هدية ولكن “معمارية” لأهالي طروادة

2

تروي الأسطورة بأن الإغريق امتلكوا من الحنكة العسكرية ما جعلهم يغزون مدينة طروادة التاريخية بإرسالهم حصاناً خشبياً مليئاً بالجنود كهدية لأهلها، فهل يا ترى ستنفع هدية فريق Grimshaw المعماري لأهالي مدينة طروادة الأمريكية، وهل سيثبت الفريق الأسترالي بحنكته المعمارية هذه المرة مقدرته على تحويل مركز (EMPAC) للفنون الاستعراضية إلى منبرٍ لخدمة الحرم الجامعي بل مدينة طروادة بأسرها؟

في انتظار الانتهاء من أعمال التشييد والحكم على نجاح المركز، نبقى مع تفاصيل التصميم الأولية، إذ يقع المركز الجديد على حدود الحرم الجامعي لكلية Rensselaer مطلاً بذلك مباشرةً على مدينة طروادة في ولاية نيويورك الأمريكية، وهذا ما يشرح لنا الكم الهائل من مساحات تقديم الأداء، حيث يضم المركز قاعةً موسيقية تستوعب 1200 شخص ومسرحاً يستوعب 400 شخص، بالإضافة إلى اثنين من الاستوديوهات الخاصة بالفنانين والباحثين، كما وتم رفد المركز باثنين من الاستوديوهات السكنية ناهيك عن أجنحة الإنتاج السمعي المرئي وأخرى خاصة بمراحل ما قبل الإنتاج، وليس هذا كل شيء، فقد تم تأمين مرافق للزوار والطلاب أيضاً.

وتسترعينا هنا براعة فريق Grimshaw الذي استطاع أن يجمع ما بين هذه الأجزاء على اختلاف وظائفها تحت سقفٍ واحد، فقد تم ربط القاعة الموسيقية والردهة محورياً، في حين امتد المدخل الرئيس على الجانب الشمالي من المبنى على شكل سلسة طولانية، أما الاستوديوهات والمسرح فتشكل سلسة مجاورة على الجانب الجنوبي.

وكأن حواراً يجري بين هاتين السلسلتين، تظهر القاعة الموسيقية واضحة للعيان، بينما يمثل المسرح بالاشتراك مع الاستوديوهات الغياب المادي للفراغات داخل الكتلة الصلبة، ولأن المدخل الرئيس يقع أعلى التلة بالقرب من السقف، في حين تنحدر القاعة الموسيقية إلى الأسفل، نجم ذلك عن وجود مساحة كبيرة مفتوحة ما بين هذين الجزأين.

فعندما يدخل الزوار المبنى سيجدون أنفسهم في أعلى الردهة ومنطقة التوزيع الرئيسة، ومن هنا سوف يكون بإمكانهم مشاهدة الكتلة الخارجية من القاعة الموسيقية ككتلة منحنية تغطيها الألواح الخشبية الصلبة.

أما للوصول إلى القاعة الموسيقية فعلى الزوار أن يسلكوا الممرات المرتفعة التي تتفرع عن الردهة كما لو كانت جسوراً، وسوف يتفاجؤون حينها بأن كتلة القاعة الموسيقية بالكامل تقع في قلب الردهة مما يجعلها أقرب إلى العامة.

وبالحديث عن واجهات المركز، نلاحظ بأن الواجهة الشمالية بأكملها عبارة عن جدارٍ مستعار زجاجي، تم استخدامه لخلق حالة من الشفافية بين المركز ومدينة طروادة، حيث يسمح هذا الجدار الزجاجي بإدخال ضوء النهار إلى الردهة، ليعزز من إضاءة المبنى وجود فتحة سماوية في الأعلى من القاعة الموسيقية.

أما في الليل، فتضاء القاعة من الداخل على نحوٍ ساحر يجعلها أقرب إلى المنارة عندما تُشاهد من بعيد، ولكن هذا لا يلغِ أبداً من أهمية الجدار الزجاجي الذي يقوم عدا عن غمر القاعة بأضواء طبيعية، بنقل المياه الساخنة عبر مجموعةٍ من الفواصل لعزل المساحة عن شتاءات نيويورك الشمالية.

بالانتقال إلى وظيفة القاعة، فقد تم تصميمها في الدرجة الأولى لعروض الموسيقى السيمفونية وموسيقى الجاز أيضاً، زد على ذلك العروض والأفلام وحفلات الرقص، وقد استطاعت هذه القاعة الضيقة والطويلة من خشب القيقب أن تصبح أنموذجاً للقاعات الموسيقية في أمريكا، على الرغم من بساطة المواد المستخدمة.

فقد تم استخدام خشب القيقب لتشطيب الأرضية والجدران المنخفضة، بينما تم إكساء الجدارن العليا بألواحٍ معزولة صوتياً من الجبس والحجر مسبق الصنع، ويسترعينا هنا شكل القاعة المحدب الذي تم اعتماده عمداً لتضخيم الصوت في كافة أرجاء المساحة، لنصل بأنظارنا إلى السقف المصنوع من القماش، فقد تم تنفيذ سقف القاعة باستخدام قطع قماشية بسماكة ميلمتر واحد.

وتدعم هذه القطع شبكة رقيقة من الكابلات الفولاذية، إذ لم يكن أمام فريق Grimshaw سوى القماش، لقدرة هذه المادة دوناً عن غيرها على عكس ترددات الصوت العالية وزيادة شفافية الترددات المنخفضة والمتوسطة، فضلاً عن دعم الموسيقيين والجمهور، حيث تسمح للكتلة فوق السقف بتوليد الصدى، وأخيراً تقوم القطع القماشية عند السقف بإعطاء القاعة شكلاً محدباً مضفيةً بأنوارها وهجاً لطيفاً على القاعة في الأسفل.

أما المسرح فقد تم تجهيزه وفقاً لأعلى المعايير المعتمدة في المسارح المحترفة، حيث يمكن استخدام المسرح مع أو بدون الجزء الخلفي المعد للفرقة الموسيقية، كما وتم رفده بمقاعد متحركة على الجانبين، مما يسمح بزيادة مساحة تقديم العروض وتوسيعها حتى يتمكن الجمهور الجالس على الجانبين من متابعة العرض بجواره مباشرة.

كما ويستوعب المرفق مجموعة من شاشات العرض ومكبرات الصوت، لينتقل الجمهور إلى عالمٍ افتراضي حالم، حيث تم التعامل مع المسرح على نحوٍ أقل تكلفاً من القاعة الموسيقية، ويظهر ذلك جلياً بالنظر إلى الأرضيات والجدران الجصية المصنوعة من خشب القيقب عالي الجودة، والإضاءة الخافتة التي تغيب بغيابها كافة التفاصيل المعمارية.

ونأتي على الاستوديوهات الخاصة بالفنانين والباحثين، فقد تم تشطيب الاستوديو رقم 1 وهو عبارة عن “صندوق أسود” بالحد الأدنى، ويعتبر هذا الاستوديو مناسب تماماً للصوت والموسيقى؛ ولكن الأمثل للتصور العلمي والعروض والرقص، حيث تتألف جدرانه من مجموعة من الألواح الخاصة بتعديل الصوت، مطلية باللون الأسود غير اللامع.

بينما نلاحظ بأن الاستوديو رقم 2 أصغر من سابقه، وبذلك فإنه مناسب تماماً للرقص والعروض المرئية، كما يعتبر الأمثل للتدريبات والتسجيلات الموسيقية، وبالتالي كان لديه الفرصة ليتألق معمارياً بدلاً من أن يكون مجرد صندوق أسود، فقد تم تشطيب الأرضية هنا بخشب القيقب في حين تم طلاء الألواح الجدارية المعدلة للصوت بلون العاج.

من وجهة النظر هندسية وتكنولوجية، يمكننا القول بأن مركز (EMPAC) ابن هذا العصر مئة بالمئة، وخير دليل على ذلك أنظمة العزل المبتكرة ونظام التكييف الصامتة تقريباً، والتي تم اعتمادها خصيصاً للحفاظ على سلامة الأداء والبحوث، حيث يخرج الهواء بكل سلاسة من تحت مقاعد الحضور.

ولا ننسى أخيراً الجدار الزجاجي المستعار في الواجهة الشمالية، الذي يمتد على عشرين ألف قدم مربع ويقوم بنقل الماء الساخن لعزل المساحة عن فصل الشتاء القارس، فهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اعتماد هذه التكنولوجيا في الولايات المتحدة، مما يؤهل المركز للحصول مستقبلاً على ثقة LEED، ناهيك عن ثقة كمٍ هائل من الزوار من كافة أنحاء العالم.

إقرأ ايضًا