينة ثلاثي الأبعاد يعادل ألف صورة.

ونتيجة لتشظي العديد من المدن الرئيسية ومجتمعاتها فيزياويا، يمكن تطوير الوسائل التكاملية المحتملة ضمن هذه المدن ومجتمعاتها من خلال أساليب التواصل الرقمية. وتعد المدينة الافتراضية ثلاثية الأبعاد وسيلة إبداعية للتواصل بين أفراد المجتمع في المدينة، ولها القدرة على طرح وتقديم الحلول ومعالجة مشاكل حضرية فعلية، وتقدم للمستخدم فضاءا آمنا وخالي من مخاطر العمل والمواقع بهدف الحوار والنقاش حول القضايا والمسائل المتعلقة بالبنية والبيئة الحضرية من خلال بعدها عن البيئة الفعلية لهذه المشاكل مما تعمل على خفض نسب مخاطرها المحتملة، ويمكن لهذه التقنيات أن تربط أجزاء وعناصر مختلفة بنوع محدد من المحادثة العامة.

ويستخدم عدد من الخبراء والمختصين في مجالات العمارة والحفاظ على المباني هذه التقنية كوسيلة للتحكم في المشاكل المادية الفيزياوية والاجتماعية الحالية لعملية التواصل بين المدن، إذ يمكن للفضاء الرقمي الافتراضي أن يفتح طرائق جديدة تساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ضمن المدن الحقيقية، وفي آليات إعادة الإحياء العمراني والحضاري. وغالبا ما يسعى النموذج الافتراضي المجسم لمحاكاة المدينة الحقيقية، حيث يمكن للمستخدمين ضمن نموذج المدن الرقمية التفاعل بإنشاء علاقات تشاركية جديدة فيما بينهم مع العناصر المعروضة، في الوقت الذي يتقاسمون فيه فضاء افتراضيا محددا، وحصولهم على الميزات التي تقدمها تطبيقات الحاسوب المختلفة، مع اكتسابهم لأكثر من مجرد خيارات العرض والتصميم.

تحليل نطاق الرؤية البصرية ضمن النسيج الحضري من خلال مجسم المدينة

وفي بيئة المدينة الافتراضية يمكن للمستخدم الخبير التفاعل من خلال إضافة وإدراج مشاركته وتدخلاته - خصوصا البنّاءة منها - حول المشروع قيد الدراسة كمقترح بديل لتعزيز المشروع ومكوناته وخصائصه، ويمكن للفقرات والآليات المضافة الجديدة أن يعاد استخدامها بشكل متكرر في مشاريع أخرى، وبالتالي ومن خلال هذا الخيار، يتم تحسين عملية توسع هيكلية المشروع وتطوير خططه الموضوعة باستمرار وبشكل أكثر تفصيلا.

  • Aaron Bergstrom, Jeffrey T. Clark, X3D-Based Virtual Reality Stereo-Rendered Human Heritage Exhibitions, web3d conference Immersive VR, Sweden, 2007.
  • Alessandro Aurigi, Stephen Graham, Virtual Cities, Social Polarisation and the Crisis in Urban Public Space, the Journal of Urban Technology (1997) Vol.4, Number 1, Pages 19-52.
  • Elham Andaroodi, Kinji Ono, Asanobu Kitamoto Seyyed Mohammad Beheshti, Eskandar Mokhtari, 3Dimensional Reconstitution and Virtual Reality, University Of Tehran, Iran, 2004.  
  • Whyte J., Virtual Reality And The Built Environment, Linacer House, UK,2002

الأكثر قراءة

مبادرات معمارية

التصويت

ما رأيك بالتصميم الجديد للموقع؟

عن البوابة

نحن بوابتك إلى عالم العمارة والتصميم من حول العالم..

البريد الالكتروني:

support@arch-news.net

الروابط الاجتماعية