في برج المراقبة هذا الرحلة هي الجائزة

1

صمم مكتب terrain:loenhart&mayr من ميونيخ برج مراقبة لصالح المجتمع المحلي وتطوير البنية التحتية في مدينة Gosdorf الواقعة في Styria النمساوية، ليرتفع فوق نهر Mur على الحدود النمساوية مع سلوفينيا. حيث يلتف السلم المكسو بالألمنيوم على نفسه في القمة، مُشكِّلاً لولباً مضاعفاً، ولهذا يلتقي الزوار في طريقهم إلى الأعلى بأولئك الذين يمرون من الأسفل.

في أعلى قمم الأشجار، كل شيء ما يزال ساكناً:

يميل المجتمع الذي يركز بشكلٍ عامٍ على النتائج إلى خسارة حسِّه بالانبثاق التدريجي والاكتشافات التي يمكن للمرء أن يقوم بها أثناء تقدمه ورحلاته إلى مقصدٍ ما. وبعد مضي 2,500 سنة الآن على كتابة كونفوشيوس لعبارة “الرحلة هي الجائزة”، ربما يعتبر البعض أنها طريقة لطيفة للالتفاف حول التوهان، ولكن هل هذا أمرٌ يستحق العناء أن ننشغل به جداً؟

بما أن العمارة هي وسيلة رائعة لتمثيل وفرض وإيقاظ حالات الطبيعة البشرية، تأتي فكرة مشروع برج نهر مور أو “Murturm” المكتمل حديثاً من قبل المعماريين Klaus K. Loenhart و Christoph Mayr بعد ذلك ليتضمن فرحة الوصول إلى القمة، والاستمتاع بالمراحل على الطريق إلى هناك.

إذ يرتفع عنصرٌ غريبٌ مدروسٌ مصنوعٌ من الفولاذ والألمنيوم من الغابة الواقعة على ضفاف النهر في Styria الجنوبية، ليمثِّل برج مراقبة هندسي الشكل إلى حد ما يتناسب بالرغم من ذلك مع المنظر الطبيعي بطريقة طبيعية كانسجام اللحن المتناغم. أما الحدود مع سلوفينيا فهي محددة بنهر Mur في هذا الجزء من Styria الجنوبية، بالقرب من مقاطعة Bad Radkersburg.

وبعد أن كان يوماً ما نطاقاً أمنياً محظوراً على العامة على طول الحاجز الحديدي (Iron Curtain) السابق، الذي قسم أوروبا إلى منطقتين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الحرب الباردة في عام 1991 أصبحت المنطقة محمية طبيعية بحكم الواقع، وهي الآن جزءٌ من النطاق الأوروبي الأخضر.

كما أصبح منظر ضفة النهر المقابل مسترخياً اليوم، ليتحد كلا البلدين في إعادة الحياة الطبيعية إلى مجرى النهر ومساحة المروج والمراعي الطبيعية. وبدعمه من قبل الاتحاد الألماني لحماية التنوع الحياتي والطبيعة، تمثّل هدف البرج أساساً في تحديد النطاق الأوروبي الأخضر، ومن ثم أصبح في الواقع منحوتةً معماريةً ومشهداً يقدم منظراً شاملاً على المساحة الطبيعية.

فبتسلق الدرجات الـ 168، يكون على المرء أن يتبع طريقه الخاص، ولكن وفي نفس الوقت لا يمكن لمن يتسلق هذه الدرجات تفادي الإنجذاب للمشهد الطبيعي الذي يمكن ملاحظته من الارتفاعات المختلفة وبعيون أولئك الذين يقابلهم المرء حتماً كون أجزاء السلالم المتضافرة ترتقي إلى السماء بعلُّوها.

في أعلى نقطة من هذه المرساة البصرية الهامة، وعلى ارتفاع 27 متر، يدرك المرء أخيراً أن الطريق لا ينتهي أبداً. فتؤدي مضاعفة الصعود والهبوط والامتزاج ثلاثي الأبعاد إلى المواجهة بين الزوار. بينما يمتلك السلم اللولبي المضاعف بتحليقه المقابل للأعلى والأسفل إشارةً شهيرةً بالقرب منه، فمنذ عام 1499، كان شاهداً على حماسة فريدريك الثالث في هابسبورغ بخصوص التجريب والتصميم المعماري الرائع لقلعته في غراتس.

وهكذا جعلت التجربة الخاصة ثلاثية الأبعاد التي يخلقها هذا المكان من القلعة مكاناً للحج بالنسبة للمعماريين. ومن بين هؤلاء نذكر Klaus Loenhart مدير معهد العمارة وهندسة الحدائق في جامعة غراتس. فبعد تأثُّره وأخذه الإلهام، قام هو ووزميله Christoph Mayr بالترتيب لتحويل شِعر هذا الموقع التاريخي إلى طبيعةٍ حية، لتأتي كتلة برج المراقبة الداعمة على شكل شجرة.

إذ يتوازى الجزء السفلي مع جذع الشجرة، في حين يمثل الهيكل الفولاذي المصنوع من الأنابيب المرققة الأغصان الأكثر رقةً في الأعلى. وربما لهذا السبب اعتُبر البرج تحدياً هندسياً حقيقياً لمكتب هندسة البناء في فرانكفورت.

أما أكثر ما يثير الاستغراب والدهشة فهو الشعور بالصرح الضخم الذي يبدو ضخماً بشكلٍ مذهلٍ ومتعدد الركائز، والذي يتمايل برقةٍ أثناء تسلق أحدهم للسلالم. وبرؤيته من الأسفل، يلاحظ المرء أول الأمر النقاط القطبية الأنيقة للهيكل، لتعود مفاصل العوارض المعدنية الفولاذية وتتولد في هندسة مركبة ومصممة بمهارة لتعرض الخاصية ثلاثية الأبعاد للبرج.

وبالاعتماد على طقس ووقت النهار، يغير الوميض الرائع لدرابزون السلم المكسو بالألمنيوم باستمرار من مظهر هذا الصرح الهائل. كما تخلق ألواح الألمنيوم المائلة كتلةً خاصةً وتلاعباً خاصاً بالأسطح من دون تدمير خاصية الشفافية. بينما ينعكس العنصر المتدفق لسرير النهر وحطام السفن الطافية المكدسة من خلال البرج الذي ينبثق من تضاريس الموقع بنفس الرقة والدقة.

مع هذا المشروع القائم في الريف النقي الذي لم تفسده أيادي البشر والذي ينتمي إلى نظام البيئة الحيوية المركبة في النطاق الأوروبي الأخضر، ضربت شركة terrain:loenhart&mayr مثالاً يضع الطبيعة تحت الأضواء بطريقتين مختلفتين.

ففي الطريقة الأولى، يستمتع الزوار بالمناظر المتعاقبة للمشهد الطبيعي المحيط بينما يمشون باتجاه أعلى وأسفل السلالم اللولبية المتصلة، حيث يتم توجيه انتباههم إلى كل من الداخل والخارج. وهكذا ومن على بعد مسافة، يمتزج شكل البرج مع المساحة الطبيعية، ولكن تقوم في نفس الوقت تلك الخطوات الحذرة لمتسلقي السلالم بتحديد المساحة الداخلية المحسوسة.

أما بالنسبة إلى الطريقة الثانية، فيتقصى هذا الصرح النحتي جوهر الطبيعة والكتلة اللولبية المضاعفة التي تصطف على امتدادها عناصر شبيهة بأشكال خلايا الحمض النووي DNA بالتفافاتٍ متوازية. فلا حاجة إلى مجهر لاكتشاف أن الأشكال العضوية تتألف غالباً من تركيبات مبهرةٍ من الانحناءات تارةً والحواف الحادة تارةً أخرى ومن الهندسة تارةً والتصعيد الحر وغير المحدود تارةً أخرى.

وليست القمم الجبلية -كما كتب الفيلسوف غوته- ولكن قمم أشجار الغابة الرائعة الممتدة على طول ضفاف نهر Mur بالقرب من Gosdorf هي التي تنبسط أمام ناظري أولئك الذين يتسلقون أعلى البرج. ومع ذلك، كل ما هو في الأعلى يستقر ساكناً دون حراك.

فهذا مكان يستحق التوقف بالنسبة لأولئك الذين يأتون إلى البرج على دراجاتهم، أو في رحلة هرولتهم الصباحية المبكرة أو في نزهتهم على الأقدام أيام العطل الأسبوعية. وهو أيضاً مكان استولى عليه المحليون -وخاصة لركوب الدراجات- والسياح بسرعة على حد سواء.

هذا وقد كان من بين أحد أسباب انسجام العامة مع المشروع هو أن أعضاء المجتمعات المحيطة كانوا قادرين على المشاركة من خلال تقديم التبرعات. ولهذا يزورون البرج الآن وكأنه صديقٌ قديمٌ لهم، فهم فخورون بقراءة اسمهم الخاص منقوشاً على صفيحة معدنية. وعلاوةً على ذلك يتوافد هؤلاء إلى المكان نفسه مرة تلو الأخرى للتعرف على الأمزجة المتغيرة للطبيعة المحيطة في جميع الفصول.

في الوقت ذاته، يمكن للزوار أن يراقبوا التطور والجهود المبذولة في تنشيط هذه المساحة الفريدة من المروج، والتي شاركت فيها شركة terrain:loenhart&mayr أيضاً. وأخيراً، يمكننا القول بأن Styria استطاعت أن تجد بعد انتظارٍ طويل صرحها المعماري الذي يمكنها أن تفتخر به في هذا المكان. فبينما تمتلك منطقة غراتس صرح “برج الساعة” أو Uhrturm الخاص بها، أصبح لدى Gosdorf الآن مبناها الجديد باسم Murturm، هذا المشروع الذي ربح مؤخراً المسابقة المعمارية بجدارة وتم افتتاحه في 20 آذار 2010.

إقرأ ايضًا