مكتبةٌ كندية ثريةٌ ثراء الغابة المجاورة

1

قامت شركة Briere, Gilbert + Associes بالعمل على مشروع Bibliotheque Montarville-Boucher-de la Bruere في Boucherville بكويبك بكندا. وهو مكتبةٌ تقع في قلب مدينة Boucherville التي بُنيت قبل 25 عام على ضفاف نهر St. Lawrence شرق جزيرة مونتريال.

وقد كانت مكتبتها العامة بحاجةٍ للتجديد وإعادة إعداد مرافقها لتقوم بواجبها على أحسن وجه وتقدم خدماتها بما يتوافق ومجتمعٍ متنامٍ ثقافياً وتقنياً.

وقد فاز المشروع الذي قدمته Briere, Gilbert + Associes بجائزةٍ عام 2007 لذكاء تصميمه وشدة موائمته لمتطلبات التجديد وإضافة مبنىً جديد. وهو عبارةٌ عن بناءٍ من ثلاثة طوابقٍ على مساحة 1,470 متر مربع، بالإضافة لتجديد المبنى الأصلي على مساحة 1,700 متر مربع. ويضم مدرجاً وردهة دخولٍ جديدة وقاعة مطالعةٍ جديدةٍ ومركز تسليفٍ ويكمل تنظيم مجموعة المكتبة ككل.

وبعد التقييم المبدئي للمحتويات الحالية للمكتبة، كان أن أوحت المناظر الطبيعية المتاخمة للنهر بما فيها من أشجار وأخشاب بفكرة التصميم وألوانه في المكتبة.

وبطريقةٍ مخالفةٍ للمبنى الموجود أصلاً، الذي بالكاد ترتبط هندسته الداخلية بالمجتمع والبيئة الطبيعية المجاورة، فقد تبنى المبنى الجديد تصميماً مفتوحاً وخالياً من الحدود يعبّر عن جوهره الذي يحث على الاكتشاف والانفتاح على العلم والمعرفة في العالم.

لذا فهو امتدادٌ بسيطٌ منفتحٌ و فعّال لمصلحة كل رواد المكتبة. وينطوي التصميم المتميز لبناء المكتبة بطوابقه الثلاثة وشدة إظهاره للغابة المجاورة له على قدرته الهائلة على إعادة تعريف المناظر حوله حاثاً بذلك الزوار على زيارة المكتبة. وكقائدٍ يوحد الصفوف، نجده بناءً يجمع عناصر بصرية وأخرى ملموسة في سياقٍ عمرانيٍّ جاعلاً المكتبة جزءاً من الغابة الصنوبرية حول النهر.

ولكن يبقى شكله المعماري مستوحىً من الشكل المنطقي للبناء الموجود مسبقاً “أربع أبنية مربعة صغير تلتف حول مركز”، ويقترح المبنى الإضافي توسعة إحدى هذه المربعات بأن يتم افتتاحها باتجاه الغابة المجاورة. وهذا ما يخلق روابط جديدة منفتحة بين البناء وبيئته المحيطة، معرفاً بذلك قلب وجوهر المكتبة وخالقاً وحدةً شاملة، يدمج فيه المكتبة الموجودة بالبناء الإضافي والغابة المجاورة.

وبهذا المعنى نجد أن عنصرين أساسيين قد أعطيا المنظر الطبيعي بنيته وأظهرا التناغم فيه، وهما مساحةٌ خشبيةٌ كبيرةٌ ومفتوحةٌ تماماً على الطبيعة وقاعة مطالعة جديدة، لتخلق ممراً خارجياً جديداً يعبر المنطقة بكاملها.

كما كان وجود الغابة عنصراً واضحاً لا يمكن إغفاله إذ يبدو مرئياً من الشارع والمنطقة المجاورة، إذ تؤكد وجود مؤسسةٍ ثقافية داخل منظرٍ بعمرانيةٍ طبيعية. كما استفادت عمرانية المبنى الجديد من وجود الغابة فكانت تكاليفه أقل واستغل مساحة أرض أقل وارتفع لثلاثة طوابق فقط ومع ذلك بدا بمنتهى الرحابة والإتساع لحفاظه على المناظر الطبيعية والأشجار حول، لتضم بذلك الطوابق الثلاثة المجموعات العامة الثلاثة في المكتبة، أطفال ومراهقين وبالغين.

وقد استفاد المبنى بطوابقه الثلاثة من إحاطته بالأشجار والأجواء الطبيعية وطبوغرافية الأرض بأن زجج جميع واجهاته، فاستفاد كل زائر للمبنى سواءً كان طفلاً أو شاباً أو طاعناً في السن حتى من هذا التواصل البصري مع الطبيعة والخضرة والأوراق النباتية التي توحي بالهدوء والراحة وتعيد الشباب.

وتحيط متزهاتٌ بجوانب المبنى كافةً وترتبط مباشرةً بمجال الأرض التي تقوم عليها المكتبة. ويتماشى تخطيط المتنزه مع طبوغرافية الأرض بما فيها من ارتفاعاتٍ وانحناءاتٍ لتساعد الزوار في النهاية الوصول إلى قاعدة الدخول الرئيسية.

ويستفيد المنتزه المحيط ببناء المكتبة من أشعة الشمس من الناحية الجنوبية إلى أقصى درجة، وينظم حركة السير “مشياً” والإزدحام في المنطقة. ويعمل كأكفئ رابطٍ نظرياً وعملياً بين العناصر المختلفة كالمدخل الرئيسي والغرف المتعددة الاستخدامات والشرفات والمدخل الخدمي ومنطقتي اصطفاف للسيارات وحتى الغابة والنهر والشارعين المجاورين Chemin du Lac و Rivière aux Pins Street، بالإضافة أيضاً للجزء السكني من المنطقة وحديقتي Parc de la Mairie و Pierre Laporte Park والمركز التاريخي لمدينة Boucherville.

وقد ارتأى المصممون خطةً بمساحاتٍ مفتوحةٍ على بعضها تتمركز حول الردهة الجديدة كاستجابةٍ للتنظيم المتداخل والقيود التي تحكم التصاميم الداخلية. ويعتبر مركز التسيلف والمدرج القلب النابض للمشروع، ويقعان بين القسم الحديث والآخر القديم ويمتدان أفقياً من خلال بنية المدرج. أما الردهة بموقعها المركزي فتوفر للزوار فرصة التواصل السريع والتنقل الواضح بين أقسام المكتبة الرئيسية.

وكما بقية أجزاء المكتبة –لكل جزءٍ مهمته وفائدته- نجد أن قاعة الاستقبال تكمل نغمة الانسجام بين أجزاء المكتبة والطبيعة المحيطة بها، كما تعمل على تحديد وجهة الزوار وتساعدهم في اختياراتهم. وبمجرد دخول الزوار إلى المبنى فإنهم يغوصون في عالم الطفولة الخيالي الذي يقع تماماً تحت المدخل. ويتميز هذا القسم بمدى إشباعه بالمناظر الخلابة على الغابة من ردهته وقاعة الجلوس فيه ومن أقسام الكتب التي تتوزع في أرجاءه. ويربط طريقُ منحدرٌ بين الردهة وقسم الأطفال وبين المصعد والسلّم الرئيسي، ويمكن رؤيته من المدرج الخارجي.

وقد تعمد المصممون تضمين تصميم البناء خطةً يشعر المتجول في المكتبة من خلالها بالسهولة في التنقل بين أرجائها وكأنه يقوم بجولةٍ ليكتشفها، كما أنه وبتنقله بين طابقٍ وآخر يحصل على فرصة تأمل حديقة Rivière aux Pins Park مما يجعل تجربة التنقل أكثر غنىً ومتعة.

وقد استفاد المعماريون بقرائتهم للمنطقة ككل بأن أحسنوا تصميم وتقسيم أجزاء المكتبة، فكان مثلاً أن أضافوا قسم التاريخ وقسم الأنساب الوثائقي وأقسام المصادر قرب مركز التسليف وطاولة توفير المعلومات. أما أقسام الإدارة فتبقى في الجوار لتوفير طريقةٍ مثلى في الإدارة والتحكم.

فقد تمت إعادة توزيع مواقع الردهة الرئيسية والغرف متعددة الاستخدامات ومكاتب الخدمات التقنية ومكاتب الإدارة لتتصل بشكلٍ مباشرٍ أكثر مع موزع الحركة ومنتزه المكتبة. مع مراعاة إبقاء واجهة المبنى ومدخله وردهة الاستقبال فيه كمساحاتٍ تحافظ على التواصل بين داخل المكتبة والطبيعة خارجها.

ولابد من ذكر عكس بناء المكتبة للعلم الذي يحويه بأن استفاد من كل التقنيات المتاحة ليكون بناءً مستداماً تعمّ بنيته أخشاب الأرز التي تعكس تاريخ حضارة كندا، وبتصميمٍ منفتحٍ وإطلالاتٍ على الطبيعة، بالإضافة لدمج أنظمة التسخين الحراري في البنية. وبهذا يكون قد استفاد من الغابة وأخشابها حتى أعمق تفاصيله.

إقرأ ايضًا