لوكوربوزيه يصارع جبال الهيمالايا

2

حتى جبال الهيمالايا لم تقف في وجه مبادئ لوكوربوزيه الفلسفية، فمبنى الأمانة العامة في تشانديجارف في الهند، عدا أنه يتفق مع مبادئ تخطيط المدن الحديثة في العمارة الدولية (CIAM)، من حيث تنظيم الوظائف العمرانية والتسلسل الهرمي للطرقات وشبكات المشاة، يخضع للمبادئ الفلسفية التي لطالما نادى بها رائد العمارة الوظيفية.

يُذكر أن مبنى الأمانة العامة هذا هو أكبر صرح في مجمع الكابيتول (مقر كل من حكومة البنجاب وهاريانا) إذ يبلغ طول كتلة المبنى 254 متراً في حين يبلغ ارتفاعها 42 متراً، فعند زيارة المجمع سوف تلاحظ وجود ثلاثة مبان رتبت على نحو تبدو فيه أقرب إلى ثلاثة ساحات متشابكة هي المحكمة العليا والجمعية التشريعية بالإضافة إلى الأمانة العامة، فقد تم تنفيذ ثلاثة مباني فقط من خطة لوكوربوزيه، التي تتألف من أربعة مباني، في حين لا يزال المبنى الرابع وهو مبنى الحاكم رهين الورق.

ويتألف هذا المبنى -أي مبنى الأمانة العامة- من ثمانية طوابق مقسومة باستخدام فواصل على حافة مجمع الكابيتول على الجانب الأيسر، حيث تستند هذه الفواصل بدورها على ممرين منزلقين نُفذا لتوفير التوزيع العمودي في جميع أنحاء المرافق.

وبذلك سوف تستشعر أوجه التشابه ما بين كتلة المبنى وكتلة مرسيليا من تصميم لوكوربوزيه نفسه، فقد كان لرائد العمارة الوظيفية هدف واحد أثناء تصميم كلا الكتلتين؛ ألا وهو إحداث ثورة في تصميم المباني المكتبية الحديثة، ويعتبر مبنى الأمانة العامة هذا من بين المباني الأولى التي صممت لتكون “مباني صحية” بالتركيز على الإضاءة الطبيعية والتهوية والكفاءة التنظيمية.

بغض النظر عن مبادئ لوكوربوزيه الفلسفية الواضحة كل الوضوح في تصميم هذا المبنى من كفاءة في التنظيم وما إلى ذلك، سوف تلاحظ بالنظر إلى الكتلة الخارجية قيام لوكوربوزيه بتطبيق مبادئ التخطيط الحر، وكانت النتيجة عبارة عن مبنى متعدد الطوابق، وذلك بإنشاء الكتلة الإسمنتية على أعمدة متباعدة سمحت بإنشاء قواطع تختلف من طابق الى آخر.

كما وقام لوكوربوزيه بتصميم الواجهة (بطول يزيد عن 800 قدم) بكل حرية دون تقيد، وقد نجحت هذه الواجهة “الحرة” بدورها بإعطاء المبنى شكلاً نحتياً، أما الممران المنزلقان المكشوفان والنوافذ الصغيرة المربعة فقد نجحت هي الأخرى بإبراز مبادئ التصميم الحر في أحلى صورة، ولكن هذه الحرية في تصميم الواجهة أقله، لم تكن لتطغى على تصميم المجمع، وذلك بسبب حجم المبنى الكبير، بل على العكس حاول لوكوربوزيه توحيد المجمع بشكل رمزي.

فقد نجح من خلال تقسيم الواجهة إلى عدة عناصر، عدا عن التخفيف من حجم المبنى الكبير، بزيادة الإضاءة والتهوية الطبيعية -وهي إحدى أهم أفكاره التطبيقية- كما وقام بتطويع عناصر التوزيع والبروزات والتراجعات وغيرها من المساحات الداخلية متعددة الطوابق لتخدم بمثابة كاسرات لأشعة الشمس، وقد ساعدت هذه الخطة عدا عن زيادة الإضاءة والتهوية بترسيم الحدود الفعلية والضمنية للمجمع ككل.

وكعادته، قام لوكوربوزيه، وهنا ننتقل إلى التراس، باستغلال سطح المبنى، فقد قام بإحداث كافتيريا أعلى التراس، وبذلك سيكون بمقدورك أن تحظى بإطلالة بانورامية على كامل المدينة، فالمشاهد من هنا تتغير باستمرار حسب زاوية الرؤية، أما لزيادة الإضاءة والتهوية الطبيعية، فقد تم تنفيذ خطة طويلة وضيقة.

على الرغم من التباين الواضح في تصميم الكتلة، وتحديداً الواجهة، فقد حافظ لوكوربوزيه خلال تصميم مبنى الأمانة العامة على عامل البساطة والتقليدية، ونجح بإبراز التباين في المساحات الداخلية والواجهة -كما أشرنا سابقاً- دونما أن يتعارض ذلك مع شكل الكتلة المدمج.

وأخيراً توج لوكوربوزيه التصميم بتنفيذ منحوتة ضخمة عبارة عن يد مفتوحة باعتبارها رمزاً للوحدة والمحكمة العليا الملونة، وتمتاز هذه المنحوتة بوجود سقف مزدوج لتوفير الحماية من الشمس.

إقرأ ايضًا