كيف يصبح المنزل لانهائياً؟

6

لطالما كان المعماري النمساوي الأمريكي فريدريك كيسلر من أتباع المساحة المرنة، فعلى أي مكان أن يوفر الاستجابة المثلى للعديد من الوظائف والاستخدامات، فعلى سبيل المثال قام كيسلر في مشروعه إندلس هاوس أو المنزل اللانهائي بتصميم منزلٍ كرويٍ مسطح أصبح فيما بعد قاعدةً لمصطلح Correalism أو الاستمرارية -إن صح التعبير- التي نادى بها حتى آخر يومٍ في حياته.

وفيه أكد على الأشكال اللولبية اللانهائية كحلٍ بديلٍ عن الأشكال المعمارية التقليدية التي تفتقر إلى التفاعل ما بين الأفراد والأشكال والمساحات، فالمنزل اللانهائي يحظى بشكلٍ مبتكر يسمح للضوء بالوصول إلى كل ركنٍ من أركان الغرفة دون أن تحده الزوايا والجدران الداخلية كما يحدث عادةً في المباني التقليدية.

إذ يعتقد كيسلر بأن إيقاع الحياة دوري وتفاصيل الحياة تلتقي مع بعضها البعض خلال اليوم والأسبوع، تفصيلٌ يستقبل تفصيلاً بعده ويودع آخر قبله، فلا عجب أن أجزاء المنزل اللانهائي متداخلة فيما بينها على نحوٍ واضحٍ تارة وسري تارةً أخرى، لذا قوبلت نماذج كيسلر بوابلٍ من الانتقادات فقد خرجت عن قواعد الرسومات المعمارية الثابتة.

ولكن ذلك لم يثن عزيمته على الإطلاق وتابعت رسوماته النهج الذي اختاره منذ البداية، مساحات متداخلة… أدراج داخلية… سطوح متتابعة، وليس هذا كل شيء فقد بدأ كيسلر بتطبيق أفكاره على مواد البناء، حيث قام بصب الإسمنت المسلح على شبكة سلكية وبتغطية النوافذ ببلاستيك شبه شفاف، فضلاً عن تخريق الكتلة بفتحاتٍ عشوائية هنا وهناك.

ولن تستغرب بعدئذ استبدال أحواض الاستحمام بأحواضٍ متناثرة في كافة أرجاء المنزل، بل ستعتاد على رؤية أرضية مختلفة في كل مرة فتارةً من الحصى وتارةً من الرمل، وما بين الأرضيات المعشوشبة وتلك المغطاة بطين التراكوتا سوف تصبح عزيزي القارئ مستعداً لرؤية أي شيء.

يُذكر أن هذا المنزل قد عرض في متحف الفن الحديث MOMA من العام 1958 حتى العام 1959، وقد تضمن ذلك عرضاً لنماذج مميزة وصوراً من عملية التصميم، فضلاً عن رسومات معمارية غير تقليدية التي وصفها كيسلر بأنها “مفرطة الأبعاد” بالمقارنة مع الرسومات السريالية، كما وقامت إدارة المتحف بتكليفه لخلق نموذج كامل من منزله اللانهائي ليحتل حديقة MOMA لمدة عامين، ولكن للأسف لم يكتمل هذا المشروع واكتفى المتحف بعرض النماذج والرسوم والصور الفوتوغرافية.

قضى كيسلر الكثير من وقته كمصممٍ للمسارح والمعارض الفنية في فيينا خلال العشرينيات، وقد شهدت تلك الفترة تعاوناً وثيقاً مع المهندس المعماري أدولف لوس، في 1923 أصبح عضواً في مجموعة دي ستيل، وقد أثرت هذه العلاقات في مشاريعه ونظرياته المعمارية التي وجدت في كثير من الأحيان غريبة بل وشاذة، أما خلال الفترة من 1937 حتى 1943 تم تعيين كيسلر عضواً في هيئة التدريس في قسم الهندسة المعمارية في جامعة كولومبيا، مما اضطره لتدريس عمارة أكثر واقعية أقرب إلى التجارية، وقد كانت هذه الخطوة مؤثرة جداً في حياته فقد ابتعد للمرة الأولى عن أفكاره ونظرياته حول “الاستمرارية” التي لطالما نادى بها.

إقرأ ايضًا