من منزلين إلى مكتبين!

1

للأسف يوجد هناك العديد من المباني القديمة التي لم تستثمر بعد، ربما لأن تلك المباني ليست على ذاك القدر من الأهمية التاريخي، وربما هي اعتباراتٌ أخرى تتعلق بواقع السوق، لكن في المقابل يوجد هناك بضعة مبادرات خجولة لإعادة إحياء تلك المباني، ومن أبرز تلك المبادرات مبادرة فريق جوناثان بارنز للعمارة والتصميم في ولاية أوهايو الأمريكية، حيث قام الفريق بطرح وجه آخر من الاستدامة خلال استثماره لاثنين من المنازل القديمة وتحويلهما إلى مكتبين خاصين بشركة تصميم معروفة وهي شركة Mlicki.

ولكن تجديد هذين المنزلين كان أكثر من مجرد مبادرة على طريق الاستدامة، لقد كان محاولة لربط الحي السكني المجاور من جهة مع المنطقة التجارية العمرانية في الجهة الأخرى، وبالتالي كان لابد من الحفاظ على طابع كلٍ منهما على حدٍ سواء، والإكتفاء بطرح شكلٍ جديد من الأشكال السكنية القائمة، كما وجاءت عملية التجديد هذه لتستجيب ورغبة المالك، وهو صاحب الشركة نفسه، بالحفاظ على العلاقة بين العلامة التجارية خاصته وبين الكتل التاريخية، وبالتالي توطيد الأواصر بين تلك العلامة ومبنى المكاتب الجديد.

راعى فريق جوناثان بارنز ارتباط الكتلتين بصرياً ووظيفياً، حيث يلتقي المنزلان في ردهة دخول وفراغ كروي في الوسط، كما وقام فريق العمل برفع الأسطح جمولونية الشكل لزيادة ضوء النهار وتفعيل دور الكتلة، أما ذاك الفراغ الكروي، فهو عبارة عن فتحة دائرية تكشف عن كتلة كلا المنزلين الداخلية بوحيٍ من أعمال الفنان كلارك جوردون، رائد الفن التصويري في الفترة الواقعة بين الستينيات والسبعينيات.

حيث اشتهر جوردون فيما مضى بقدرته على التلاعب بالكتل القائمة، فقد رأى في المباني أكثر من مجرد كتل صامتة، إنها بنظره منحوتات نابضة بالحياة، باختصار لقد نجح رائد الفن التصويري بإعادة قولبة العلاقة بين المبنى ومكوناته، ويظهر ذلك جلياً -عدا عن الفتحة الكروية- بالنظر إلى الكسوة الخارجية، حيث تم الإبقاء على النوافذ القديمة، ولكن مع بعض التعديلات.

إذ نراها تتسع تارة وترتبط فيما بينها تارة أخرى، وغالباً ما بين الطوابق، مشكلةً بذلك ما يشبه الرسومات على الواجهات، وبذلك تكشف الكتلة الطابقية مرة أخرى عما يجري في الداخل والفضل لتوغل تلك النوافذ في جسد الكسوة الخارجية… لمسة فنية أخرى تأخذنا بالذاكرة إلى أعمال المصور الفرنسي جورج روسو، حيث ستشعر للوهلة الأولى، عند التواجد في الداخل، بأن هناك مساحات جديدة مفتوحة ومتصلة فيما بينها تظهر بشكلٍ غير متوقع.

ولكن هذه الحيلة المعمارية لا أساس لها على أرض الواقع إنها براعة فريق جوناثان بارنز فقط واختياره الذكي للألوان تجعلك تظن بأن هناك مساحات متسلسلة فيما بينها… تتسع تارة وتندمج تارة في المساحة الداخلية، وهنا نصل إلى قضية الإضاءة، التي استطاعت بعض الأحيان أن تتفوق على قضية الاستدامة.

فقد اختار فريق العمل رصف سقفٍ مزجج من البولي كربونات أعلى المنزلين، وذلك لغمر المساحة الداخلية بالضوء الطبيعي، حيث يقوم هذا السقف بترشيح وعكس الضوء من خلال فتحات إلى ورشات العمل المجاورة، وكما يصل الضوء إلى عمق المساحة، يمكن لطاقم العمل في الشركة الوصول ولكن عبر الدرج أو الجسر المركزي، الذي يصل المنزلين مع بعضهما البعض.

وهنا لا يسعنا سوى الوقوف وتأمل الجدران المفتوحة ما بين المنزلين، حيث سمح ذلك الإجراء بتوفير بيئة عمل أكثر تعاوناً “وراء الكواليس” مع الزبائن، وظهور مساحات جديدة تحت الأسقف المسطحة تقوم عدا عن توسعة المكاتب بالربط ما بين الجملونات القائمة.

وقبيل المغادرة، نتركك مع كسوة المبنى الخارجية التي تم إكساؤها بطبقة من الإسمنت الرمادي الداكن ومجموعة من الأسطح الفولاذية وذلك للحفاظ على استمرارية الألوان في الكتلة القديمة.

إقرأ ايضًا