فوستر يُسكر إسبانيا

0

إنه أول مشروع لنورمان فوستر في هذا المجال، فتحت اسم مصنع بودجز بورتيا ولصالح مجموعة فوستينو وفي أشهر منطقةٍ مختصةٍ بإنتاج النبيذ في إسبانيا، تمد كتلة إسمنتية بكسوةٍ من فولاذ كورتين أذرعها الثلاثة على تلك الأراضي لتحتضن ثلاثة أقسامٍ تلائم جميع مراحل تصنيع النبيذ، حيث تم تخصيص إحدى الأذرع لعمليات التخمير، إذ يكون هذا الجناح مكشوفاً للسماح بتحرير غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، في حين تكون الذراعين الأخرتين مخصصتان لتعتيق النبيذ، إحداهما لتعتيقه في البراميل، في حين تكون الثانية لتعتيقه في الزجاجات، وطبعاً كلا الجناحين قد تم غمرهما تحت الأرض لتأمين أفضل الظروف ليصبح النبيذ جاهزاً للاستخدام.

يرتفع طريقٌ إلى سقف الكتلة حيث يتم هناك جمع العنب المحصود ليوضع في المعاصر، في حين يتألق داخل المبنى بميزانينٍ زجاجيٍ يمتد عميقاً داخل الأجنحة، ليؤمن إطلالةً على كلٍ من المناطق والعمليات المختلفة التي تحتضنها.

وبما أن هذا المشروع هو الأول من نوعه لفوستر في هذا المجال، فقد مثّل فرصةً هامةً للتميز والإتيان بجديد بالنسبة له. حيث انتهز هذه الفرصة من خلال الاستعانة بشكل الأرض لتساعد في عملية تصنيع النبيذ وخلق الظروف الأمثل لكل المراحل والعمليات التي يتطلبها كأسٌ من النبيذ الفاخر. وطبعاً لم يضيع معمارنا المميز في هذه التفاصيل غافلاً عن أهمية تخفيض المبنى لاستهلاك الطاقة، بل وعلى العكس تماماً، استطاع تلبية متطلبات البناء للطاقة، إلى جانب تخفيف التأثير البصري للمبنى على المنظر الطبيعي الذي يحتضنه.

وكما ذكرنا آنفاً، يعكس تصميم المبنى مراحل التصنيع التي يتعرض لها النبيذ، ابتداءً من التخمير في البراميل الفولاذية، مروراً بالتعتيق في البراميل المصنوعة من خشب السنديان، وانتهاءً بالتعتيق في الزجاجات. وهنا علينا أن نلفت عنايتكم بأن جميع هذه المراحل تتم مراقبتها عن طريق محورٍ للعمليات يتوضع في مركز المنشأة. وبالنسبة للأجنحة التي تتضمن البراميل وغرف الزجاجات فقد تم غمرها بشكلٍ جزئيٍّ تحت الأرض كي تؤمن أفضل الشروط البيئية المناسبة لعمليات تعتيق النبيذ.

وكعادته، لم يفوّت فوستر فرصة الاستفادة من كل سمات الموقع، فحتى جاذبية الأرض لم تسلم منه، حيث استغل انحدار الأرض لتساعد الجاذبية الأرضية في حركة العنب داخل المبنى، مما يزيد من الفعالية ويُقلل من الأضرار التي قد تصيب حبات العنب.

بكل تأكيدٍ لم يكن العمل على هذا المشروع كشرب الماء، فقد انطوى على صعوبات عدة، وأوّلها خصوصية المناخ في تلك المنطقة، إذ يتعرض هذا الإقليم، الواقع على بعد 150 كيلومترٍ شمال مدريد، لشتاءٍ باردٍ وقاسٍ، في حين تكون فترات الصيف فيه حارة مع تساقط كميات محدودة من الأمطار. لذا تحايل السير فوستر على هذه الظروف وابتكر مظلة سقفٍ تكون بارزةً بشكلٍ كبيرٍ لتؤمن حمايةً من أشعة الشمس ولتنظم الحرارة الداخلية في المبنى، وبالتالي تقلل من استهلاك الطاقة.

وبفضل غمر المبنى ذي الطابقين بشكلٍ جزئيٍّ تحت الأرض قلل فوستر من التأثير البصري لكتلته على الموقع، كما أنه ساعد تصميمه على الاستفادة بأقصى حدٍ من الفوائد الكامنة للبيئة، ففي السقف على سبيل المثال، قد تم دمج خلايا ضوئية تستفيد من الطاقة الشمسية، كما تساعد الكتلة الحرارية للكتلة الإسمنتية على السيطرة على حرارة المنشأة الداخلية. ليرتفع بذلك المبنى بمقدار 14.5 متر في موقعٍ يمتد على مساحة 400 أكراً.

بانتقالنا إلى الداخل لن نستطيع تجاهل منطقة الميزانين الزجاجية التي تمتد إليها صالة عرض مرتفعة مخصصة للعموم تقع في قلب المنشأة، في حين تتوضع بين الأجنحة منطقة استقبال وإدارة عامة يغمرها الضوء الطبيعي، لتطل على كروم العنب التراسات الواسعة وبرك المياه المتلألئة. هنا لابد لنا من أن نشير إلى أنه قد تم تصميم المناطق العامة لتحيي التقليد الغني لصناعة النبيذ في الإقليم، حيث يغمر الزوار هذا الشعور بمجرد النظر إلى كسوتها المصنوعة من الألواح الخشبية المأخوذة من براميل النبيذ القديمة.

هنا يقول السير فوستر: إن مصنع بودجز بورتيا للنبيذ هو الأول من نوعه بالنسبة لنا، لذا لم يكن لدينا أدنى فكرة عن كيفية العمل عليه, وهذا ما جعله عبارة عن فرصةٍ لنا لنبدأ من المبادئ الأساسية لنتفحص المراحل المختلفة للإنتاج النبيذ في محاولةٍ لخلق الظروف الأمثل لتلك الصناعة. وهكذا كان النبيذ هو نقطة البداية بالنسبة لنا، بالإضافة إلى موقع المشروع المميز. فمن خلال استخدام مواد تشير إلى تقليد صناعة النبيذ في ذلك الإقليم وابتكار مساحاتٍ مفتوحة على المناظر الطبيعية استطعنا تقوية تجربة الزائر إلى المكان.

ختاماً نشير إلى أن هذه المنشأة المتألقة بزجاجها وفولاذها وخشب السنديان والممتدة على 12,500 متر مربعٍ تمتلك قدرةً إنتاجيةً تقدّر بمليون زجاجة نبيذ في العام الواحد، بالإضافة لامتلاكها سعةً تقدر بـ 6,000 برميل و 750,000 زجاجة. ومن الجدير ذكره أنه قد تم افتتاح هذا المصنع مع بداية شهر تشرين الثاني من عام 2010.

ترجمة وتحرير مي الصابوني

إقرأ ايضًا