اكتساب الفن أبعاداً جديدةً في متحفٍ أمريكي

0

داخل متحف كارولاينا الشمالية للفنون، يمتلك ضوء النهار وخضرة الحقول المحيطة حضوراً قوياً ليس له مثيل في صالات العرض المؤسساتية للفنون. وفي هذا الموقع المنير بلطف، مقابل الجدران البيضاء النقية، يأخذ الفن -بما فيه منحوتة المعماري والرسام الإيطالي جيوتو الرائعة- أبعاداً وقوةً مضاعفة، كل هذا بفضل التصميم الرائع الذي قدّمه المعماري توماس فايفر.

ففي الأعلى، تعمل مئات الفتحات الإهليليجية بالتوازي مع القناطر على غمر المساحات الداخلية من المتحف بضوء نهارٍ مستوٍ كامل الطيف، تم تعديله من قبل الطبقات التي تعمل على تنقية الأشعة الضارة.

وبابتعاده عن الأنماط التسلسلية التقليدية، يعتبر المتحف، في بعض جوانبه، غرفةً مفردةً بمساحة 65,000 قدم مربع. ضمن هذه المساحة المتصلة، يوجد تسلسلٌ من الأسطح الجدارية يأتي العديد منها قائمٌ بذاته من دون الوصول إلى السقف، لتحدد أبعاد صالات العرض المنفصلة. وبدلاً من الغرف المطوقة بالكامل، تمتلك كل صالة عرض زاويةً واحدةً مفتوحةً على الأقل، للدعوة إلى الحركة المتدفقة بحرية.

بنفس نوعية التحرر، يأتي تصميم المتحف غير مرتبٍ زمنياً أيضاً، فهو لا يحدد أي طريق أو تسلسل محدد. وإنما يشجع طابع صالات العرض زوارها بشكلٍ ضمنيٍّ على التجول من عصر النهضة إلى العصر الكلاسيكي إلى صالة Rodin Court إلى الرسم الأوروبي واليهودي، ومن الفن المصري إلى الأمريكي المعاصر، مما يدعو إلى الارتباطات البصرية غير المتوقعة والقفزات التصورية.

كما يطوف رواد المتحف بحريةٍ من صالات العرض الداخلية إلى ساحات النحت الخارجية أو الحدائق وبالعكس. ولأن الدخول إلى المتحف لا يتطلب أية أجور، يمكن الاستغناء عن نقاط التفتيش الرسمية، لتجاوز أية حاجة إلى قاعةٍ أماميةٍ كبيرةٍ أو أكشاك للإشراف، لصالح المداخل أو المخارج المتعددة غير الرسمية ظاهرياً.

بالتوازي مع الحدود والحدائق والساحات، التي يكون بعضها مزوداً بمسابح عاكسة، تبرز في الداخل الصيغة المستطيلة النقية للمبنى. فبينما تشق هذه العناصر طريقها عبر الكتلة الرئيسية، تفسح الكسوة البيضاء في الداخل المجال أمام الزجاج الممتد من الأرضية إلى السقف، بتنظيمها من قطعةٍ زجاجٍ مصهورٍ مخططةٍ بطريقةٍ جميلةٍ ومشكَّلةٍ بطبقاتٍ، بالإضافة إلى الستائر ذات اللون الحليبي والتي يكون بعضها شفافاً تماماً، بينما يأتي بعضها الآخر عديم الشفافية.

أما وظيفة الألواح الزجاجية الكبرى، فهي تؤدي إلى فتح خطوط رؤية طويلة عبر المساحات الداخلية، محوِّلةً الحدائق الحميمية إلى مساحةٍ طبيعيةٍ أكبر وأكثر برية، على مساحة الأرض المحيطة بمقدار 164 فدان. وعلى عكس النوافذ التي تقدم مناظر هائلة والمناظر القوية الغامرة، يخلق هذا التوسط في النطاق سلسلةً متتاليةً قويةً، تتمثل في الإنعاش البصري لموازنة قوة وكثافة الفن.

بما أنها ملموسةٌ وحقيقيةٌ نوعاً ما، تصبح الإدخالات الفراغية التي تقدم لمحاتٍ من المياه والصخر الطحلبي والأعشاب والمنحوتات الخارجية، تصبح أساسيةً وجوهريةً بالنسبة إلى تجربة صالة العرض.

وبالعودة إلى الخارج مجدداً، تستمر كسوة المبنى في الحوار مع المساحة الطبيعية، بوصفها حاجزاً مَطَرياً من ألواح الألمنيوم المؤكسدة الرمادية باهتة اللون. حيث تلتقط هذه الألواح المنظمة على شكل ألواح متداخلة أو ثنيات عمودية كبيرة الألوان والحركة المحيطة.

الجميل في الأمر أنه إذا ما نظرنا إليها من نقطة رؤيةٍ جيدةٍ لا شفافة، تلتقط الأشرطة الواقعة تحت الفولاذ الصلب المشطب بالمرايا والتي تضع الألواح في زاويةٍ مع الواجهة، تلتقط الانعكاسات المومضة والمجزأة غير المتوقعة.

في مثل هذه اللحظات، تبدو المساحة الطبيعية وكأنها تمرر الضوء مباشرةً عبر هذه الجدران الصلبة، ولكن فقط لتعود وتظهر ثانيةً في الداخل، فتتحول بطريقةٍ ماهرةٍ إلى نقيضٍ منير للعمل الفني.

إقرأ ايضًا