قلبٌ ثقافيٌ جديد ينبض في جنوب إفريقبا

3

قامت شركة studioMAS architects بالتعاون مع urban design بتصميم صالة Circa Gallery في مدينة Johannesburg بجنوب أفريقيا. ومن الواضح أن المعماري Pierre Swanepoel الذي صمم Circa أراد له أن يكون المكان المنشود دائماً.

إذ يمكنك أن تتخيل نفسك في جوهانسبرغ تستمتع بالموسيقا والأفلام والدردشة ومشاهدة معارض التاريخ الطبيعي والفنون المتنوعة كلها في مكانٍ واحد. فهذا المكان مصممٌ ليكون مركز تجمعٍ حضاريٍّ يعرض على زواره أجمل الفنون المعاصرة في جوهانسبرغ.

وعلى اعتبار أنه سيمثل مبنىً سُخر للفن في الزاوية الغربية الشمالية من منطقة Rosebank، فإن تصميمه الخارجي كان لابد وأن يتماشى مع فحواه؛ فتم التركيز على أن يوحي منظره بالكامل وكأنه ينبض بالفن، خالقاً بذلك مبنىً مرناً متعدد الاستخدامات. ليستعرض المبنى بذلك كل أنواع الفنون أمام الزائر في نطاقٍ يدعم وسائل الراحة.

وعند النظر إلى صالة Circa جنباً إلى جنب مع معرض Everard Read نعلم أنها أكثر من مجرد صالة عرض، فهي تندمج في محيطها وتصبح جزءاً من المجتمع. ففي طابقها المفتوح على الطريق المؤدي إلى الرصيف الأمامي، يوجد مقهىً ومكتبةٍ صغيرةٍ لبيع الكتب.

وفيها أيضاً معرضٌ للفنون الحرفية، بالإضافة إلى ساحة تجمعٍ كبيرةٍ تلائم تجمعات المناسبات القومية والشعبية. إذ أن الهدف الحقيقي من التصميم كان خلق مكانٍ يستجيب للفن ويقدم نفسه له مادياً ومعنوياً، مكاناً يغير من نظرتنا لرتابة الحياة اليومية. فحتى المساحات التي تصل صالات العرض ببعضها داخل المبنى تعتبر تجربةً حقيقية للمرور على شتى أنواع التماثيل والمنحوتات وكأنها تُعرض أمام الزائر في حديقةٍ أو متحفٍ مختص.

وبالطبع يعيد الزائر تعريف “الفن” و”معرض الفن” بعد أن يرى هذا المبنى، إذ سيلاحظ الآن الفرق بين ما يراه وبين عرض لوحةٍ قيمةٍ وجميلةٍ في جنبات متحفٍ راقٍ ليطويها النسيان بعد ذلك حتى، وإن عُرضت في قاعة white box في المتحف.

أما بالنظر إلى المشروع من وجهة نظرٍ أخرى، يمكننا رؤية Circa كمعلمٍ من معالم المدينة في منطقةٍ تعبق بالفنون عند تقاطع Jellicoe و Jan Smuts الذي يعطيها رؤيةٍ شاملةً بزاوية 360 درجة، ويضم داخله تنوعاً هائلاً شمل النحت وحتى العمارة نفسها.

ومن يعرف جوهانسبرغ يعرف بالتأكيد أن أكثر ما يميزها هو مرورك على كل أنواع الحرف لمجرد سيرك في شوارعها. وقد تم توارث هذا التقليد عن أيدٍ ماهرةٍ عنيت بنقل خبراتها عبر الأجيال.

وقد شاع أن يعرض الحرفيون أعمالهم على أرصفةٍ غير منتظمةٍ على طول الشارع يستقطبون بها الزوّار ويعدّونها أماكن تجمعٍ عامةٍ برغم صعوبات تنظيمها وازدحامها. ولكن حتى هذا المشكلة كان لها حلٌ مثالي في Circa، فقد انتظمت حول المبنى معارضٌ واسعةٌ مفتوحةٌ على الهواء الطلق توفر ظروفاً وأجواءاً لعرض مختلف أنواع الأعمال الفنية والمنتجات الحرفية، كما تعتبر مكاناً مثالياً للتجمع والتداول.

ويمكن للمرء وصف Circa بأنه بناءٌ صغيرٌ ذو موقفٍ كبيرٍ من اقتصاد البلد. فهو ليس مبنىً تجارياً آخر، ولا حتى معرضاً بسيطاً بالطبع. بل هو بناءٌ مستوحىً من الاقتصاد العالمي، حيث يجمع النواحي التجارية بحب الإنسانية، ويهتم لأمر العمارة والبيئة الطبيعية.

ففي حين أنه وضع الأعمال والتداول التجاري في أولى أولوياته؛ يلقي ضوءاً على الفن وتبعاته أيضاً، دامجاً بذلك القصد الوظيفي من تصميمه ببيئة المدينة، وبما كانت عليه صالة Everard Read Gallery من قبل.

وقد كان بناء Circa في موقعٍ كهذا تحدياً حقيقياً، فهي منطقةٌ صاخبةٌ جداً وتقاطعٍ دائم الازدحام. وبقرب محطة تعبئة في بيئةٍ يعمها عدم الانتظام المعماري. كما أن المكان ضيّقٌ ومن الصعب إنشاء مبنىً قياسيٍ عليه، مما يخلق بذلك ظروفاً صعبةً تحتاج براعةً لتكييف المبنى بمحيطه.

ويستحق المصمم بعد كل هذا تقديراً وشكراً، إذ لم تمنعه كل الظروف آنفة الذكر عن إنشاء صرحٍ سيبقى كتحفةٍ تفخر المدينة بها. مضيفاً عليه تشطيباتٍ نهائيةٍ دمجته بمحيطه من الداخل والخارج، وتركت صالة العرض في معزلٍ عن الهرج والمرج في الجوار.

وهذا ما يؤكد فكرة أن Circa لن تبدو كما هي الآن لو بنيت في مكانٍ آخر، وكاستجابةٍ لحدود المنطق؛ فإن جزءاً كبيراً من تصميم Circa خرج بالسليقة من مخيلة المصمم مطابقاً حساً سليماً متناغماً مع الأجواء المحيطة. فكما يوحي اسم Circa، لا هو بالمحدد ولا المعرّف، بل مجرد Circa.

أما بالنسبة لشكله فهو يبدو كقطعٍ ناقصٍ ليس بيضاوي تماماً. فلا يفاجئنا بشكله وإنما يوحي بأنه من جذورٍ طبيعيةٍ أكثر، يوحي بأنه من صنع اليد لا الآلة. ويثبت أنه في جوهره عمليةٌ إبداعيةٌ تستقي الفن من محترفيه.

وتعبر عن ذلك الدكتورة سارة من منتدى الرياضيات قائلةً: بما أن حجم القطع الناقص ثابت، فإن شكله الرياضي محددٌ دائماً. وبعبارةٍ أخرى؛ فإن قطر القطع الناقص لا يمكن رسمه إلا من مكانٍ واحدٍ فقط وبطولٍ واحد. بينما يساعد السطح المقعر للشكل البيضاوي برسم عدة أقطارٍ من عدة نقاطٍ وبأطوالٍ مختلفة. وبهذا نجد أن القطع الناقص هو شكلٌ بيضاويٌّ في النهاية، بينما الشكل البيضاوي قد وقد لا يكون قطعاً ناقصاً.

وهكذا تعكس فلسفة تصميم Circa الطبيعة المجردة للفن؛ فهي لا تبوح بما يحويه البناء فعلياً، ولكن تحث عقلك للتفكر وتشعل فيك فضول سبر أغوارها. ففي حين نجد أن التشطيبات والزخارف والألوان الخارجية تعمق الشعور بانتماء المكان للطبيعة، إلا أن الداخل مختلفٌ تماماً ويستحق زيارةً تثبت ماهيتيه وتفيه حقه من تقديرٍ وإجلال.

ولكن تبقى للشركة المصممة tudioMAS رؤيتها الخاصة في تصميمها واجهات المبنى، ففيها محاولةٌ لخلق حوارٍ بين الداخل والخارج، بحيث تضمحل الخطوط العريضة للعمارة وتبقى اللمسات الفنية.

وقد حقق المصمم ذلك باستخدامه ألواح الألمونيوم الطولية على الواجهة، والتي كان المقصد الفعلي منها تجزئة الصالات الداخلية للبناء، ولكن بالنظر إليها من بعيد فإن طريقة اصطفافها وتكرارها المتناغم جعل المبنى يبدو كمنحوتةٍ أثرية. أما في الليل، فإن التفنن في إسقاط الإضاءة وعكس الظلال على هذه الألواح من حواف المبنى هو ما يجعلها ظاهرةً، شامخةً وجميلةً.

وكما ذكرنا سابقاً، فقد كانت المساحة المخصصة للبناء ضيقةٌ جداً وصغيرة، ولكن تم استغلالها بأفضل طريقةٍ ممكنة مع مراعاة أنها ستلائم كل فصول السنة وتبقى بنفس مستوى الأبهة والجمال.

فإن عمران Circa كان تجربةً حقيقية لخلق أجواء معينة، أما التجربة الحسية فقد تم التحكم بها بطريقة التلاعب بالظلال وبانعكاسات أشعة الشمس على المياه البراقة في البركة القريبة من المبنى. ليستحضر هذا التناغم روح الفن في العمارة، ويثبت مرونتها ومدى قدرتها على التلاعب والتكييف والتطور أيضاًٍ.

إنك لتجد تناغماً حتى في عدم انتظام ألواح الألمونيوم على الواجهة، فهي لا تتماثل طولاً ولا لوناً، ومع ذلك تخلق جمالاً مستوحىً من الطبيعة، يذكرنا بأسوار العشب والقصب المتمايل بأناقةٍ حول المنازل الخشبية القديمة.

وقد تآلفت كل هذه العوامل لتشكيل الواجهة بشكلها الحالي الذي يبدو كشاشةٍ هائلة تعكس ما يدور داخل المبنى تارةً، وتمكّن روّاد المبنى من إلقاء نظراتٍ خاطفةٍ على الشارع تارةً أخرى.

وتجدر هنا الإشارة أن الزائر لن يرى نفس المنظر من مكانين مختلفين في الداخل، فلكل نظرةٍ منظرها، وذلك بفضل القطع الناقص الملتف. أما خطوات اختيار الألوان بعنايةٍ فهو أمرٌ يستحق التفصيل: 1- تم اختيار صورٍ طبيعيةٍ لمناظر طبيعية لتكون مصدراً تستقى الألوان منها وتؤخذ كل التدرجات بالاعتماد عليها. 2- ثم تم استخلاص بكسلاً واحداً من كل تدرجات اللوحة مع التركيز على التموجات المحيطة به. 3- ثم الحصول على الدرجة المطلوبة من الفوتوشوب وأخذ الطيف الخاص بها للحصول على ما يتوافق وذوق العميل. 4- وعند هذه المرحلة تم تشكيل ألواحٍ مماثلةٍ لتلك التي على الواجهة من نفس لون البكسل المأخوذ من اللوحة. 5- وهنا تطلب الأمر بعض خطوات الدمج للحصول على مجموعة الألوان المرادة. 6- ثم كان لابد من تقليل العدد بعد الحصول على طيفٍ كاملٍ بما يتوافق مع الكم المطلوب فعلياً. 7- وهنا تم الاستقرار على سبعة ألوانٍ فقط، وهي التي تم تطبيقها على الواجهة. وقد ركزت شركة studioMAS على تعزيز ألوان الطبيعة بلمسةٍ طبيعيةٍ حقة، ببنائها حوضٍ لزرع النباتات المتسلقة التي تعزز الطبيعة حتى في بناءٍ من صنع الإنسان.

وفي وصفٍ دقيقٍ للمبنى فإنه يتكون من ثلاثة طوابق. الطابق الأول المسمى Speke ويشكل 106أمتارٍ مربعة كصالات عرض للمنتجات الحرفية. ويتصل هذا الطابق بالأرضية بممرٍ يقطعه كقطرٍ للشكل الهندسي للمبنى، بينما تمتد على ارتفاع الطابقين سبعة شاشات عرضٍ كبيرةٍ تعكس تنوع استخدامات هذا الطابق.

أما الطابق العلوي فيضم غرفة Darwin Room وهي غرفةً بمساحة 85 مترٍ مربعٍ يمكن تأجيرها لاستخداماتٍ لا تمت للمعرض بصلة، وتطل على المناظر الشمالية الغربية من جوهانسبرغ. كما يحتوي المعرض على مطبخين صغيرين للتموين وتحتوي تقنياتٍ سمعيةٍ وبصريةٍ للعرض ومخاطبة الجمهور.

ومن ناحية تأمين المبنى فقد راعى المصممون فكرةً تم تناسيها مع الزمن، وهي “الأخلاق الحميدة”، فإن تقدم الفن للناس يجب أن تثق بذوقهم. ولهذا يكسر هذا المبنى الحدود بين الفن والناس ويقدمه لهم بكل رحابة صدر.

وفي الختام نوجز بأنه إن صح الإدعاء القائل أنه على المباني أن تتمتع بجماليةً لا تنفصل عن دورها الوظيفي، فإن Circa بالطبع يحقق هذه النظرية بجمالية البناء وبراعته المعمارية الحيوية، مع استجابته لكل المتطلبات الوظيفية والمنطقية للفن الذي تحتويه وللناس الذين تقدمه لهم.

فقد بنيت صالة Circa برغبة لأن تكون جزءاً من المدينة ومن فنها ومن شعبها، فهي نقطة بدايةٍ لتطورٍ وتحضرٍ دائمٍ يعم المدينة وجنوب إفريقيا بأسرها.

إقرأ ايضًا