لكل من يهتم ببلده وأولاده

0

من غير الضروري أن تكون معمارياً حتى تعطي أفكاراً معمارية…

وخير مثال على ذلك ما تقدمت به رئيسة تحرير المعمارية، مي الصابوني، حيث جاءت بمايلي:

مع التقدم التكنولوجي وظهور الألعاب الإلكترونية والتقنيات ثلاثية الأبعاد، قد لا يتسنّى لأطفال هذه الأيام العودة بآلة الزمن للوراء والاطلاع على تلك الألعاب الشعبية الممتعة التي كان آباؤهم أو حتى أجدادهم يلعبون بها على مدار الساعة في الأزقة والساحات القديمة.

ومع الأخذ بعين الاعتبار الانفصال الاجتماعي الذي يعاني منه معظم الأطفال وفي شتى أنحاء العالم، والأمراض البدينة والنفسية؛ من بدانة إلى فرط نشاط وعدوانية ونقص تركيز وانعزال ووحدة، جاءت فكرة ساحة الألعاب الشعبية هذه، والتي تستقي أشكالها التصميمية من الحصوة، التي كان لها فيما مضى دور البطولة في ألعاب الشارع السوري على سبيل التحديد، حيث يمكن حشرها في المنتزهات العامة وفي المجمعات السكنية لتؤمن مكاناً ترفيهياً للأطفال والأهالي على حدٍ سواء.

أما عن الهدف من مثل هذا المشروع فيمتد على عدة أصعدة؛ أولاً وعلى الصعيد النفسي الخاص: تحفيز أطفال عصر التكنولوجيا هذا على التفاعل مع بعضهم البعض فعلياً وليس عن طريق الشبكات الاجتماعية والهواتف الذكية، التي كادت أن تقتل العلاقات الاجتماعية الفعلية التي لطالما اتسم بها الشعب السوري.

زد على ذلك، بناء شخصيات قوية ومبادرة وإخراج الأطفال من عزلتهم لبناء علاقات وتفعيل الاحساس بالمنافسة والتعاون والصداقة مع الأطفال المشاركين في الألعاب التي تعتمد معظمها على أكثر من شخصين؛ كلعبة السبع حجرات، والدحل، ونبأ، والدكرعة، والحيز وغيرها.

ثانياً وعلى الصعيد الجسدي: بما أن جميع هذه الألعاب تعتمد على تحريك الأطفال لمعظم عضلات أجسداهم عن طريق الركض والقفز واستخدام المهارات الحركية، سيكون من شأنها بناء أجساد أقوى والتقليل من ظاهرة البدانة التي باتت منتشرةً على نطاقٍ واسع بسبب الأطعمة المضرة التي جلبتها لنا الحياة المعاصرة، كالمشروبات الغازية والتشيبس والسكاكر وغيرها، والتي يتناولها معظم الأطفال على مدى الساعات التي يقضونها أمام شاشات التلفزيون والحاسوب وغيرها من منتجات تكنولوجيا هذا العصر الرقمي.

إضافةً إلى ذلك، وبما أن مثل هذه الساحات سيتم بناؤها في الهواء الطلق، سيكون لذلك التأثير الكبير في تعريض الأطفال لأشعة الشمس والهواء المنعش عوضاً عن جلوسهم في غرف الألعاب الالكترونية المعتمة وقاعات اللعب المغلقة المشبعة بالرطوبة.

وأخيراً على الصعيد العائلي: ستؤمن مثل هذه الساحات فرصة لتعزيز العلاقات العائلية، حيث ستمثّل رحلة الخروج مع أفراد العائلة مشروعاً ترفيهياً مشتركاً، خاصةً مع المقاعد القريبة التي يوفرها التصميم لمُرافقي الطفل، ليقضوا أجمل الأوقات في مطالعة كتاب تحت المظلات الأنيقة أو تناول وجبة خفيفة أو التقاط صورٍ لأطفالهم الذين سيكونون على مقربةٍ منهم وتحت رقابة أعينهم متمتعين بألعابهم المميزة.

وبما أنها ألعاب شعبية قديمة يمكن للأهالي أيضاً أن يستغلوا فرصة تعليم أطفالهم أسرار وفنون اللعبة كونهم قد مارسوها في صغرهم وخبروها جيداً.

هنا تجدر بنا الاشارة إلى الألعاب التي تتضمنها الساحة التي سيتم تقسيمها إلى مساحات بحواف منحنية تتراوح كل منها بين 150 و 300 متر مربع، حسب نوعية اللعبة وخصوصيتها، حيث يمكن لفريق واحدٍ في بعض الألعاب أن يشغل مساحةً كاملةً وحده، في حين قد تتسع مساحة معينة لأكثر من فريق في نفس المكان. وفيما يلي تعدادٌ ووصفٌ بسيطٌ لها:

1- لعبة الحيز: وهي عبارة عن مستطيل مقسم ليتسع للأرقام من واحد لستة، يستخدم فيها الأطفال حصوةً يرمونها على إحدى الأرقام ليبدأ اللعب والقفز والتنافس بعدها. أما عن تصميم اللعبة فيأتي بحواف مبرومة مستوحاة من حصوة الشارع السوري القديمة، لتتلون أقسام اللعبة بألوان مفرحة ومتنوعة.

2- لعبة السبع حجرات: وفيها يتم ضرب سبع حجرات مكدسة بألوانها الزاهية على هيئة هرم بواسطة كرة، ليقوم لاعب من الفريق الآخر بتطبيقها بسرعة بعد أن تسقط. وهنا نشير إلى أنه سيتم تقسيم المساحة المخصصة لهذه اللعبة على شكل مثلثات متلاصقة لتتسع لأكثر من فريق.

3- لعبة الخمس حجرات: وهي لعبة لا تحتاج للكثير من المساحة، حيث تقوم على تثبيت خمس حجرات على كف اللاعب، الذي يرمي إحداها في الهواء ملتقطاً الحجرات المتوضعة على الأرض، لتعتمد على سرعة حركة يد اللاعب وخفتها.

4- لعبة الدكرعة: وهي لعبة سورية ساحلية تقوم على دفع كرات بعصي خشبية للدخول في حفرٍ في الأرض، فهي أشبه من حيث المبدأ لعبة الغولف الشهيرة، ولهذه اللعبة سيتم صنع تجاويف ملونة في الأرض لتحتضن كرات الأطفال الرابحين، أما عن معداتها الخاصة؛ العصي والكرات الملونة، فيمكن استئجارها من أكشاكٍ موجودة في مركز الساحة.

5- لعبة الدحل: وهي لعبة سورية شهيرة تدعى “الغلال” أيضاً، تقوم على ضرب كرات صغيرة جداً ببعضها البعض، حيث يربح اللاعب كل كرةٍ يصيبها، ولزيادة حماس اللعب والتشويق، سيتم وضع منحنيات وتضاريس صناعية تمر “الدحل” خلالها وأسفلها لدفع اللعبة إلى مستوى ثانٍ أكثر تشويق، كما سيتم توفير أكثر من حيّز واحد لتتسع المساحة المخصصة لهذه اللعبة لأكثر من فريق.

6- لعبة شد الحبل: وهي لعبة عالمية ستوفر الساحة حيزاً لها، بحيث تكون الأراضي ملونة بخطوطٍ تحدد فوز وخسارة الفريقين اللاعبين، كما سيتم توفير أمكنة لأكثر من فريقين فقط للعب في مساحةٍ واحدة مقسمة لاحتواء العدد المناسب.

7- لعبة نبأ: وهي لعبة تتضمن ضرب عصا مثبتة على الأرض وتتضمن الكثير من الركض، لذا هي بحاجة إلى مساحةٍ كبيرةٍ نسيباً.

8- لعبة عالي واطي: وفيها يلحق طفل بمجموعة من الأولاد الذين يحاولون الوقوف على مستويات مرتفعة، حيث يخسر كل من يتم مسكه واقفاً على مستوى منخفض، ومثل هذه اللعبة تتطلب أن يتم تزيينها بمناسيب مختلفة ومرتفعات جميعها تتميز بخطوطها المنحنية المستوحاة من حصوة الشارع.

وبما أن لمعظم هذه الألعاب معدات كثيرة تتضمن الكرات على اختلاف أحجامها، وحبالاً وحجارة وعصي، يتم تزويد الأطفال باحتياجاتهم بطريقة الرهن، حيث تحتضن الساحة ما يشبه كشكاً بحجراتٍ فيها معدات الألعاب التي تأتي بألوان مختلفة ومواد بلاستيكية، يتم تقديمها للأطفال مقابل مبلغ من المال يُسترد فور انتهائهم من اللعب وإعادتهم للمعدات كاملةً وبحالة جيدة.

ولإضفاء لونٍ أخضر على الساحة التي جاءت لتصادق الأطفال والبيئة أيضاً، سيتم زراعة بعض الأشجار السورية الشهيرة؛ كشجرة الدلبة والنانرج وغيرها من أشجار الحمضيات، لتؤمن التظليل المناسب، وتضخ الأوكسجين في المكان الذي سيحتضن أعداداً كبيرة من الأطفال اللاهثين.

في النهاية، يمكن تكييف مساحة الساحة حسب الموقع المخصص لها، حيث يمكن يتم تحديد عدد النشاطات التي تحتضنها وفقاً لسعته، إذ يمكن أن تتسع بعض الساحات للعبتين أو ثلاث فقط، في حين قد يتسع موقع أكبر لها جميعها، وعلاوةً على ذلك وعلى الرغم من تطبيق هذه الساحة على الألعاب الشعبية السورية، فهي قابلةً لأن تُطبّق على كافة البلدان، لتنعش تاريخ وإرث البلد الذي تُقام فيه، ولتنفع أبناء وأطفال البلد نفسه، بما أن حياة أسلافنا بمعظم تفاصيلها -وكما بات مثبتاً علمياً- كانت حياةً أكثر صحة وحيوية من حياة العصر الحالي.

بتوقيع مي الصابوني

البريد الالكتروني: [email protected] أو [email protected]

إقرأ ايضًا