في الأحلام… كلّنا معماريون

2

لكل من يظن بأن العمل المعماري يقتصر على تنفيذ المشاريع على أرض الواقع نهديكم هذا الخبر. فهنا فقط ستجدون أن الفن المعماري يطغى تقريباً على كل تفاصيل حياتنا الواقعية وغير الواقعية، نعم غير الواقعية، كالأحلام على سبيل المثال.

فهل لاحظتم يوماً ما بأن أحلامكم تسيطر عليها الأجواء المعقدة والخيالية التي قد تتضمن في بعض الأحيان صروحاً معماريةً قد تكون بغاية الأهمية إذا ما وقعت بين يدي معماريٍّ مبدعٍ قادرٍ على ربط الحقيقة بالخيال؟ ربما لا يوافقني الجميع بذلك، ولكن ودون أدنى شك هنالك من يفهم تماماً ما نحن بصدد التكلم عنه.

خبرنا اليوم سينقلنا إلى موقع تصوير فيلمٍ سينمائيٍّ، وهو فيلمInception بالتحديد، حيث سنسبر أغواره دون أن نفسد عليكم حبكته وتشويقه.

ولكن للتطرق للجانب المعماري في هذا الفيلم علينا أن نقص عليكم بعض تفاصيل القصة؛ فبطل الفيلم، الذي يقوم الممثل ليوناردو ديكابريو بتأدية دوره، يحشد فريقاً محترفاً لسرقة الأسرار من أحلام الآخرين ويقوم في حالاتٍ نادرة بزرع أفكارٍ في لاوعي أشخاصٍ معينين.

أين وجه العمارة في ذلك؟

يتجسد وجه العمارة في الفيلم في أبراز شخصياته وهو شخصية أريادين التي تؤديها الممثلة إيلين بيج، ففي الفيلم تلعب هذه الممثلة دور معماريةٍ تعمل مع الفريق على تصميم الأحلام “معمارياً”.

ففي أبسط الحالات تقوم هذه المبدعة بتصميم متاهاتٍ تتداخل فيها الممرات مع بعضها البعض، وتكثر فيها النوافذ والطرقات التي تنتهي عند نفس نقطة البداية، كما تتحكم بالأبنية ومخططاتها بطريقةٍ خيالية، أما كيفية شغل هذه الأبنية وما الذي يُعرض داخلها في اللاوعي، فيتحكم به الحالم نفسه.

ولكم أن تتخيلوا كم تقود تصاميمها إلى أفكارٍ مجنونة، كالسلالم غير المنتهية والمدن التي تنطوي وتتكدس بكل ما للكلمة من معنى فوق بعضها البعض، ومع ذلك لا يكمن إبداعها في جنون التصاميم العظيمة وطموحها، وإنما في قدرتها على الارتباط مع الحالم مما يسمح للاوعيه من التجوال بحريةٍ وراحةٍ مطلقة بين جنبات التصميم لتمتلئ بأفكاره وأسراره.

طبعاً يتوجب على المعماري أن يصمم أماكن مألوفةً بالنسبة للحالم، ليتمكن الحالم بهذه الطريقة من الارتباط مع التصميم والارتياح له ليملأه بأفكاره وخيالاته. وبإدراك معماريتنا في الفيلم هذه الفكرة، تقوم أريادين بالتلاعب بالتصميم بعيداً عما اعتاد عليه الحالم ليؤدي ذلك إلى نتائج غير محمودة، وهنا يكمن التوازن الممتع، لأن على التصميم أن يكون مقنعاً ومثيراً ولكن ليس بعيداً كل البعد عن الواقع.

لكن ماذا لو كانت الأفكار التي تصمم عالم الأحلام قابلةً للاستخدام في حالتنا الواعية؟ فقد أوضحت أريادين بخصوص ذلك بأن تصميم الأحلام هو عبارة عن عملية “خلقٍ صافيةٍ” بأفضل حالاتها.

ومع أن أريادين لا تحدّها نفس القيود التي تقيّد المعماريين على أرض الواقع كعلم الفيزياء على سبيل المثال، فهي تمتلك مع كل ذلك بعض القوانين والقيود.

هنا يطرح سؤالٌ هامٌ نفسه بقوةٍ، فماذا لو كانت أذهاننا مفتوحةً كما أريادين؟ كي نختبر الاحتمالات على الدوام ونتلاعب بذلك الخيط الرفيع الذي يتحكم بكيفية ومدى تأثير الأبنية على الشخص. فلا نتمادى كثيراً ونحاكي القضايا التي تحكم بناء الأبنية تماماً كما تكون الأحلام؛ مستحوذةٌ وديناميكية.

ستلاحظ عند مشاهدتك الفيلم بأنه حبكته تتصعد على عدة مستويات، وبأنها مليئةٌ بالتعقيدات والتداخلات على قصةٍ بعدة أطراف، ولكن قوة الفكرة تبقى مستحوذةً على الأذهان ولن تنساها حتى النهاية. فهي تُقنعك بقدرة فكرةٍ معينة على الاستحواذ على شخصٍ ما لتغيّر من حياته بأكملها. إنها رسالةٌ هامةٌ وقويةٌ تلقي بنفسها أمامنا من خلال فيلمٍ فوضويٍّ ولكن ممتعٍ للغاية. ونتمنى أن تلاحظوا أثناء مشاهدتكم إياه الجوانب الغامضة والمضمرة للتصميم والعمارة والإبداع الهندسي الذي يطغى عليه.

إقرأ ايضًا