مسرح واحد لأربعة مستخدمين، والحل بورشات العمل

2

تم استدعاء المعماري Paul de Ruiter في عام 2004 للمنافسة على تصميم إحدى المباني الثقافية في المنطقة الجنوبية الشرقية من مدينة أمستردام، إذ كان من المقرر أن يضم مسرح Bijlmer Park متعدد الاستخدامات أربعة مستخدمين هم سيرك Elleboog، ومسرح Krater، ومسرحاً مدرسياً للشباب، بالإضافة إلى مكانٍ للعمل المسرحي، كما ويستقبل هذا المبنى جميع المنظمات المهنية العاملة في مجال تنمية المواهب والتعليم الثقافي والإنتاج والتصميم، وقد استحق اقتراح Paul الفوز بجدارة نظراً لديناميكيته وقدرته على تلبية احتياجات الصرح الثقافي.

فقد استطاع أن يكشف عن تصميمٍ ذي كفاءة عالية وبفترةٍ زمنية محدودة، وأن يلبي في الوقت نفسه الاحتياجات المتباينة لأربعة جهاتٍ مختلفة من خلال خطةٍ ذكية ومرنة نجحت في تحديد رغبات كل مستخدمٍ ومن ثم دمجها في تصميمٍ واحد، حيث تصور لنا هذه الخطة الإمكانيات العديدة للعمارة والتي احتاجت لعقد الكثير من ورشات العمل خلال مرحلة التصميم، تم فيها وضع بعض الخطط مع المستخدمين والعملاء، وفي وقتٍ لاحق جرى استعراضٌ لهذه الخطط على فتراتٍ منتظمة، مما أثمر في النهاية عن تصميمٍ ناجح بكل معنى الكلمة يفي بمتطلبات جميع الأطراف المعنية.

بدأت عملية التصميم بدراسةٍ لبرنامج المبنى الثقافي ومن ضمنها بعض النماذج المصغرة المختلفة من تنفيذ فريق العمل في شركة Paul de Ruiter، والتي استطاعت أن تعطي مؤشراً تجاه الخيارات المختلفة إن كان من ناحية الشكل والخطة، وقد أثمرت ورشات العمل هذه عن رؤيةٍ مستقبلية للمبنى وشكله النهائي وماهية الوظائف التي يحتاج لتلبيتها، ونظراً لوقوع المبنى في حديقة فقد ساهم ذلك أيضاً في تكييفه ومتطلبات المستخدمين المختلفة.

حيث يقع مبنانا الثقافي في قلب حي Bijlmer على حافة الحديقة المسماة باسمه وبجانب البحيرة هنالك، وقد تم اختيار هذا الموقع بالذات نظراً لسهولة الوصول إليه من قبل العامة فضلاً عن أهمية المياه في إضفاء بعدٍ ديناميكي والفضل هنا لانعكاسات المياه، كما ويفسح التصميم المجال أمام عروضٍ مائية، وذلك من خلال المنصات العائمة الكبيرة التي تم رصفها على شكل درجات يمكن الجلوس عليها بالقرب من حافة المياه ومشاهدة العروض، أما وفي حال عدم وجود عروض في هذه البقعة فتتحول الدرجات إلى مكانٍ للاجتماع، حيث يلتقي المثقفون من كافة الأجيال والتخصصات الفنية مع بعضهم البعض.

نصل إلى تفاصيل التصميم فنجد بأنه يتكون من شكلٍ بيضوي وطابقين علويين يميلان بشكلٍ طفيف عن الطابق الأرضي مما يؤمن وجود مدخلٍ مظلل وموقعٍ استراتيجي من التصميم العمراني، أما وللحفاظ على هذا الشكل الدائري في الواجهة المصنوعة من الزجاج بشكلٍ جزئي فقد تم إقحام مزيجٍ من الشرائح الخشبية وشرائح الألمنيوم قبالة المقاطع الفولاذية والزجاجية من الواجهة، وبذلك أصبحت نقاط تقاطع الواجهة المجزأة غير مرئية، وأصبح شكل المبنى دائرياً وديناميكياً، حيث بات للمبنى شكلٌ مجرد يتغير باستمرار بمجرد المشي حوله.

من جهةٍ أخرى نلاحظ وخلال النهار بأن شكل المبنى المثير استطاع أن يضفي عليه مزيداً من التميز والوضوح، بينما وخلال الليل يتألق المبنى بألوانه الرائعة التي يمكن تعديلها لتتناسب مع الحدث المرافق، والفضل هنا طبعاً لأضواء LED، حيث نلاحظ أنه قد تم إقحام خطٍ من الضوء إلى الخلف من الواجهة الفولاذية في قلب الواجهة المشعة من الأسفل، وذلك لأن هذا الضوء يسطع في وجه الواجهة الفولاذية والألواح الخشبية، وبهذه الطريقة يكتسب المبنى مظهراً شفافاً وكأن الضوء ينبثق من داخله، ولا ننسى هنا أن إضاءة المبنى تلعب دوراً في زيادة مستوى السلامة وجعل المبنى الثقافي واضحاً للعيان من كافة المناطق العمرانية المحيطة به.

أحد الشروط الأساسية التي تم تحديدها خلال ورشات العمل كانت ضرورة إقحام ضوء النهار في القاعة الرئيسية حيث يتم القيام بالدروس والتدريبات خلال النهار ولا يمكننا أن ننكر هنا أهمية الإضاءة الطبيعية بخلقٍ أجواءٍ مشجعة وموجهة، كما وكانت إحدى أهم التعليقات التي وردت خلال زيارة هذه الورشات إلى مسارح أخرى هي عدم وجود ضوء النهار، والذي وعلى الرغم من إبعاده عمداً لنجاح عروض الأداء المسرحية لايزال أولويةً أساسية خلال النهار، ولهذا السبب بالذات تم إنشاء محيطٍ زجاجي في الطابق الأول حول القاعة الرئيسية، وهنا يمكننا القول بأن هذا الحل لم يسمح فقط بالحصول على الحد الأقصى من الضوء، ولكنه مكّن أيضاً الوالدين أو الأشخاص الآخرين من المهتمين من مشاهدة الدروس والتدريبات بشكلٍ مخفي.

طبعاً ما من داعٍ للقلق حول كيفية إنارة العروض المسرحية، فببساطةٍ يمكن تعتيم هذه النوافذ لمنع دخول الضوء عندما تقام العروض.

وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أن ورشات العمل التي سبقت التصميم قد خصصت معظم الوقت لتحديد رغبات المستخدمين فيما يتعلق بالقاعة الرئيسية، فعلى سبيل المثال يحتاج سيرك Elleboog إلى ارتفاعٍ يبلغ 7 أمتار لتعليق الأرجوحة والعروض البهلوانية وألعاب الخفة، بينما أرادها الشركاء الآخرون على غرار قاعة المسرح، وهكذا جاء الحل لفض هذا النزاع بتصميم قاعةٍ مستطيلة وجزأين إضافيين على شكل أذن بجوار منطقة الأداء المسرحي، على أن تستوعب قاعة السيرك\المسرح ما بين 162 و277 مقعداً، حيث فسح هذان الجزآن الدائريان على جانبي القاعة الرئيسية المجال لاستخدام هذا الحيز تبعاً لتشكيلات السيرك والمسرح على حدٍ سواء، من خلال الاستفادة من الأجنحة متعددة الاستخدام والمقاعد المتحركة.

وبالإضافة إلى القاعة الرئيسية يحظى المبنى الثقافي بردهةٍ فسيحة وغرفةٍ لتمارين الأداء وثلاثة استوديوهات وغرفاً للتخزين وأخرى لتبديل الملابس، إلى جانب غرفة للخياطة ومرافق مكتبية للاجتماعات، حيث يتسع المبنى لأربعة مجموعات من المستخدمين في فئة الرقص في مدرسة أمستردام للفنون، وقد رصد ثلاثة طوابق لهؤلاء المستخدمين في الوقت الذي تمتد فيه القاعة الرئيسية بارتفاع هذه الطوابق، حيث نلاحظ أنه قد ارتفع استوديو من الاستوديوهات بعلو طابقين، وأخيراً وفي الطابق العلوي تم إقحام كافة معدات وتوصيلات الإضاءة في الأرضية الإسمنتية، وهو إحدى الحلول العملية وغير المكلفة التي جعلت من هذه التوصيلات آمنة وسهلة الوصول.

وقبل الختام لابد لنا من أن ننوه بأن عملية تصميم هذا الصرح الثقافي كانت غاية في الإبداع ولم يكن الأمر وليد النهج غير التقليدي الذي اتبعه Paul de Ruiter، ولكنه بالدرجة الأولى نتيجة لطريقة تنظيم ورشات العمل، حيث تم عقد كل ورشة في مسرحٍ مختلف وغير تقليدي وفي كل مرة تم اختيار أحد المستخدمين الأربعة للتجربة، وبذلك استطاع المعماري والمستخدمين والزبائن تحليل المزايا والعيوب لكل مسرحٍ على حدى، ومن ثم تم نقل هذه المقترحات لتنفذ على أرض الواقع بعد خضوعها لاختبار الحجم والوظائف والخصائص التي تحدد قيمة المسرح.

إقرأ ايضًا