العمارة تلقّح مدينة ذابلة

1

ماذا سيحصل يا تُرى لو صدقت أسوأ التوقعات؛ ماذا لو خلت لندن تماماً من النحل؟ كيف سيتم تلقيح الأزهار حينها؟ وهل ستذبل المدينة بغياب النحلات العاملة؟

تحسباً من وصول الحال إلى هذا الحد، ومنعاً لتفاقم الأوضاع، اقترح الطالب المعماري بين كيرك من جامعة ويست مينستر تصميماً تصورياً لأبراجٍ يتم وضعها في حدائق كيو الملكية، تتمثّل مهمّتها في نشر ملايين الأبواغ الاصطناعية في الأثير، لتعمل بذلك عمل النحلات العسالة التي بدأت أعدادها بالتناقص التدريجي.

أما محلياً، فيستم وضع بعض نقاط إصلاح وجمع صغيرة في منتزه فكتوريا في منطقة هاكني لتعمل بشكلٍ دائم ومستمر على إعادة تدوير هذه النحلات البديلة؛ فهنا فقط تلقّح العمارة مدينةً ذابلة.

حيث ستعمل مباني إعادة التدوير المنتشرة في أنحاء المدينة على امتصاص أبواغ حبات الطلع غير المستخدمة لتعيد توزيعها عبر قمع على شكل بوق موجود في نهاية أداة التلقيح، التي سيتم تصنيعها مع المجسات الليفية لتكون متوافرة للحدائق الخاصة كمنتجات جاهزة يتم تركيبها من قِبل متحمسي الحدائق وجميع الراغبين باقتنائها.

وإن تساءلتم عن مصدر إلهام المصمم بمشروعه، فهي تلك الفكرة المرعبة التي تبادرت إلى ذهنه في أحد الأيام؛ إذ تخيل كيف ستتلاشى حدائق لندن في حال فقدان النحل العسّال الشهير، فحينها سيفتقد السكان طنينها في الأيام الصيفية الحارة، كما سيفتقدون عسلها الشهي، وعلى مستوى أقل وضوحاً، سيفتقدون عمليات التلقيح التي تسمح للنباتات عادةً بالإزهار والتكاثر بشتى الألوان والأشكال الرائعة التي لطالما عهدوها في مدينتهم الغالية.

بناءً عليه، لم يأتي شكل النحلة العسالة الواضح في التصميم وليد الصدفة؛ فما هو إلا نتيجة منطقية للمهمة والوظيفة التي يؤديها المبنى، ففي الوقت الذي ستخصّب فيه “أداة تلقيح الحدائق” حدائق لندن الخلفية، ستتألق كالثريا بجسدها المكتسي بشبكةٍ من النحاس عندما يمر الضوء عبر بلاستيك البريسبيكس الصلب المغطى بالطلع.

وحسب تصوّر المصمم سيتم تعليق هذه الأداة إلى الزوايا الأربع للحديقة الخلفية لتراس لندن النموذجي بوساطة أسلاك شد، بحيث تعوم الأداة في الوسط لتعتمد بشكلٍ أساسي على حركة الرياح السلبية والحركة الشاقولية للمجسات المتوازنة للانتشار من مآبر أزهار حديقةٍ ما إلى مياسم أزهار حديقة أخرى.

وهكذا وما أن تتم عملية التلقيح بنجاح حتى يتم إعادة تدوير تلك النحلات البديلة في “مرافق فضائية لإطلاق الطلع” يكون من شأنها تخصيب لندن بطريقة استراتيجية، حيث تعمل هذه المرافق كورشات عمل لإعادة تدوير وإعادة إنتاج الملقحات المطاطية من جهة، وكحاصدات للرياح من جهة أخرى، حيث تعمل على زيادة تدفق الهواء عبر القمع الأساسي بفضل منفذ الرياح الجانبي والمخرج المطل على الحدائق المخصص لنشر النحلات البديلة في سماء المدينة.

وعلى الرغم من ركاكة المظهر الخارجي للأداة يقترح المصمم بأنها تندمج بكل سلاسة مع النسيج العمراني في منتزه فكتوريا، هذا من الخارج، أما من الداخل فيتمتع المرفق بورشة عمل هائلة الارتفاع يتوسطها عرضٌ مذهل “لإطلاق” الأكياس البوغية التي ستجذب بكل تأكيد جميع الزوار.

أخيراً، لابد لنا وطرح سؤال هام هنا؛ هل ستُغني حقاً هذه الأداة العصرية المبتكرة بإيجابياتها الكثيرة عن حضور النحل المتألق في سماء المدينة؟ وإن كانت ستنجح في تلقيح النباتات وهو أمرٌ لا يُستهان به، هل سيكون بإمكانها صنع العسل ياتُرى؟

إقرأ ايضًا