احتفاءً بالمستوى الأفقي واحتراماً للإرث التاريخي

2

لأن المستوى الأرضي هو المنصة الأفقية التي تشهد معظم تحركاتنا في المدينة، ولأنه نادراً ما يكون مسؤولاً عن توليد فراغ المشاريع المعمارية، تأتي توسعة متحف جوانيوم في مدينة غراتز السويسرية لتقدم لهذا المستوى ما لم ينله من تقدير.

حيث جاء المقترح التصميمي رابح المرتبة الأولى في مسابقة توسعة المتحف التي أُجريت عام 2006 وليداً للرغبة في العمل ضمن حدود المستوى الأفقي الصارمة في المدينة، عبر تقديم مساحة عامة جديدة تعتمد على تصميمٍ متناقضٍ؛ بسيطٌ في أعماقه ومعقّد على السطح.

فقد ارتأى الشريكان المعماريان في هذا العمل، وهما شركة Eep المعمارية المحلية واستديو نيتو سوبيجانو الإسباني، أن المتحف بحاجة إلى عملٍ جديد ومتفرد؛ إذ يتألف من ثلاثة أبنية مختلفة الاستخدامات تعود لفترات تاريخية مختلفة أيضاً، تتقابل مع بعضها البعض من الناحية الخلفية عبر فناءٍ خلفيٍّ مهمل.

إذ تضم منطقة المتحف متحف التاريخ الطبيعي ومكتبة ستريا الإقليمية وصالة الفنون المعاصرة الجديدة، والتي تعود للقرن الثامن عشر ونهاية القرن التاسع عشر على التوالي.

لذا تتعامل التوسعة مع هذه العناصر كعضويات تنتمي لمؤسسةٍ واحدة، وبناءً عليه جاء القرار في منح المجتمع مدخلاً عاماً جديداً إلى جانب مساحاتٍ مرحّبة بالزوار وقاعة مؤتمرات ومناطق للقراءة مناطق أخرى خدمية، هذا عدا عن طابق التخزين والأرشيف السفلي.

فقد كانت النية هنا أولاً وأخيراً هي تقديم فرصة فريدة لتنفيذ مشروع تجديد عمراني ومعماري دفعةً واحدة، عوضاً عن الوقوع في فخ تصميم مشروع تطويري أيقوني على شاكلة تلك التصاميم التي طالت العديد من توسعات المتاحف مؤخراً.

فإن كان مركز مدينة غراتز التاريخي مميزاً بأسطح مبانيه التعبيرية، يأتي هذا التصميم ليطوّر مستوى ما تحت الأرض بشكلٍ كامل؛ فحسب زعم المصممين هم يعرّفون هنا رصيفاً جديداً يتحوّل لما يشبه سجادة كبيرة تغطي المساحة الخارجية الفاصلة بين المباني الثلاثة كلياً، تخبئ أسفل الأرض مساحات تضم البرنامج المطلوب.

وهذا ما يسمح بتقدير قيمة المباني التاريخية القائمة في الموقع، إذ أنه يُحدث تطويرات وتغييرات تحترم الخصائص المعمارية لتلك المباني، مؤثراً في نقاطٍ محددة للغاية من المساحات الداخلية دون التأثير على الصورة الخارجية والكتلة الأصلية.

حيث تظهر ضمن الساحة الجديدة المستمرة سلسلةٌ من الأفنية الأسطوانية، التي تجلب الكثير من الضوء الطبيعي لقلب المساحات الغائرة تحت الأرض، مقدمةً مدخلاً وردهة ومناطق مشتركة للمتحف والمكتبة، إلى جانب مكانٍ خاص للتجمع يمكن الوصول عبره إلى كافة المناطق آنفة الذكر. يتميز هذا المقترح المعماري بهندسته المجردة وجرأته المعاصرة، التي استطاعت أن تتحول إلى تعاقبٍ عشوائيٍّ ظاهرياً من نقاط التقاطع المخروطية المستمدة من شكلٍ افتراضيٍّ مفرد ثلاثي الأبعاد.

حيث تطغى الأسطح الزجاجية المنحنية المتواصلة على جسد هذه المخاريط، مرشّحةً الضوء الطبيعي المتغلغل في المساحات الداخلية، ومنيرةً الساحة بالاتجاه المعاكس بالضوء الاصطناعي المشع منها ليلاً.

وهكذا يعكس المتحف، الذي يُعتبر من أهم المؤسسات الثقافية في غراتز العلاقة المتغيرة بين المدينة والفن.

إذ تشكّل ساحة الدخول الجديدة هذه تغيّراً غير اعتيادياً في المساحة العمرانية؛ حيث يراهن المعماريون هنا على التفاعل المشترك بين الفنون التشكيلية والعمارة، فهنا تخترق التوسعة الجديدة المستوى الأفقي دونما أن تُلاحظ، كاشفةً رمزياً وعملياً عن قدرة عمق العمل المعماري على الظهور على السطح… بشكلٍ مفاجئ.

إقرأ ايضًا