منازل لراحة مستشاري الشركات

3

للشركات الكبرى والمعروفة عالمياً أياً كان اختصاصها طقوسها الخاصة التي قد لا تتمكن شركاتٌ أصغر من مجاراتها فيها، فإحدى أهم الخطوات التي يعتنون بها قبل طرح المنتج في الأسواق هي تجريب المنتج. حيث تجري عملية التجريب هذه على نطاقٍ واسعٍ وعددٍ لابأس به من الناس والمستشارين الاختصاصيين. وفي حالة شركة Natura لمستحضرات التجميل اليوم تدخلت العمارة في تصميم وتحديث منازل كبيرة لتضم عدداً هائلاً من مستشاري المبيعات في الشركة ليعملوا في أجواءٍ مريحةٍ وبيئةٍ مناسبةٍ للعمل.

بدأت شركة Epigram + Forte, Gimenes & Marcondes Ferraz المعمارية بتصميم مشروع Natura House أي “منزلٌ تابعٌ لشركة ماركة ناتورا” البرازيلية في مدينة سانت أندريه؛ وكانت معتمدةً على تجربتها السابقة عندما صممت خمسة منازل لنفس الشركة في ساو باولو. وهي أماكنٌ مكرسةٌ لهيئة المبيعات لأكبر شركة مستحضرات تجميلٍ في البرازيل، والتي لديها ما يقارب مليون مستشار مبيعات مباشر.

ومنذ عام 2009 وعدد المستشارين يزيد بمقدار 20% سنوياً مما حدا بالشركة إلى خلق أماكن تساعد هؤلاء المستشارين على التشاور والاحتكاك المباشر. أي أماكن تحدث فيها اجتماعاتٍ شهريةٍ مع كل إطلاقةٍ لمجموعاتٍ جديدةٍ من المنتجات، فيمتلئ الجدول بجلسات التدريب والخطابات بين المستشارين فيكونوا أكثر قرباً من الناس.

ولأن هذه الأماكن ليست بصالات عرضٍ أو متاجر للبيع –حيث لا تُعرض المنتجات للبيع فيها- فقد تمت تسميتها بـ “منازل” ناتورا Natura Houses. وبما أنه على تصميم المنزل أن يحرض المستشار ويساعده في أداء عمله، كان على التصميم أن يوفر مكاناً مريحاً لإيواء المستشارين طوال فترة عملهم وتجريبهم للمنتج ليشعروا وكأنهم في منازلهم، حيث يستطيعون تجريب المنتج ولمسه عن قربٍ بدلاً من التعامل معه عن طريق الكاتلوج فحسب.

هذا كله دوناً عن أن إحدى أهم أساسيات وأهداف ماركة Natura هو تعزيز العلاقات بين الناس. فعلى الرغم من أن هذه المنازل ليست أماكن عرضٍ كما ذكرنا آنفاً، لا بد لها من أن تستحث الناس لزيارتها كما عليها أن تكون مكاناً مُبهجاً حيث يمكن للناس أن يجتمعوا ويتبادلوا نتائجهم حول تجريب المنتجات براحةٍ ومتعة.

كانت الشركة المصممة كما ذكرنا قد عملت على مشاريع لمنازل أكبر من هذا المنزل، لكنها كانت مشاريع إعادة تحديثٍ وتجديدٍ لمبانٍ قديمة بنفس التنظيم بحيث تخلق أماكن للاختبار والتدريب في مرحلة ما قبل المبيع، حيث كانت تلك المنازل أكبر بحيث تتسع لاحتضان مساحات لعرض المنتج وتجريبه وللعيش فيها أيضاً أو لتناول القهوة على الأقل، بالإضافة لاحتوائها مكاتب الإدارة الخاصة بالشركة.

وكانت شركة Natura وشركائها في المشروع Epigram و FGMF قد تكبدت جهداً أكبر في مشاريع إعادة التجديد. إلى أن اكتشفت في النهاية أن مشروع تجديد خمسة منازلٍ كبيرة كان مجهداً ومكلفاً وليس بالكفاءة المطلوبة.

تهتم Natura اليوم بأن تنفذ الكثير من مشاريع بناء المنازل في كل مناطق البرازيل ولنفس الغاية السابقة، وقد خطرت لها فكرةٌ تجارية وأكثر ابتكاريةٍ كاستراتيجيةٍ بديلةٍ لما كانت تقوم به؛ وهي أن تعمل على بناء منازل مسبقة الصنع وأصغر لتستفيد بها قدر الإمكان من مساحة المشروع وكلفته. الأمر الذي من شأنه أن يسيطر على تكاليف البناء ويضمن سرعة التنفيذ.

حيث ستنهي هذه الطريقة النقاشات حول المسؤولية تجاه البيئة التي يُطالب بها العميل من خلال مشاريع مُعتمدةٍ ومصدقٌ عليها. ثم لإظهار إمكانية الأمر استعرضت Natura المشروع الذي طورته FGMF في نهائيات منافسة Living Steel الدولية عام 2008، حيث كانت قد عرضت مبانٍ معدنيةٍ عالية الأداء البيئي بتصاميم مرنة قادرة على التأقلم مع مختلف المناخات والفصول.

نجد أن المفاهيم التي كانت الأساس الذي قام عليه مشروع منازل ناتورا في سانت أندريه تبشر بمشروعٍ عمليٍّ جداً: كالمساحات الكبيرة رغم أن المنازل بحد ذاتها صغيرة، والإضاءة الطبيعية والاتصال بالحديقة، والبناء المستعار وعالي الكفاءة، والصداقة مع البيئة، وأخيراً إمكانية تكرارها وموضعتها حسب الظروف المحلية. حيث بُني المشروع ليخلق المفهوم الجديد لمباني المستقبل.

وكمشروعٍ صناعيّ، ستبدأ عملية البناء بعد إتمام أحد النماذج للعمل على تحليل تصميم المنزل وتجريبه. وسيتم اختبار ملائمة البناء وقياس مدى تأقلمه لتكييف مخططه مع التفاصيل التقليدية قبل بناء وحداتٍ جديدة.

بنفس طريقة بناء المنازل التابعة لـ Natura في مراكز المدن بالبرازيل، سيتم وضع المنازل الجديدة على أراضٍ مدروسةٍ ومختارةٍ بعناية. فقد تم اختيار أراضٍ وتقسيمها لتبلغ مساحة الواحدة منها 250 متر مربع بواجهةٍ تشغل مساحة 10 أمتار مربعة، وهي أصغر مخططٍ لوضع الهيكل المعدني فوقه بحيث يتم عرضه على الواجهة بالطول لتحديد شكل البناء.

كما يمكن موضعة هذا الإطار أو الهيكل بعدة طرقٍ وعلى مخططاتٍ مختلفة. إذ يمكن عكسها بالكامل في بعض المناطق فتصبح مقنعة أكثر بصرياً ومن ناحية سهولة الوصول إليها. كما يُمكن للقسم الأمامي منها أن يُقلب في حال كان مخطط الأرض كبيراً جداً أو إن وُضع الهيكل في أرضٍ على شكل زاوية. ولكن بشكلٍ أساسي، وظيفة هذا الهيكل هي أن يوضح عناصراً أخرى في الموقع خالقاً نوعاً من التجانس داخلياً وخارجياً.

نجد من الناحية البنائية أن الإطار يضم صندوقاً ضخماً ينتظم داخله المخطط الرئيسي. فيضم حجرتين أساسيتين كمخابر، حيث يجتمع المستشارين وتجري العديد من التجارب. كما أن التصميم يسمح بإنارةٍ أفضل، فهو يبدو كصندوقٍ ضخمٍ معلّقٍ بعوارض تخلق تناقضاً بينه وبين البناء. وعند مؤخرة أرض الموقع نجد أن الوظائف التي لها طبيعة خاصة قد انتظمت في صندوقٍ آخر عموديّ يضم غرفة استراحة ومخزن ومطبخ ومكتب الإدارة الذي يُعتبر جزءاً من هذا البناء.

يمكن من الشارع رؤية وجيبة المنزل عبر الحديقة وملاحظة جميع أبعادها. إذ يبدأ البناء بجزءٍ أماميٍّ شفافٍ يُظهر جمال تجاور الخضرة والدعامات البيضاء وعناصر التظليل. ثم يبرز الصندوق الذي يضم المخابر مبتعداً عن الإطار الرئيسي ليبدو وكأنه معلقٌ به ولكن مستقل كجزءٍ قائمٍ بذاته. ثم تمتد أرضٌ تحت هذا الصندوق البارز يُمكن التعامل معها كقطعة أرضٍ خارجيةٍ وداخليةٍ بنفس الوقت فتُلغي الفواصل بين مساحات العرض لطبيعتها المتميزة كونها مفتوحةٌ على الحديقة ومسقوفةٌ بأرضية المخابر.

ونُلاحظ أيضاً أن الصندوق المعلّق الذي يضم المخبر يوفر تحته ممراً مظللاً للزوار الذين سيقصدون في النهاية الوصول إلى حيث يتم عرض منتجات الماركة وتجري تجربتها. وهنا يبدو البناء متلاشياً حيث لن يلحظ الزائر بعدها إلا المنتجات نفسها والحديقة التي سيتمتع بالنظر إليها.

فبعد المرور على كل المنتجات يصل الزائر إلى الباب الزجاجيّ الذي يقوده إلى المدرج الرئيسي. وهنا المفاجأة، سيجد نفسه في مكانٍ فارغِ مفتوحِ نصف مسقوفٍ وغير محدد المعالم. ولكنه بنفس الوقت فسحةٌ تسمح بالكثير من الإمكانيات وبتصميمٍ يتأقلم مع أي استخدامٍ كان. حيث تسمح مساحته وارتفاعه والسلّم فيه في أن يتسق وأي حركةٍ سواءً كانت عموديةً أو أفقيةً في المنزل.

كما يتميز المدرج بكونه مساحة تجمعٍ ومعيشةٍ في قلب منطقةٍ خضراء تبهج الجالس فيها حيث يكون لمكان تقديم القهوة هناك موقعه الاستراتيجي. وبصعود السلم إلى الأعلى يجد المرء نفسه في المخابر ليفصله ممرٌ صغير عن مكاتب الإدارة.

هذا المنزل في الواقع كائنٌ بسيطٌ جداً، ولكنه يتجاوز الحدود التقليدية بين البناء والطبيعة المحيطة به. وهذه هي الطريقة التي كنا نظن العلامة التجارية Natura يجب أن تقدم نفسها بها: منزلٌ بسيطٌ ودقيقٌ وعلى اتصالٍ مباشرٍ مع الطبيعة.

إن اهتمامهم بالنوعية المتميزة والانسيابية ومزج الحدود وتقسيم الوظائف لا تُلّخص كل الجوانب التي تمت مراعاتها في هذا المشروع، فإلى جانب الاستراتيجيات الدقيقة التي تم تطبيقها والتي يمكن ملاحظتها بصرياً على مساحات العرض والاتصال؛ تكمن الكثير من الجهود الجبارة المتعلقة بقضايا البناء.

أما لضمان السرعة في الإنجاز والتحكم بعملية البناء كان العمل بأكمله مستعاراً مسبق الصنع لتقليل الأخطاء أو الحاجة للإصلاح. كما تم الاهتمام بتقليل النفايات الناتجة عن العمل باستخدام موادٍ قابلةٍ للتكرار.

تم تنفيذ العمل المبدئي في الموقع والأساسات فقط بالطرق التقليدية. وبخطواتٍ متعاقبةٍ تم تركيب وتجميع قطع البناء في الموقع حيث نُقلت إليه على مراحل وبشكلٍ متجزءٍ كالهيكل المعدني والألواح الجدارية اللاصقة والألواح الإسمنتية والأُطر والتشطيبات والكماليات.

في النهاية نجد أن المشروع يتصف بالدقة والعملية بدءاً من الأساسات وحتى آخر التشطيبات والكماليات، فاستحق التصديق من AQUA –منظمة التصديق على الأبنية عالية الكفاءة البيئية- كأول مشروعٍ برازيليٍّ ينال تصديق AQUA. فهو الأول من حيث الفكرة، وحسبه فخراً أن ينجح نجاحاً باهراً رغم كونه في مرحلة التجريب. ولكن يكفي اشتراك شركاتٍ كبرى مثل ناتورا كعميل و Epigram + Forte, Gimenes & Marcondes Ferraz Arquitetos كشركةٍ معماريةٍ لينجَز عملٌ بهذه الدقة والكفاءة والجمال.

إقرأ ايضًا