أفاعي شمسية في جنة لوس أنجلوس

2

هل صادفتكم يوماً ما مشكلة وكان الحل تماماً أمام أعينكم، ولكنكم كنتم عاجزين عن رؤيته واعتناقه؟

هذا تماماً ما لم يقم به المعماري والاستراتيجي السويدي مانس ثام؛ حيث طرح فكرة مشروعٍ تحت اسم “أفاعي شمسية في الجنة” يقترح فيه إنشاء بنى تحتية للطاقة الشمسية بالاعتماد على الطرق السريعة في لوس آنجلوس في الولايات المتحدة الأمريكية، ليتمكن بذلك من تخفيف الحمل عن ظهر بيئتنا الكهلة، ويساهم في تأمين مصدرٍ للطاقة يصادق البيئة عوضاً عن استنزافها بمجرد الاستفادة من شمس الصحراء القوية والمساحة الكبيرة التي تشغلها الطرق السريعة.

وصف المشروع:

استطاع المشروع أن يكتشف قدرة التصميم المعماري على تغيير الكتل الأكثر رمزية من حيث الوظيفة والسّياق, فعلى الرغم من أن مدينة لوس أنجلوس قد أعطت إلهاماً خاصاً للمشروع، من الممكن وبكل بساطةٍ تطبيق الفكرة في كل أنحاء العالم.

فإذا ما نظرنا في حال المدن المتخصصة في أيامنا هذه نجد أنها تتزود بالمياه والطاقة من مكان بعيدٍ عنها, إلا أن لوس أنجلوس كانت دائماً مختلفة عن غيرها من بقية المدن. فقد استطاعت الأبار النفطية العمرانية أن تُظهر وبكل وضوحٍ حلقة الوصل التي تربط الطاقة بالحياة اليومية في هذه المدينة. ولكن النفط ليس مصدر الطاقة الظاهر الوحيد في المدينة. فهناك كمية وافرة من الطاقة الشمسية، وهذا ما أشعل شرارة فكرة برنامج لوس أنجلوس الشمسي الذي وافق عليه العمدة مؤخراً.

مع الأخذ بعين الاعتبار المستوى المتدني لتوليد الطاقة الشمسية في لوس آنجلوس أصبح استثمار الأراضي بشكلٍ جيدٍ قضيةً أساسيةً في أي مشروعٍ هادفٍ لتوليد الطاقة بالاستفادة من أشعة الشمس, وبناءً عليه يركز برنامج لوس أنجلوس الشمسي على أهمية تركيب ألواحٍ شمسيةٍ على أسقف المنازل الخاصة والمباني العامة والعديد من مصفات السيارات داخل المدينة.

هنا لا يسعنا إلا أن نشير إلى أن مجمع توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية حامل اسم “إيفانبا” Ivanpah والموجود في صحراء موهيف خارج المدينة يُعتبر دعامةً أساسيةً في برنامج لوس أنجلوس الشمسي, حيث تقدّر إنتاجية المجمع القصوى بـ 500 ميغاواط, مع الانتباه إلى إمكانية ربط خطوط الكهرباء فيه بشبكة إقليم لوس أنجلوس. وعلى الرغم من كون استراتيجية الصحراء قابلة للتجديد، فهي ما تزال تخطو على خطا طريق إستيراد المصادر المطروق, بغض النظر عن الضرر البيئي التي تحدثه في مكانٍ آخر.

فعلى سبيل المثال, حصلت مدينة لوس أنجلوس في الثلاثينيات على حقوق الأرض في وادي أوينز, وبناءً عليه تم تغيير مسار مياهه لتصل عبر قنواتٍ إلى المدينة، ما أدى بدوره إلى جفاف الوادي الخصيب وتحويله إلى صحراءٍ مقفرة.

هنا نشير إلى أنه وعلى الرغم من شهرتها, تُعتبر الصحراء مكاناً غنياً ومتنوعاً بحياته العضوية تماماً كغيرها من الأماكن المشهورة كغابات الخشب الأحمر الموجودة شمالي كاليفورنيا, وكنتيجةٍ لذلك فإن اعتبار الصحراء كمصدرٍ غير متناهٍ من الأراضي الخالية قد بات الآن أمراً مشكوكاً به.

البديل: العمل محلياً

يوجد في مقاطعة لوس أنجلس حوالي 800 كيلومتر من الطرق السريعة المزودة بنقاط تسمح بوصول أعمال الصيانة, لماذا لا نستخدم بعضاً منها لتكون موقعاً لتركيب نظام شمسي كبير؟

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن أسلوب الحياة المعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على السيارات قد جعل مسارات السيارات المكان العام الرئيسي في المدينة، قد يتبادر لأذهاننا أهمية جعل هذه المسارات والطرق متعددة المستخدمين.

بما أن الألواح الشمسية تحتاج لأشعة شمس مباشرة، سيجعل هذا الأمر من الطرق السريعة موقعاً مثالياً لاحتضانها. وعلاوةً على ذلك، ستساعد هذه الألواح من خلال تركيبها فوق الطرق السريعة في تزويد مستخدمي الطرق بتظليلٍ شامل يساعد على التقليل من الحاجة لاستخدام المكيفات الهوائية داخل المركبات في الأيام المشمسة. كما أن كلفة إصلاح الطرق السريعة المتفسخة بفعل الأشعة فوق البنفسجية سوف تنخفض بشكلٍ واضح.

فإذا ما عملنا على امتدادٍ بطول 24 كيلومتر في طريق سانتا مونيكا الذي يربط بين مركز المدينة والشاطئ, والذي يقّدر عرضه بحوالي 40 متر، سيوفر ذلك سطحاً مرصوفاً بمساحة مليون أو 10 مليون قدماً مربعاً؛ أي ما يعادل 5% من نظام الطرق السريعة في البلاد, وبناءً عليه يمكن أن يستوعب طريق سانتا مونيكا السريع ما يعادل أكثر من 600,000 من الألواح الشمسية المصنعة محلياً والتي تبلغ مساحتة كل منها 1,6 متراً مربعاً, مما قد يزود المدينة بما يمكن أن يصبح مولداً محلياً للطاقة.

وبالمقارنة مع مجمع “إيفانبا” الشمسي ذي الـ 500 ميغا واط, يمكن لهذا المجمع أن يؤمن ما يُقدّر بـ 115 ميغا واط على أبعد تقدير, والذي يمكن أن يمثّل طاقةً كافية -150غيغا واط ساعي- ليغطي الإحتياجات الكهربائية لمدينة البندقية في لوس آنجلوس على سبيل المثال، ويقدّم بذلك إنتاجاً محلياً لاستهلاكٍ محليٍّ في الشبكة بأقل حدٍ من خسائر التحويل.

وكمثالٍ آخر على مصادر أخرى في إنتاج الطاقة محلياً، نذكر أهمية استغلال الارتفاع غير العادي في مستويات غاز ثاني أوكسيد الكربون على الطريق السريع, فتبعاً لاستقصاء أُجري عام 2004 كانت المستويات كافية لتزويد نطاقٍ صناعيٍ كبير مختصٍ بإنتاج الطحالب.

بناءً عليه، يمكن جلب الهواء الغني بغاز ثاني أوكسيد الكربون عبر أنابيب تصل إلى بركٍ مغطاةٍ بالطحالب كتلك الموجودة على طول الطريق السريع, وهذا بدوره سيجلب أعمالاً من التكنولوجيا الخضراء في مجال الزراعة والحصاد والمعالجة إلى الأحياء القريبة من الطرق السريعة، والتي أصبحت اليوم المتضرر الأكبر منه.

قد تكونوا قد سمعتم أنه وفي يومٍ من الأيام أطلق أحدهم اسم جنة عدن التي فقدت حديقتها على مدينة لوس أنجلوس, وسواء كانت جنة أم لم تكن، فالطرق السريعة فيها لم تعد بحالةٍ جيدةٍ على الإطلاق, حيث تعاني اليوم من الخراب والإنسداد؛ إذ لم تعد صرحاً من الصروح التي ترمز إلى الحرية والمستقبل الواعد.

فنظام الطريق السريع اليوم في أمس الحاجة إلى سياق جديد, لذلك جاء مشروع “الأفاعي الشمسية” ليحدث تغييراً جذرياً في هذا النظام مع منحه حضوراً لافتاً في المدينة, فمحطات الوقود المنتشرة على طوله توضح تماماً العلاقة بين الانتاج والاستهلاك.

ختاماً يمكن وصف هذا التصميم على أنه تصميم معماري لا يتجنب ما لهذه الطرق السريعة من تأثيرٍ هائلٍ على أفق المدينة, ولكنه بدلاً من ذلك يضيف وظائف جديدة وطبقاتٍ واضحة تتناسب مع الاحتياجات اليومية. فعن طريق السماح للبنية التحتية بأن تكون جزءاً بصرياً فعالاً في المدينة سواء في الداخل أو في الخارج, سيتمكن المواطنون من تفهم وتقدير تعقيدات حياتهم العمرانية اليومية.

إقرأ ايضًا