منازل سانتا ماريا: ملاذ الهاربين من صخب التمدُّن

2

هرباً من أسلوب الحياة المدنيّ المزدحم في جميع العواصم العالمية مازال الناس يهاجرون منذ فترةٍ طويلةٍ وحتى الآن من هذه المدن الصاخبة إلى مناطق أكثر هدوءاً وراحةً، علَّها تقدم لهم ما يطمحون إليه من هناءٍ وسكونٍ.

وليست العاصمة مكسيكو بعيدةً عن هذا الواقع على الإطلاق، فهناك من هرب منها بالفعل وطلب من شركة Hierve-Diseñeria المكسيكية تصميم مشروعٍ سكنيٍّ يكون بمثابة مكانٍ يلجأ إليه الناس في عطلات نهاية الأسبوع.

طبعاً لبَّت هذه الشركة الدعوة ونفَّذت مشروع سانتا ماريا في المكسيك، هذا المسكن الذي يتضمن تسع منازل مدنيّة وبعض المرافق التي تقدم لقاطنيها تجربة عيشٍ شبيهةً بالفنادق.

حيث بلغت المساحة الإجمالية للمشروع 2,433,00 متر مربع، لتتراوح المنازل المدنيَّة بين 168,00 و 251,00 متر مربع، في حين تبلغ مساحة الموقع 2,509,64 متر مربع والمساحة المبنية 2,269,00 متر مربع.

نتيجةً لمواجهة مثل هذا السياق الرائع المحدود، لم يكن بإمكان المعماريين سوى احترامه، محاولين أن يستفيدوا من معظم سماته الجميلة من خلال تدبير العناصر المادية للمشروع بعنايةٍ فائقة. مع العلم أن معظم هذه العناصر قد تم تقديمها للمصممين على أنها أنظمةٌ أقرتها السلطة المحلية، لتشمل هذه العناصر المواد المتضمنة والارتفاعات والعلاقة مع المباني الأخرى والتصميم العام والأحجام ومواد الأبواب والنوافذ.

فمنذ المراحل الأولى للتصميم، حاول المصممون أن يخلقوا رابطاً قوياً مع الموقع من خلال الاستجابة إلى الطوبولوجيا الخاصة به وإلى المساحات النباتية الخضراء الموجودة ومناظر البحيرة والمباني المجاورة واتساع الشوارع.

كما حاولوا أن يخلقوا رابطاً تصورياً من خلال إضافة نكهة المشهد الطبيعي الغني والريفي المحيط بمنطقة Valle de Bravo. وهذا بالضبط ما دفعهم إلى اتخاذ قرارٍ بدمج خنادق طويلة على امتداد المشروع وملئها بأحجار ونباتات النهر الطبيعية.

هذا وقد سعى المعماريون وراء الحفاظ على روح وطموحات المكان، محاولين نقلها إلى المرحلة الثانية من التطوُّر، حيث تتحدث الكتلة الجديدة بتقديرٍ عن الماضي، بينما تنغمس جذورها بقوةٍ في الحاضر وتعطي إحساساً بالتوجه نحو المستقبل. وربما هذا ما جعل هذا المشروع يحاول باستمرار أن يكون راسخاً ومثبَّتاً مادياً إلى الأرض، ولكن في نفس الوقت يحاول أن يطفو ويحلق بعيداً في السماء.

تتألف التركيبة الفراغية الرئيسية للمشروع من الكتل الموضوعة على طول الشارعين اللذين يقيِّدان الموقع (تطبيقاً للنظام المحلي)، ومن المنازل المرسومة على شكل حرف L. بهذه الطريقة، استطاع المعماريون أن يستفيدوا من توجُّه ومناظر المنزل، وفي نفس الوقت كانوا قادرين على إيجاد منطقة البُركة (بمعنى الباحة الرئيسية)، تماماً كما هو الحال في المنازل التقليدية الموجودة في مركز مدينة Valle de Bravo.

من جهةٍ أخرى، يتضمن التصميم العام للمشروع مستويين رئيسيين يحتوي الأول على المدخل ومساحة ركن السيارات وغرفة الحارس الأمني وغرفة النفايات وكافيتيريا صغيرة وغرفة الحارس وغرفة المحاسبة بالإضافة إلى 36 ممرٍ صغيرٍ وغرفة غسيل وحمّامات خدمة وغرف صيانة.

بينما يتضمن المستوى الأعلى ممراً شاملاً محكماً (على شكل حرف L) يمتد على امتداد كامل المنازل، حيث يكون الغرض منه هو أن يصبح مصدَّاً أو منطقةً فاصلةً بين المنازل التسع ومنطقة البركة. كما تعمل منطقة البركة كمساحةٍ مفتوحةٍ ومقيَّدةٍ ذات حسٍّ بالخصوصية تجاه المنازل، مع أنها تنفتح على المشهد الطبيعي المحيط.

وتتصمن هذه المنطقة منصةً خشبيةً وجاكوزي ومسبحين ومساحةً لإشعال النار وحديقةً صغيرة. أما في نهاية هذا الممر المستقلّ، فيوجد فناءٌ صغيرٌ يجلب الضوء والهدوء إلى كلٍّ من استديو اليوغا وغرفة التدليك.

هنا علينا أن ننوه أن المصممين كانوا حريصين أشد الحرص على أن يتمتع كل منزلٍ بالخصوصية، وفي نفس الوقت أن يكون كل مسكنٍ قادراً على الانفتاح على المناطق المحيطة الرائعة. تطبيقاً لهذا الهدف، جاءت جميع غرف النوم بارتفاعٍ أخفض نوعاً ما من غرف المعيشة، هذا لزيادة فعالية التدفئة في مثل هذه المساحات، ولأن المصممين أرادوا أن يقدموا إحساساً بالدفء والراحة والحماية من البيئة الخارجية الباردة والرطبة.

أما الطابق السفلي من كل منزلٍ (باستثناء الطابق الخامس)، فيتضمن ردهةً صغيرةً وثلاثة غرف نومٍ وحمّامين. بينما يستفيد الطابق العلوي من كلِّ منزلٍ من نظام الارتفاع، مما يتيح مساحةً واسعةً تقدم مناظر عظيمةٍ باتجاه البحيرة والمحيط. وعلى هذا الطابق بالتحديد، يوجد مطبخٌ مفتوحٌ وغرفة معيشةٍ وتراسٌ خاصٌ وحمّامٌ صغيٌر وحُجرةٌ للغسيل.

بالنسبة إلى عملية اختيار المواد، فقد انطلقت من نظامٍ محليٍّ يعتبر أن جميع الجدران الخارجية يجب أن تمتلك تشطيبةً جصيةً بيضاء. وبامتلاك مثل هذه الخلفية الحيادية الرائعة، قرر المعماريون أن يمزجوها مع مادتين إضافيتين هما الحجر الطبيعي والخشب الصلب. ولهذا السبب، تم اعتماد الجص الأبيضٌ والجص الأحمر المحترق (في الحمامات) والخشب الصلب والحجر الطبيعي الرمادي في مختلف أرجاء المشروع (في المناطق الخارجية والداخلية).

علاوةً على ذلك، كان من المهم جداً أيضاً أن تكون مثل هذه المواد طبيعيةً 100%، لأن المعماريين أرادوا أن يمزجوا تجربةً طبيعيةً غير عمرانية. كما كانت النوافذ والأبواب من العناصر الهامة أيضاً في المشروع. فمنذ المراحل الأولى للتصميم، أبدى المصممون رغبتهم باستخدام أسطحٍ صلبةٍ من الخشب على الواجهات. ولهذا، تمتلك نوافذ غرف النوم على الطابق الأول -على سبيل المثال- ألواحاً صلبةً متحركةً من الخشب في الداخل. هذه الألواح التي تُستَخدم كستائر أثناء النهار وكعوازل حرارية في الليل. إلا أن هذا النوع من الحلول ليس جديداً أبداً، فقد كان مستخدماً بشكلٍ كبير في المنازل الاستعمارية منذ وقتٍ طويلٍ.

من الملفت في هذا المشروع أنه -وعلى امتداد عملية التصميم- حاول المعماريون فيه أن يصبغوا المشروع بحسٍ من الهدوء والحيادية والانفتاح والخصوصية والتواصل مع المشهد المحيط ومشهد المدينة.

وهناك حقيقةٌ أخرى لا يجب إنكارها أو إغفالها، وهي أن العيش في مدينةٍ مثل العاصمة المكسيكية يجعل الكثير من الناس يشعرون بضرورة إعادة التواصل مع الطبيعة والتاريخ ومع أنفسهم حتى. وانطلاقاً من إيمانهم بهذه الفكرة، يأمل المعماريون أن يتمكنوا من خلال هذا المشروع من مساعدة بعض الناس على تحقيق هذا الهدف. لتكون النتيجة مساكن سانتا مارينا الهانئة!

إقرأ ايضًا