زها حديد والسوبرماتية

3

لربما هو ولع زها حديد بالفن الروسي يظهر على الساحة من جديد، فقد أعلنت دار Galerie Gmurzynska Zurich عن ترحيبها بالمصممة العراقية في معرضٍ فني تحت اسم Zaha Hadid and Suprematism أي زها حديد والسوبرماتية أو “التفوقية”، حيث أرادت المصممة المبدعة والحائزة على جائزة بريتزكر، من خلال هذا المعرض أن تحيي أعمال فناني حركة Avant-garde أو الرواد الروسية والتي تعود إلى أوائل القرن العشرين.

إذ تعهدت زها قلب معرض Galerie Gmurzynska في ساحة Paradeplatz التاريخية في قلب زيوريخ رأساً على عقب، مستعينةً بالعديد من الوسائل ومسلطةً الضوء على مجموعةٍ من الأعمال المختارة لفناني حركة Avant-garde، وأعمال أخرى بتوقيع Ilya Chashnik و El Lissitzky و Kasimir Malevich إلى جانب Alexander Rodchenko و Nikolai Suetin، إيماناً منها بعظمة الفن الروسي وتأثير هذه القطع على مساهماتها المعمارية العصرية والاستثنائية.

يعتبر هذا المعرض الأول من بين المعارض التي يربط ما بين أعمال زها حديد وفناني الحركة السوبرماتية الروسية؛ وهي الحركة الفنية التي تركز بشكلٍ أساسي على الأشكال الهندسية الأساسية والتي اشتهرت بشدة في الوسط المعماري في أوائل القرن العشرين، إذ نلحظ عند تفحص السيرة المهنية لزها تأثرها الشديد بهذه الحركة.

فعند تخرجها في العام الدراسي 1976-1977 قامت بتقديم مشروع تخرجها إلى كلية Architectural Association المعمارية في لندن والذي يرتكز على لوحة Tecktonik للفنان الروسي Kasimir Malevich، حيث قامت بدراسة تأثير التحليل البصري في أعمال ماليفيتش واستعانت بذلك فيما بعد في أول انطلاقةٍ لها عند تصميمها إحدى الفنادق في لندن.

مصحوبةً بنفس الاهتمام، قامت زها بالاستجابة إلى طلب إدراة متحف غوغنهايم في نيويورك لتصميم معرضٍ خاص بأعمال فناني روسيا من حركة Avant-garde تحت عنوان The Great Utopia أو المدينة الفاضلة العظيمة.

أما مؤخراً وبالتزامن مع تسمية زها من بين أكثر 100 شخص تأثيراً في العالم في استفتاءٍ أجرته صحيفة التايم الأمريكية، ظهرت رغبة المصممة القديمة برد الجميل وتسليط الضوء على الأعمال الفنية الكبيرة لنفس الحركة مما تبقى في يد العامة مثل لوحة Dissolution of a Plane والتي تعود لعام 1917 بريشة ماليفتش ولوحة Composition No. 99 بتوقيع أليكساندر رودشينكو من العام 1920.

وبالعودة إلى تاريخ الحركة والغوص أكثر في معالمها ونشأتها قبل تسعين عام، نجد أن ثورة أكتوبر قد أشعلت فتيل الطاقة الخلاقة التي لم تندلع قبل أي وقتٍ مضى على كوكب الأرض، في حين استفادت بعض البذور الفتية التي كانت موجودة مسبقاً وازدهرت وأصبحت بالآلاف المضاعفة بانقضاء عشرة سنوات على الثورة.

وقد قام بعض المتحمسين لخلق مجتمعٍ جديد بشحن روح الثورة التي كشفت عن طاقةٍ إبداعية مذهلة في ظل أسوأ الظروف المادية، وكشفت وتيرة العمل الإبداعي الفني والعلمي والمعماري أي ما يتعلق بالكم والنوع، عن واقعٍ مذهل إلى حدٍ كبير في مدةٍ قصيرة في حين يتطلب الأمر خمسين سنة أخرى في أماكن أخرى من العالم.

أما فيما يخص الأعمال الفنية والمعمارية، فإننا لم نسمع بشيءٍ جديد خلال القرن العشرين لم يأت به فنانو العقد الأول من ثورة أكتوبر، إلا في نهاية عصر الثورة الالكترونية التي فتحت المجال أمام أفقٍ جديدة من الاحتمالات التي لم يكن ليحلم بها أحدٌ في بداية هذا القرن.

إذ لم تكتف حركة Avant-garde باستقراء المفهوم العمراني الذي ساد على الأعمال الفنية في فترة الخمسينيات، فقد تم تصميم المشاريع آنذاك بوحيٍ من الكتل العمرانية الضخمة والمثالية في فترة الستينيات، وبأسلوبٍ تغلب عليه روح التكنولوجيا الفائقة في فترة السبعينيات.

فمشروع Leonidov مثلاً في عام 1927 الذي قدمه إلى معهد لينين قد سبق عصره بخمسين سنة، في حين استطاع مشروعه الفائز في مسابقة وزارة الصناعة السوفيتية، أن يكون ملهماً لعمارة المدن حتى وقتنا الحالي، وهو عبارة عن أبراجٍ مختلفة على منصةٍ عمرانية، ويكمن تميز هكذا مشاريع في مقدرة تطويقها بإطارٍ تفاعلي دقيق من المعارض والمعاهد الأكاديمية والمسابقات العامة.

وتشترك هذه المشاريع جميعها بغض النظر عن التطور المتسارع، بمدلولٍ اجتماعي وسياسي حقيقي، وحتى فإنها استطاعت أن تتغلب على التجربة الروسية الاجتماعية العظيمة والفضل طبعاً لإبداعها الفني وتفردها، فعلى سبيل المثال نذكر هنا منحوتات أليكساندر رودشينكو المعلقة الرائعة، والتي استطاعت أن تقدم أفقاً جديدةً عن المكان مما فسح المجال أمام إدراك جديد لما يدعى بعصر المكان، كما ونجحت بتشكيل مجموعة تعتبر إلى حد الآن من أهم التجارب الفنية الرائعة.

وبالانتقال إلى زها وعلاقتها بهذه المدرسة العظيمة، يمكننا القول بأنها عملت في هذا المعرض بوحي من مناهج فناني حركة avant-garde الروسية الأوائل، وعلى وجه الخصوص أعمال مالفيتش، الذي يعتبر مسؤولاً هنا عن الاكتشاف الضخم والهام للعمل التجريدي، الذي كان عاملاً أساسياً استطاع أن يدفع الأعمال الإبداعية وحتى اليوم إلى مستوى الابتكار.

فقد تم وأخيراً التخلي عن المحاكاة إلى الأبد، وبات الطريق مفتوحاً أمام الإبداع غير المتناهي، وأصبحت المساحة، وحتى فكرة العيش في عالم أفضل، مساحةً للإبداع المحض، أما مالفيتش فقد سمي رائداً في مجال العمل التجريدي، إذ استطاع أن يربط للمرة الأولى بين الفن المجرد وفن العمارة عن طريق أعماله “البنائية” الأولى.

ومع ذلك من المهم أن نلاحظ بأن هذه المنحوتات البنائية، التي كنا نراها نوعاً من العمارة البدائية، أصبحت مقيدةً هندسياً بشكل كبير أكثر من لوحاته الزيتية نفسها، فهي عبارة عن تراكيب متوازنة ديناميكية تلتزم على نحو صارم بمبدأ التعامدية، قام مالفيتش بإبداعها على شكل كتل تكعيبية ذات أسطح مجاورة وبالتالي فإنها تنفي أي احتمالية للاختراق، وإنها، أي هذه الأعمال التكعيبية المقيدة، استطاعت أن تصور لنا معظم الأعمال المعمارية الحديثة في روسيا وفي بقية أنحاء العالم.

وأخيراً فإن زها حديد استفادت بشكل كبير من هذه المبادئ المعمارية غير المطروقة بشكل ظاهري، إذ قامت بترجمة المساحة الضالة والمضادة للجاذبية في رسومات مالفيتش و Moholy-Nagy ومنحوتات El Lissitzky و Naum Gabo، إلى لغة معمارية خاصة بها.

إقرأ ايضًا