رسالةٌ من قاربٍ بلاستيكيٍّ إلى العالم أجمع

2

شارف القارب المصنوع من عبوات البلاستيك من تصميم شركة Exploration المعمارية، على نهاية رحلته عبر المحيط الهادئ بحملته Plastiki Expedition بدءاً من سان فرانسيسكو وانتهاءً عند سيدني في حملةٍ يُظهر فيها قضية التلوث في البحار.

يُدعى بدن السفينة بلاستيكي أو “Plastiki” إذ يتألف بكامله من عبوات البلاستيك المليئة بالهواء المضغوط، وقد لُفت مجموعة العبوات الكبيرة هذه بغطاءٍ من الألياف المانعة للحرارة، والتي صُنعت بدورها من عبوات البلاستيك المكررة, مع الأخذ بعين الاعتبار أنه قد تم إنجاز بناء القارب من بلاستيكٍ مكررٍ لتتم عملية إعادة تكريره بعد الرحلة.

تم استخدام 21,500 عبوةٍ لبناء جسم السفينة، وهو نفس الرقم الذي يمثّل كمية استخدام الأمريكيين لهذه العبوات كل ثمانية دقائق.

كان القارب قد أبحر عبر الهادئ الذي بدا كرقعةٍ تطفو عليها النفايات البلاستيكية، ولهذا دلالته القوية على طريقتنا الظالمة في معاملة المحيطات، وكأن لهذه المياه قدرتها اللانهائية على احتمال القاذورات التي نرميها فيها، وطالما أننا لا نرى هذه الأوساخ نتصرف وكأن شيئاً لم يكن، ولا نُزعج أنفسنا.

ومن الأمثلة الواضحة لما هو خطأٌ في سلوكنا الحالي مع مصادر الحياة التي نهملها ونبذرها بل ونلوثها أيضاً، أن أكثر النفايات الموجودة في حاويات القمامة هي نفاياتٌ بلاستيكية سرعان ما تتحلل إلى بوليمر يمتص بقية الملوثات ويسرّع من القضاء على الحياة البحرية في السلسلة الغذائية.

وكان الهدف من حملة “البلاستيكي” بعد تصميم قاربٍ من عبوات البلاستيك ليبحر عبر المحيط الهادي؛ أن يعمل على لفت الأنظار إلى المشاكل التي تواجه المحيطات ومحاولة عرض بعض الحلول التي يمكن اتخاذها للسيطرة على المشكلة.

ونتفق جميعاً أنه وتحت راية هدفٍ كهذا كان لابد للقارب من أن يضم عبواتٍ قابلةٍ للتكرير مئة بالمئة، مولداً كل طاقاته بنفسه ودون إنتاج أية نفايات. كما ارتأت الشركة المصممة Exploration بأنه حبذا لو تُستخدم العبوات كما هي دون المساس بها بدلاً من تذويبها وصهرها وصقلها لينتج عنها قاربٌ تقليديٌّ لا يُمثل شعار ورمزية الحملة.

كانت أولى التحديات في إيجاد طريقةٍ لتحويل مواد خفيفةٍ جداً “عبوات بلاستيك” إلى مادة بناء لصنع هيكلٍ قادرٍ على احتمال ظروف الإبحار، بالأحرى قادراً على عبور المحيط بأكمله. وقد ألهمتم الكثير من المصادر بأفكارٍ متنوعةٍ، إلا أن أبرزها وأفضلها كانت فكرة “الرمان”.

أدرك المصممون أن لكل جزءٍ منفردٍ درجة ضغطه الداخلية، والتي بالتقارب من بعضها بشكلٍ هندسيٍّ معين وببشرةٍ قاسية ستُنتج هيكلاً قوياً مقاوماً. وكان هذا ما قادهم إلى فكرة تعبئة كل عبوةٍ بالهواء المضغوط، وكانت حركةً بسيطةً إلا أنها حولت العبوات إلى قطعٍ في غاية الصلابة والقوة.

ثم أثبتت التجارب أنه وبعبوتين فقط مملوئتين بالهواء المضغوط يُمكن دعم وزن سيارة. وهكذا نص المخطط المبدئي على فكرة تشكيل حزماتٍ من العبوات المتراصة المؤطرة بنسيجٍ وكسوةٍ صلبة من الخارج. وكان هذا ما نتج عنه لاحقاً بالتدريج لبُّ القارب من مادةٍ صفائحيةٍ “مصنوعةٍ من تكرير العبوات البلاستيكية” والتي سيُحزم القارب حولها ليحصل على متانته وقدرته على الطوفان وكانت هذه هي الخطة التي قادها المعماري البحري Andy Dovell.

حقق فريق التصميم اكتشافاً ثورياً عندما اكتشفوا مادةً رقائقية تُدعى SrPET تُصنع من البلاستيك المكرر حيث ينتج عنها مادتين، إحداها كالألياف والأخرى كالصمغ، وعند دمجهما معاً يخلقون نسيجاً يٌشبة الفيبرجلاس الليفي العازل.

إلا أنها ليست مادة غير قابلةٍ للتكرير كالفيبرجلاس، فالـ SrPET مادةٌ مصنوعةٌ من مادةٍ واحدةٍ فقط ويمكن تكريرها دون أية إضاعةٍ للكمية أو تغييرٍ في خواص ونوعية المادة، لتعبّر بذلك عن خلاصة وجوهر فكرة الاستدامة والتصاميم صديقة البيئة. إلا أن أبرز التحديات التي واجهت تصميم القارب كانت في الأنظمة التي كان لابد من تضمينها، فهو محكومٌ بأن يكون قارباً عديم الانبعاثات الضارة.

ومن المعروف أنه يسهل تضمين تقنياتٍ عديمة الانبعاثات الضارة أو النفايات على المشاريع ذات المدى الواسع، فإن استطاع القائمون على المشروع إثبات أن قارباً صغيراً قادراً على تضمين هكذا تقنياتٍ في بنيته فإنها ستكون حجةً على القوارب الكبيرة، ورسالةً مفحمةً لكل من يبخر عمام البحار ويُعاملها وكأنها مستنقعٌ يستوعب نفاياتهم.

فيما يخص المواضيع المتعلقة بالطاقة، فقد تم تضمين الكثير من المصادر المتجددة كتوربينات الهواء، والتوربينات البحرية والألواح الضوئية، بالإضافةٍ إلى نوعٍ جديدٍ من الطاحنات اللاهوائية التي يُمكن لها تحويل المخلفات البشرية إلى هيدروجين.

كما استلهم المصممون فكرة تحلية مياه البحر للطاقم من طريقة جمع سكان ناميبيا للمياه من تكثيف البخار في الصحراء معتمدين على الضباب. وقد شعر الجميع بالرضى أيضاً بأن حاكوا الكثير من الأساليب القديمة في إنجازهم لكامل المشروع، فحتى الصمغ المستخدم كان من مواد طبيعية قابلة للتكرير بدلاً من المواد الكيميائية التي عادةً ما تُستخدم في بناء السفن.

تطورت أثناء عملية بناء القارب الكثير من الأفكار للمحافظة عليه صديقاً للبيئة، ونجحت فكرة تصميمه بالكامل من موادٍ قابلةٍ للتكرير بلا أية نفاياتٍ أو تلوث. فالعبوات يمكن إعادة تكريرها وتذويبها إلى بلاستيكٍ قابلٍ للاستخدام، ومادة SrPET قد تُنقل للاستخدام في قاربٍ آخر أو تُذاب لتشكيل عبواتٍ مرةً أخرى، أما الأنظمة فيمكن إعادة توظيفها في مكانٍ آخر وإعادة استخدام أدوات الإبحار من جديد ودون أدنى شك.

إن إصرار David على أن يكون المشروع حلاً أكثر من كونه حملة توعيةٍ كان ناجحاً ونتجت عنه حلقةٌ متكاملةٌ من أنظمةٍ ووسائل التصميم السليمة. وهذا ما يؤكد لنا، ومن موقف الحق، بأنه من الممكن إعادة استخدام النفايات وتصميمها، لنُعيد التفكير بطرق استخدامنا لمصادر الحياة ولنفكر بحولولٍ ذكيةٍ تحميها وتحفظها.

دوناً عن أهداف الحملة كان لصناعة القارب هدفين لابد من إرسائهما في عقول الناس: الأول هو إثبات أن استخدام المواد يمكن أن يكون حلقياً لا تسلسلياً -أي نبدأ بالمادة كمادةٍ خام ونعيد تكريرها مراتٍ ومرات إلى أن تعود في النهاية إلى مادةٍ خام متحللة- والثاني توجيه الناس إلى استخدام طاقة الشمس بدل طاقة الوقود النفطي. كما أن لمحاكة الطبيعة دورها في تزويد البشرية بالكثير من الحلول التي تُحافظ على نظافة ونقاء مصادرنا، كما مشروع “حملة بلاستيكي” الذي أدى إلى الكثير من التغييرات الإيجابية.

ختاماً نشير إلى أن قارب حملة البلاستيكي يوشك على الوصول إلى سيدني الأسبوع المقبل.

إقرأ ايضًا