نفسٌ تعليمي يخيم على شبه جزيرة غرينتش

4

عند زيارتك لجامعة Ravensbourne وتحديداً في غرينتش في بريطانيا على الحافة الجنوبية الشرقية من مبنى O2 إلى اليمين من المحور الجنوبي الشمالي من المخطط الرئيسي للجزيرة، سوف تلحظ عزيزي القارىء نفساً تعليمياً من نوعٍ خاص، إذ يوفر المبنى المميز للجامعة الأولى من نوعها في مجال التصميم والاتصالات على مساحة 17,000 م2 المتطلبات المتغيرة لمثقفي القرن الحادي والعشرين والتي يمكن أن تختلف تبعاً لمجموعةٍ متنوعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية.

فقد تم تصميم المبنى لتحفيز البيئة التعليمية والممارسات العملية من المهنيين المبدعين، وتوفير الأفضل في مجال التكنولوجيا والحوسبة المتنقلة في بيئةٍ تضم مسبقاً مجموعةً غنية من أدوات التعلم، مما يشجع على التعاون بين مختلف الاختصاصات في Ravensbourne.

وقد تحقق هذا الهدف على أيدي معماريي FOA من خلال هيكلة البناء من أربع طوابق حول ردهتين مترابطتين؛ الأولى تقع عند المدخل الشمالي لتكون معدّة لاستقبال العامة، بينما تقع الثانية على الجهة الجنوبية لتضم ردهةً خاصة بالطلاب والمدرسين على منصةٍ مرتفعة منفصلة عن العوارض الفولاذية فوق الطابق الأرضي، الذي يضم بدوره قاعة المحاضرات والعديد من محال بيع التجزئة العمومية على أكثر من 1,700 م2.

حيث نلاحظ بأنها ترتبط بشكلٍ منتظم على الواجهة الخارجية ليس فقط من أجل استخدامها كوسائل للتهوية، ولكن أيضاً بهدف الاتصال المرئي بين المساحات العامة في المبنى وما بين المناطق العمرانية المحيطة، محققةً بذلك معايير BREEAM البيئية.

إذ يمكننا ملاحظة النوافذ القوطية المستوحاة من شكل الأزهار والتي انتقلت من مجرد محاكاة الطبيعة لتصبح تقنية بناء مثالية، وذلك من خلال الاستعانة بمخطط الإكساء غير الدوري ذاته الذي سمح ببناء سبعة أنماط مختلفة من النوافذ المستديرة باستخدام ثلاثة أنواع فقط من الأحجار المصنوعة من الألمنيوم والبالغ عددها 28,000 حجرة.

فقد تم تخريق هذه الواجهة بنوافذ مستديرة مختلفة الأحجام إلى جانب رصف صفين من هذه النوافذ على كل طابق لتأمين الإطلالة على المدينة المحيطة، كما ونلاحظ تغيراً في شكل الأحجار تبعاً لحجم وجهة كل نافذة، في الوقت الذي يعتمد فيه حجم النوافذ نفسها على وظيفة الداخل، فعلى سبيل المثال نلاحظ بأن التخريقات على الجهة الشمالية أكبر من تلك على الجهة الجنوبية بهدف تعديل مستويات الضوء.

وطبعاً تم اختيار عمارة المبنى لتعبر عن الثقافة المعاصرة، ويتجسد ذلك بالنظر إلى نظام الإكساء غير الدوري هذا والذي يمثل إلى حدٍ ما الطرق التكنولوجية المعاصرة والمتنوعة، أما وبهدف تحقيق أداء بيئي عالي المستوى وصيانة منخفضة إلى جانب الحصول على مرونة عالية تم ضغط الكتلة ما أمكن وتقليص نسبة الكتلة على حساب المساحة لتأمين مساحة مرنة كفاية لتضم طلابها البالغ عددهم 1,400 طالب إلى جانب مختلف النشاطات التي تتراوح بين الدورات المهنية والأزياء والتلفزيون والإذاعة وتصميم المنتجات والرسوم البيانية والرسوم المتحركة لتصل إلى الموسيقى والعمارة .

من الجدير ذكره هنا أن المبنى يكشف عن استوديو مزدوج الارتفاع يضم شاشات تلفزيونية عالية الدقة HD والتي تستوعب حتى 6 قنوات والعديد من الأضواء المتحركة وجهاز عرضٍ كامل وشاشة خضراء عالية الكفاءة إلى جانب استوديو آخر يضم أربعة قنوات بنفس الكفاءة، كما سوف يضم معرضاً واستوديو موسيقي وأجهزة تحكمٍ بالضوء، وأخيراً وليس آخراً يمكن تحويل ردهة المبنى المركزية إلى استوديو إضافي كبير يضم شاشات تلفزيونية HD أيضاً، ولا ننسى الاستوديو الرقمي لمرحلة ما بعد الإنتاج والعديد من الأجنحة المحيطة.

ولابد لنا هنا من الإشادة بفريق العمل من شركة FOA الذي استطاع مرةً أخرى أن يثبت نفسه، فمنذ تأسيسها في عام 1993 برزت الشركة باعتبارها واحدةً من أهم شركات التصميم المبتكرة حتى اليوم التي استطاعت أن تدمج ما بين العمارة والتصميم العمراني وهندسة الأراضي الطبيعية في العديد من المشاريع الهامة على الصعيد الدولي، وخير مثال ميناء يوكوهاما في اليابان وهو مشروعٌ هجين خيالي من البنى التحتية الصناعية غير الديكارتية والوظائف الاجتماعية متعددة الاستخدامات، والذي اعتبره النقاد والمعماريون واحداً من أهم المشاريع المعمارية في العقد الماضي، ومنذ ذلك الحين حصلت FOA مجموعةً متنوعة من الأعمال في كافة أنحاء العالم بدءاً من وسائل النقل وانتهاءً بمشاريع السكن الاجتماعي.

كما فازت FOA على مر هذه السنوات بالعديد من المسابقات المرموقة ومن ضمنها مسابقة صندوق موسيقى البي بي سي وذلك عن شبكة مجمع المدينة البيضاء في لندن، كما وقد وقع الاختيار عليها لتصبح جزءاً من فريق المعماريين الأمريكيين للقيام بتصميم مركز التجارة العالمي في نيويورك في أعقاب هجمات 11 أيلول، في الوقت الذي تم اختيارها أيضاً لتمثل بريطانيا العظمى في معرض العمارة الثامن في البندقية.

وهاهي اليوم تحول بناظريها نحو لندن لتشارك في واحدٍ من أهم المشاريع التي يُقال بأن لندن ستشهدها على مر العشرين سنة القادمة، إذ ستشهد شبه جزيرة غرينتش بالتعاون مع Lend Lease and Quintain بالإضافة إلى وكالة الإسكان الاجتماعي شراكةٍ حقيقية بين القطاعين العام والخاص وإعادة تجديد أكثر من 190 فدان من أراضيها بميزانية تتجاوز خمسة بلايين يورو.

وتضم أعمال التجديد هذه تأمين 10,000 منزل جديد في أحياء سكنية متميزة و 24,000 وظيفة دائمة، ولا ننسى شبه الجزيرة المركزية والمنطقة التجارية الجديدة في لندن والتي تضم قرابة 150 محلاً ومطعماً، وكل هذا إلى جانب تجديد واجهة النهر التي تبلغ 1,6 ميل وهي المسافة بين ووترلو وجسر لندن، وأكثر من 48 فدان من المساحات المفتوحة والحدائق وهي نفس مساحة غرين بارك الشهيرة بالإضافة إلى مبنى O2 الترفيهي الذي تموله مجموعة AEG أوروبا ومجموعة لا بأس بها من طرق النقل الممتازة في المنطقة الثانية على خط اليوبيل، وأخيراً تزين المساحة الإجمالية لشبه الجزيرة والبالغة 21,500 م2… جامعة Ravensbourne.

إقرأ ايضًا