بَرَكةٌ أضفت على مشروع بناء بيتٍ لله روح التعاون والحماس

2

إن مشروع بناء كنيسة Field Chapel هو مشروعٌ عمته البركة والتوافق بين كل من تعاون على إنجازه من معماريين -وهم طلاب كلية العمارة في IIT في شيكاغو بقيادة أستاذهم Frank Flury- وحتى كاهن الكنيسة والشركة المعمارية Ecker Architekten المشرفة في ألمانيا والسكان المحليين في Boedigheim بألمانيا.

وقد كانت المهمة الرئيسية من تصميمٍ كهذا هي خلق مكانٍ روحاني. وبناءً على ذلك فقد شرح الأستاذ Flury المشروع للـ 12 طالب القادمين من آلاباما وآلاسكا وكاليفورنيا وفلوريدا و أيداهو و إلينويز و تينيسي والصين بأنه “كنيسةٌ صغيرةٌ لطائفةٍ معينةٍ يجد فيها الناس الباحثين عن الله مكاناً لأنفسهم. فهو مكانٌ بانعكاساتٍ خفيفة، إلا أنه يوفر متسعاً للترحيب بعابري السبيل الذين ينشدون الراحة في مكانٍ يتمتع بحسٍ وجمالٍ وروحانيةٍ تبعث على الطمأنينة.”

وفي إسقاطٍ على كيفية نشأة المشروع واجتماع المشاركين فيه منذ البداية، فقد بدأت القصة عندما اتصل الكاهن Moser-Feesche بشركة Ecker Architekten في الشهر الأول من سنة 2008 بنيّة الاتفاق على بناء كنيسة. حيث لم يكن يملك حينها أية ميزانية أو أملاك أو حتى دعم من متبعي طائفته، ولكن كان لديه فكرة محددة واضحة عن شكل الكنيسة وموقعها.

وقد كانت المعمارية Dea Ecker قد نالت درجة الماجستير في العمارة من معهد ولاية إلينويز للتكنولوجيا Illinois Institute of Technology IIT، وكان صديقها منذ زمنٍ طويل Frank Flury أستاذاً في المعهد نفسه IIT ويُدرس مرحلةً متقدمة لمشاريع تصميم المباني في كلية العمارة بشيكاغو.

وبعد مناقشة الآنسة Ecker لتفاصيل المشروع المبدأية مع الكاهن؛ اتصلت بالأستاذ Flury لتطرح عليه الأمر، وقد بدا لهم المشروع مناسباً. في حين كانت شركة Flury قد أنجزت عدة مشاريع في أميركا لطالما نالت الاستحسان العام وتركت انطباعاً إيجابياً من الناحية الاجتماعية. وقد كانت هذه هي فرصة طلاب IIT لخوض مشروعٍ عالميٍّ حقيقي.

ثم زار الأستاذ Flury موقع المشروع في Boedigheim ليدرسه ويناقش تفاصيله مع الكاهن، وكان ذلك في ديسمبر 2008. وبعد هذه المقابلة المبدأية تم الإتفاق على توزيع المسؤوليات والمهمات في المشروع؛ إذ سيقود Flury عمليات التصميم والبناء، وستعمل شركة Ecker Architekten من موقعها بالأمور المكتبية للحصول على الموافقات المطلوبة، أما الكاهن Moser-Feesche فسيحاول الحفاظ على حقوق الممتلكات ويحشد المتطوعين لإنجاز العمل المطلوب لإكمال المشروع.

وفي الأول من سنة 2009 عرض Flury المشروع على دائرة تصميم المباني وتلقى منهم استجابةً حماسية، ثم وفي غضون ثلاثة أشهرٍ قدم إثنا عشر تلميذاً ثلاث تصاميمٍ مطورةٍ بديلة. وفي مارس 2009 تم تقديم هذه المشاريع بشكلٍ شخصي لبلدية Buchen ولمواطني Boedigheim بألمانيا.

وبعد مناقشاتٍ طويلة تم اختيار مشروعين تحت قيد التطوير مع إسناد المسؤولية بشكلٍ كامل للأستاذ Flury لدراسة جدوى ومحتوى العروض بشكلها النهائي. وعلى أمل نيل المساعدة والتبرعات من أهالي مدينة Buchen، عمل كلاً من Flury والكاهن على زيادة وعي الناس لأهمية المشروع. وقد حصلوا على عدة تعهداتٍ من الحداد المحلي والنجار وصاحب منشرةٍ لتزويد المشروع بالخشب ومالك المزرعة الذي ستقام الكنيسة على أرضه بأن يلتزموا بدعم المشروع الذي لاقى الآن استحسان وموافقة أهالي Boedigheim.

وقد تم انتداب المهمات وتوزيعها لاحقاً بشكلٍ منطقي؛ فالأستاذ Flury يعمل على تطوير التصميم مع تلامذته لضمان إنجازه خلال الصيف، أي فصلٍ دراسيٍّ واحد. ومن بداية مارس وحتى آخر مايو كانت شركة Ecker Architekten على اتصالٍ دائمٍ بمكتب تطوير البناء في موقع العمل. فهم يواكبونهم خطوةً بخطوة عن طريق البريد الالكتروني وتقديم كل ما يحتاجونه من تصاميم أوتوكاد ويجتمعون بهم الكترونياً لترجمة ما يقوم به طلاب جامعةٍ أمريكية بمقاييس بناءٍ ألمانية.

وبما أن الخطة تنص على وضع حجر الأساس في يونيو؛ فقد اتصلت Dea Ecker بالمسؤولين المحليين وجهزت لهم الرسومات اللازمة لنيل موافقتهم في الوقت المناسب. كما لايزال الكاهن Moser-Feesche قائماً على عمله مع طائفته لنيل استحقاق حقوق الملكية ولتوفير الظروف المناسبة لاستقرار التلاميذ خلال مرحلة البناء.

وأخيراً، وصل الطلاب إلى ألمانيا خلال الأسبوع الأول من يونيو. ورغم الصيف الممطر على غير العادة، تقدم العمل في المشروع بسلاسةٍ متناهيةٍ. وبمساعدة عددٍ لا يحصى من المتطوعين، تم بناء الكنيسة في ثمانية أسابيعٍ فقط، مع حضورٍ تجاوز الأربعمئة شاهدٍ على الافتتاح الرسمي في الخامس والعشرين من يوليو 2009.

والآن تتربع الكنيسة على قمة تلةٍ بين قرية Boedigheim و Seckach و Großeicholzheim. ويمكن رؤية البناء من على بعدٍ ولكن الوصول إليه إما مشياً على الأقدام أو بالدراجات الهوائية عبر طريقٍ ريفيةٍ منحدرة.

وبتتابعٍ منطقيٍّ للعمل اهتم الطلاب بتصميم وتنسيق المساحة الخارجية لتناغمٍ وتكاملٍ أكثر: فعند وصول الزائر إلى الموقع يقوده ممشىً ضيقٌ بين سياجٍ مشجرٍ كان موجوداً مسبقاً في المكان وواجهة البرج إلى فناءٍ أماميٍّ مفروشٍ بالحصى يحد البناء من جهتين ويحوي مقاعد ضخمة من الحجر الكلسي المحلي، وقد وصفه الطلاب بأنه الجزء الدنيوي من البناء. ثم تبرز أمامه منصةٌ مغطاةٌ بالآجر لتقوده إلى الفناء الداخلي المغلق الذي يضم المكان المقدس وحرم الكنيسة الذي عبر عنه اطلاب أيضاً بالجزء السماوي.

كما تحيط أربعة جدرانٍ بحرم الكنيسة المقدس لتحد من رحابة المنظر إلى السماء أو البرج. وحسب تعبير الطلاب “تنغمس الكنيسة وفناؤها وسط بحر الإيمان، ويتصل الفناء –الدنيوي- بالحرم –السماوي- ويرتبطان ببعضها في مكانٍ واحد.”

فمنذ نعومة أظفار المشروع أكدت كل تفاصيله على قدرة الطلاب على إنجاز العمل دون استعانةٍ بمهارات وخبرات البناء. فقد تم اقتطاع الأخشاب بآلة CNC لتشكيل البنية بأكملها بناءً على رسومات الطلاب. وقد تم تصميم الفتحات في الأعمدة الأربعة للبرج كملاقف يمكن التحكم بها يدوياً لاحقاً. مع العلم أنه لم يتم نشر قطعة خشب واحدة في الموقع، كما طوّر الطلاب رسوماتهم باستخدام عدة برامج CAD وأنتجوا موادهم بشكلٍ مستقل باستخدم أدواتٍ يدوية أو آلات مبرمجة للمساعدة.

وبالطبع يحمل المشروع سمات الاستدامة بكل معانيها، فقد اعتمد تصميم الكنيسة على تبرعاتٍ من مواد قابلة للتكرير أو أنه ثاني استخدامٍ لها، وكلها مواد محلية الإنتاج. فالأخشاب من غابات بلديتي Buchen و Boedigheim، وقد تم تقطيعها وتشذيبها في منشرةٍ تبعد أقل من كيلومترين عن موقع الكنيسة.

كما ساعدت غضاضة أخشاب الصنوبر على إكمال البناء دون الحاجة لطلاء الأخشاب بمواد تحميها من الجو وتقلباته، وهي واجهاتٌ ستتحول في النهاية إلى اللون الرمادي الفضي. وحتى الآجر الذي رصف أسقف الكنيسة تم التبرع به للمشروع من مبنىً مجاور. وقد تم استخراج الحصى الذي فرش الفناء الخارجي من قاع النهر المجاور، أما الحجر الكلسي فهو منتشرٌ على طول المماشي المؤدية إلى الكنيسة.

وهكذا كانت كل المواد التي تم استخدامها في البناء إما من صنع الطلاب في المنشرة المجاورة أو بيد حرفيين محليين مع الأخذ بعين الاعتبار الفولاذ المستخدم أيضاً للبراغي ولتدعيم قلب الأعمدة. أي أن كل المواد على الإطلاق جُلبت من أماكن قد لا تبعد أكثر من أربعين كيلو متراً عن موقع العمل.

إقرأ ايضًا