أنجح سبعة مشاريعٍ لإعادة ترميم وتكييف المباني القديمة

3

من الصعب تخيّل أيّ استخدامٍ آخر للمبنى غير الذي بنيّ لأجله. ولكن عندما يبقى البناء مهجوراً لسنواتٍ بعد استنفاذه سنوات خدمته للسبب الذي شيد لأجله، فإنك قد تجد له عدة حلولٍ أفضل من هدمه.

ولعدةٍ أسبابٍ تقتضي الحفاظ على المباني القديمة؛ كمحدودية مساحته للاستخدام الجديد في حال تم هدمه أو بسبب الحملات العامة من الناس للحفاظ على العلامات المميزة المحببة في مدنهم والتي عادةً ما تكلل بالنجاح، نجد أن مشاريع إعادة استخدام وتكييف المباني القديمة في تنامٍ مستمر.

وهكذا يمكن للمباني القديمة أن تتنفس هواءً جديداً وبحالةٍ مخالفةٍ لما كانت عليه، وتحتضن بذلك التصاميم القديمة وتتطلع للمستقبل في ذات الوقت. وسنعرض هنا سبعة أمثلةٍ ممتازةٍ لتكييف المباني القديمة وإعادة استخدامها من شتى أنحاء المعمورة.

• مبنى محطة توليد الطاقة Battersea Power Station وهو أحد أبرز العلامات على ضفاف نهر التايمز بلندن، والذي بقي مهجوراً ممتداً على ضفاف النهر لعقودٍ طويلة مثل جاره Tate Modern التي تُعتبر محطة توليد طاقة أيضاً. وقد كانت هناك الكثير من الأصوات التي نادت بهدم المبنى المتداعي لعدة أسباب، فقد قال البعض بأنه سيكون من المكلف جداً إعادة تطويره، وآخرون يرون أن المبنى في منتهى الثبات، والدليل عناصر القوة في بنيته التي حافظت عليه قائماً كل هذه السنوات.

والآن وبعد عدة محاولاتٍ فاشلةٍ لإعادة إحياء المنطقة والاستفادة من البناء، تتقدم إحدى الخطط بدأبٍ لإنعاش الضفة الجنوبية في لندن بأكملها، وتستمر الخطة قدماً إذ تبدو مثيرةً بالفعل.

وقد تقدمت بالعرض شركة ترميم المباني الإيرلندية Treasury Holdings من دبلن. حيث يهدف التصميم الجديد لجعل المنطقة الصناعية في لندن خضراء، وقد بدأت بمنطقة Nine Elms حول محطة Battersea. وتضم الخطة الجديدة التي ستكلف حوالي 5,5 بليون جنيه استرليني خططاً لأكثر من 3,700 منزلاً مبنيةً بمحاذاة المكاتب والمحلات التجارية والمطاعم على موقعٍ يقدر بأربعين هكتاراً.

كما تهتم الخطة بإعادة ترميم أدق التفاصيل، فحتى المدافئ الجدارية القديمة الشهيرة ستستعيد ألقها الغابر، وسيضم المبنى مركزاً للمؤتمرات من ضمن عدة أشياء أخرى. وسيطل المشروع على قصر ويستمنستر في الضفة المقابلة بكل انسيابية ووضوح، والتي كانت أحد شروط مشروع الترميم.

• أما أبنية الصرف الصحي الإسطوانية Sewage Silos بهولندا فقد تم التعامل معها بطريقةٍ أخرى. فقد أجرت أمستردام مع بواكير عام 2009 منافسةً لتصميمٍ يكيّيف ويعيد استخدام أسطوانات الصرف الصحي في منطقة Zeeburg من المدينة. وقد ضم العرض الفائز تصميماً يعيد تصميم المباني الإسطوانية كمراكز ثقافية متعددة الوظائف والتي ستضم معارضاً ومركز وسائط وسينما ومسرح، ثم للتتوج كلها بمطعمٍ على السقف فوق إحدى الإسطوانات وباحة لعب مفتوحة فوق الأخرى.

وقد استلهم معماريوا العرض الفائز فكرتهم من الكاتبة Annie MG Schmidt الهولندية الشهيرة في مجال كتابة كتب الأطفال. وتذكر شركة Arons en Gelauff المعمارية الهولندية بأن الهدف الرئيسي للمشروع كان بث الحياة في الإسطوانات لتحويلها إلى مكانٍ ملهمٍ حيوي، والذي سيعيد تجسيد هيئة وشخصية منطقة Zeeburgereiland. وقد سموا المشروع الجديد The Annie MG Schmidt House ومن المتوقع الانتهاء منه مع نهاية 2011.

• وأحد أهم وأشهر مشاريع إعادة الاستخدام في قرننا هذا كان مشروع Gasometer City بفيينا عاصمة النمسا.

وذلك بتحويل أربعة مبانٍ ضخمة كانت مركزاً لإمداد المدينة بالغاز إلى مبانٍ سكنيةٍ في نهاية التسعينات من القرن الفائت لتصبح بعد ذلك من أشهر مشاريع التكيّيف في العالم.

وقد بُنيت المباني الأربعة عام 1896 عندما قررت السلطات في فيينا تجميع مركز إمداد المدينة بالغاز والكهرباء في موقعٍ واحد، وقد خدم المشروع المدينة لمدة 88 عام، إلا أن مخزون الدولة من الغاز الطبيعي قد انتهى عام 1984 فأصبحت المباني عديمة الفائدة. وبقيت المباني الإسطوانية مهجورةً لفترةٍ طويلةٍ تستثير جدلاً وخططاً بين الفنية والأخرى إلا أنها تعود لتركد، كما أنها ضمت يوماً من الأيام موقع التمثيل لفيلم جيمس بوند The Living Daylights. ثم وفي عام 1995 تم اتخاذ قرارٍ صارمٍ بإعادة إحياء المباني الإسطوانية الأربعة.

وهكذا تمت إعادة تصميم وهندسة المباني الإسطوانية الأربعة من الداخل مع شرطٍ واحدٍ ينص على عدم المساس بالكسوة الخارجية من الآجر. وقد تم إسناد مهمة تصميم كل أسطوانة إلى معماريّ منفصل وهم Jean Nouvel للأسطوانة A و Coop Himmelblau للأسطوانة B و Manfred Wehdorn للأسطوانة C و Wilhelm Holzbauer للأسطوانة D. بحيث تتميز كل واحدة من الإسطوانات ببيئةٍ سكنيةٍ داخليةٍ مختلفةٍ ومتميزة، بالإضافة لمساحات العمل والترفيه. وكانت النتيجة مدينةٌ كبيرةٌ مسورةٌ داخل مدينة فيينا. وقد أصبح هذا الترميم الفريد من نوعه نموذج وأسلوب بناء منذ ذلك الوقت لطريقة تصميم مجمعٍ سكنيٍّ داخليٍّ كالشبكة. وأصبح المشروع من أهم أمثلة إعادة الاستخدام والتكييف الناجحة.

• أما مبنى Tate Modern الذي يناطح سحاب لندن فقد تحول من محطة محروقات إلى متحفٍ يضم مجموعاتٍ عالميةٍ للفن المعاصر منذ 1900 وحتى الآن. وقد أصبح البرج بمعروضاته الفنية من أكثر معالم لندن استقطاباً للسياح، وتجاوز عدد زواره زوار المعرض الوطني والمتحف البريطاني وحتى أهم متاحف العالم.

وكان قد صممه السير Giles Gilbert Scott الذي صمم أيضاً محطة Battersea لتوليد الطاقة، بالإضافة إلى معلمٍ ثالثٍ من معالم لندن الشهيرة وهو كبين التلفون الأحمر. أما محطة Bankside لتوليد الطاقة فقد بُنيت على مرحلتين خلال عامي 1947 و 1936، إلى أن توقفت مضخاته عام 1981. وقد بقي البناء لفترةٍ طويلةٍ تحت أعينٍ تترصد لهدمه إلا أن حملاتٍ كثيرةٍ من السكان طالبت بالإبقاء عليه إلى أن جاء المعماريان السويديان Herzog و de Meuron عام 1995 وفازا بالمعركة ليقوما بثاني أكبر مشروع في لندن.

وقد تم افتتاحه كمعرضٍ عام 2000 وجذب أكثر من 30 مليون زائراً منذ ذلك الوقت. ويدين بنجاحه لموقعه على ضفاف نهر التايمز، وللقدرة على الاستفادة من المساحة داخل المبنى. أما الصالة الرئيسية Turbine Hall ذات المساحة الضخمة التي تقدر بـ 3,400 متر مربع، والتي ضمت يوماً مولدات الكهرباء الرئيسية بقيت لحسن الحظ على شكلها الأصلي مُقدمةً صالةً شاسعةً للمعروضات الفنية التي عادةً ما تلفت أنظار وتقييم الناس للمساحة. وقد فاقت النتيجة ما كان يأمله المصممان في تصميمهما بسبب ميزة هذا المكان بالذات وقدرته على التحوّل من مكانٍ إلى آخر يغير مفهوم الناس تجاه الفن.

• أما مشروع تحويل محطة مياهٍ Water Plant ببرلين بألمانيا إلى منزلٍ للفنانيين Michael Elmgreen الدنماركي و Ingar Dragset النروجي اللذان حولا المحطة إلى مكانٍ للمعيشة والعمل. و حتى أنهما لم يجادلا في سبيل الحصول على صفقةٍ جيدةٍ كهذه، وفي مقابل 700,000 دولار أميركي فقط حصلا على محطة ضخ المياه السابقة في ضاحيةٍ قريبةٍ من مركز مدينة برلين. وكان البناء قد تُرك خالياً مهجوراً منذ بواكير تسعينات القرن الماضي مع بعض الأعين المهتمة بشراءه تبعاً لموقعه في قلب منطقةٍ سكنية، وفي حين أنه لم يعد مناسباً للاستخدامات الصناعية ويصعب حتى على المطورين التعامل معه. لذا أمسك Elmgreen و Dragset بفرصتهما للقيام بعملهما السحري في هذا المكان الواسع.

وقد استعان الفنانان اللذان عرضا أعمالهما الفنية حول العالم بخدمات المعماريين الشابين Nils Wenk و Jan Wiese لمساعدتهما بتحويل المكان إلى منزلٍ يتلائم ليكون ورشة عملٍ أيضاً. وقد أضفيا على المكان بعضاً من روحهما الفنية، حتى أن حبهما للمساحات الفسيحة جعلهما يهدمان الكثير من الجدران الداخلية.

ويعلق Ingar Dragset لصحيفة نيويورك تايمز قائلاً: لقد تعمدنا عدم وجود حواجز أو حدود بين مساحات العمل وتلك الخاصة بالمعيشة، وميزات المكان بأنه تتنوع فيه المساحات بين الفسيحة الرحبة الواضحة وتلك الزوايا الملتفة الصغيرة لتفتح أمامك حرية اختيار أن تكون مكشوفاً أو مختبئاً حسب مزاجك.

وهكذا يستمتع الفنانان الآن بمساحةٍ خاصةٍ لكل واحدٍ منهما ومطبخٍ فسيحٍ وأربعة حماماتٍ وغرفة معيشةٍ في العلية ومساحات العمل في النهاية وهي التي تتمتع بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الإضاءة.

• أما مطعم ومقهى أمستردام Café Restaurant Amsterdam الذي كان يوماً محطة مياهٍ كما المشروع السابق يُعتبر من أهم وأفخم وأرقى مطاعم أمستردام. ويعود تاريخ إنشاءه إلى أواخر 1800حيث بقي البناء منذ ذاك الوقت دون المساس بتصميمه أو ببناءه. وحتى مع وجود المطعم فيه الآن إلا أنه يحافظ على مضخات وأنابيب المياه ظاهرةً بكل فخر في القسم الرئيسي من المطعم. وقد يبدو التصميم الداخلي للبعض مزدحماً وفوضوياً، إلا أنه برأي الأغلبية فريدٌ من نوعه ويخلق بين الجالسين حواراً دائماً حتى وإن خيّم الركود على طاولات العشاء.

• ويجدر بالذكر أخيراً مشروع CasaComvert في ميلان. إذ طلبت شركة الملابس الشهيرة Comvert من شركة Studiometrico للتصميم الداخلي في ميلان منذ عدة سنواتٍ مضت أن تجد لها مبنىً مناسباً لإدارة الشركة النامية. وكان قد أنشأ شركة Comvert أربعة أصدقاءٍ متزلجين عام 1994 لتقدم بركةً جليديةً للتزلج وغرف لتغيير الملابس وارتداء المزالج. وقد أرادو مكاناً جديداً يناسب واجهة إدارتهم ويمثل شركتهم، وبمثابة استديو تصميم ومكتب ومستودع وبركة تزلج في بناءٍ واحد. وفي ربيع 2005 استطاع Studiometrico أن يحقق نصراً إذ وجد سينما يعود تاريخ بناءها إلى 1950 وكبيرة بما يكفي لتفي بكل احتياجات Comvert.

وقد حافظ Studiometrico على شخصية البناء كما هي قدر الإمكان، حتى أن البهو الرئيسي الذي يضم الآن مركز الإدارة في المبنى يبدو وكأنه لم يتم المساس به حتى. في حين أن غرف تبديل الملابس تم تحويلها إلى استديو تصميمٍ رائعٍ وبعض المكاتب مقدماً بيئة العمل المثالية المتكاملة. ولكن ما جعل إعادة تصميم المكان وتكييفه مشروعاً ناحجاً بحق، كان بركة التزلج المعلقة والمسماة bastard bowl والتي تملأ المساحة التي كانت كشرفةٍ أمام مقاعد جلوس المتفرجين في السينما. ولا يسع شركاء Comvert إلا أن يغبطوا أنفسهم على هكذا مكانٍ وهكذا تصميم، بل على كل موظفٍ في Comvert أن يقرص نفسه كل صباح ليتأكد بأنه هو المحظوظ الموظف في هذه الشركة حقاً.

وهكذا نجد أمامنا سبعة أمثلة لأنجح مشاريع إعادة الاستخدام لمبانٍ قدر لحياتها المهنية أن تنتهي، ولكن وُجد المعماريون والمصممون الذين يقدرون قيمة وكلفة بناءٍ ضخمٍ يمكن إلباسه حلةً معاصرة ثم دمجه في حياتنا اليومية المتطورة.

إقرأ ايضًا