عمارة مفزعة

2

لا تفزع عزيزي القارئ مما تراه…

فهذه ليست إلا بعض بنات أفكار الفنان فيكتور إنريتش الذي بدأ مسيرته الفنية منذ عمر العشر سنوات، عندما كان يصمم مدناً غير واقعية بكافة تفاصيلها من الأبنية إلى التضاريس والحافلات وخطوط المترو مروراً بالشوارع وأسمائها وانتهاءً بكل عنصرٍ تمتلكه المدن.

إن أردت التعرف أكثر على جذور هذه الموهبة وطريقها نحو النمو وأخيراً تفاصيل عملية التوصل لمثل هذه التصاميم فتابعوا مايلي:

كان فيكتور ينجز تصاميمه بمقياس 1/5000 باستخدام أدوات بسيطة؛ قلم رصاص وورق قياس A4، لتكون النتيجة المذهلة عبارة عن لعبة بزل تهدف للوصول إلى مناطق بمساحة بعض الأمتار المربعة.

هذا في سن العاشرة، أما في سن الثالثة عشر، فقد تعرّف عندها على الحواسيب وبعض برامج كاد الخاصة بالرسم، والتي دفعت به للتخلي عن قلمه الرصاصي ويعتمد على صديقته الفأرة وشاشة الحاسوب اللتين أصبحتا أدواته الجديدة للتوصل إلى رسومات مدن ثنائية الأبعاد دقيقة وقابلة للطباعة بمقاييس مختلفة.

بعد عامين من الزمن، بلغ فيكتور الخامسة عشر، وعندها بلغ مرحلةً جديدة في مسيرته الفنية، اكتشف برمجيات كاد ثلاثية الأبعاد التي ساعدته على إنجاز رسومات تفوق تلك ثنائية الأبعاد بفضل الخصائص العمرانية الافتراضية المذهلة التي تمكّن من اكتشافها.

وإن تساءلتهم عن مصادر الوحي والإلهام فهي بمتناول الجميع؛ إنها الكتب المعمارية والعمرانية والجغرافيا الفيزيائية التي يمكن للمرء الحصول عليها من المكتبات المختصة، بالإضافة إلى الخرائط ذات التفاصيل الصورية الدقيقة للغاية.

ففي تلك الخرائط وجد فيكتور تلك الشرارة التي أوقدت ذهنه المعماري الخيالي، وبشكلٍ أدق إنها تلك المدن الأميريكية الواقعية، حيث لطالما لعبت دوراً هاماً في شحذ مخيلته الافتراضية بفضل حجم وغرابة أبنيتها وشوارعها وطرقها الضخمة الساحرة.

وليست وحدها المدن الأمريكية من سحر فيكتور، فقد أذهلته أيضاً المسلسلات الأمريكية في فترة الثمانينيات ولعبت دوراً هاماً في تخصيب ذهنه.

ومع قدوم سنوات الرشد، بدأ فكتور بدراسته لاختصاص العمارة مسلحاً باعتقاده بأنها أقرب حقلٍ من العلوم لشغفه العميق بالمدن والمساحات العمرانية.

وهكذا سمحت له كافة المهارات التي تعلمها في مجال التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد أن يبدأ بالتصور المعماري بشكلٍ احترافي، حيث كان أول عملائه هم أساتذة الجامعة الذين رأوا في التصاميم ثلاثية الأبعاد أداةً قوية لتجسيد الأفكار المعمارية، إلا أن ذلك التفاني المهني المرهق في تلك الفترة قد خلق هوةً كبيرة مع عشر سنوات من انعدام الخلق المعماري التصوري، الأمر الذي أدى في مرحلةٍ من المراحل إلى خسارة اهتمام فيكتور تماماً بالعالم الافتراضي ثلاثي الأبعاد.

ولكنه ومع حلول عام 2005 قرر رفض هذا الحال تماماً، فاستأنف عملياته التصميمية ثلاثية الأبعاد بهدف استعادة مشاعر الطفولة المنسية.

وهكذا بدأ بتكريس المزيد من الوقت رويداً رويداً لأعماله الإبداعية بدلاً من تلك المهنية، وفي تلك المرحلة بدأ يستخدم تقنيات تنقيح وتعديل الصور للتوصل إلى نتائج أكثر واقعية من سابقاتها.

ومع هذه التقنية الجديدة بالإضافة إلى تقنيات أخرى، تمكن من تحقيق قفزة نوعية في تصاميمه التي لم يعد هدفها فقط سبر غمار اللاواقعية، ولكن بدأت بالتوجه نحو خلق بيئات واقعية هجينة بعناصر داخلية افتراضية؛ باختصار التوصل لمرحلة التصاميم الراهنة.

مع حلول عام 2010 تزايد إنتاج فيكتور الإبداعي بشكلٍ كبير، وبدأت الأعمال بإحياء الأشكال العمرانية، التي تعد ربما من أكثر المجالات التي يتم التغاضي عنها في العالم المعماري… مدنٌ لم يتم تصميمها حتى الآن، فما ترونه في الصور هو نتيجة لعمليات إضافة واقتطاع عشوائية لعناصر ومبانٍ وطرق، وما إلى ذلك.

ففي مثل هذه الأعمال يكون هناك عملية فهم خفية للمدينة على المستوى الهندسي، حيث يتم تحليل ووصف السمات العمرانية بهدف إنقاذ سريتها عن طريق تطبيق كافة أنواع العمليات الهندسية التي توحي بها تلك الأبنية.

أما على المستوى النفسي، فهنا تكمن أهمية عامل المفاجأة لدى تفحّص الصور، الأمر الذي يساعد على الدخول في مرحلة الإثارة العقلية حيث يبدأ الخيال بالانسياب والتحليق بحرية.

الجدير بالذكر هنا هي أهمية الثقافة الشائعة التي يتم اكتسابها عن طريق النشاطات اليومية التي تحدث في المدينة الواحدة أو في البلاد التي تحتضنها.

بالنسبة للتقنيات فيستخدم فيكتور مزيجاً من الصور الفوتوغرافية والتصورات المعمارية ثلاثية الأبعاد، وما إن يتم اختيار العنصر يتم تصويره من عدة نقاط يسهل على المستخدم تمييزها وإدراكها، وهنا يعلق المصمم بأنه لا يدعي على الإطلاق التقاط أفضل صورة على الإطلاق، ولكن صورة لا يمكن لأحد التقاطها.

وبما أن الصورة هي أساس التوصل لنسخ معدلة عن المبنى باستخدام تقنيات برمجية مفصلة يكون من شأنها التوصل إلى نموذج ثلاثي الأبعاد يلائم الصورة. الجدير بالذكر هنا أن هذا النموذج ثلاثي الأبعاد يمكن استخدامه فقط في لقطة واحدة، وذلك لاحتوائه على تشويهات بصرية أساسية تجعل من استخدامه في صورة فوتوغرافية أخرى أمراً مستحيلاً.

ولدى الانتهاء من كل ذلك، تبدأ عملية محاكاة إضاءة البيئة بهدف الحصول على درجات لونية تناسب الصورة، وبعدها يتم خلق قوام معماري مطابق للعناصر الحقيقية، وفي هذه المرحلة تتم رندرة المبنى ثلاثي الأبعاد لاختبار مدى مشابهته للصورة الأصلية، وعندما يتم التوصل إلى مستوى شبه مناسب يتم تطبيق التشويهات و/أو التعديلات المقررة منذ البداية.

باختصار نحن أمام عملية تتطلب دقة عالية وتفاني كبير، لذا وقبل البدء بالعمل لابد المرور بعملية انتقائية للغاية.

إقرأ ايضًا