شرنقة إسمنتية تمتد على ثمانية طوابق في مركز داروين للعلوم!

2

انتهى فريق العمل الدنماركي من شركة C. F. Møller من المرحلة الثانية من مركز داروين، والذي يعد امتداداً لمتحف التاريخ الطبيعي في لندن، وإن أهم جزءٍ من التوسعة هي الشرنقة الإسمنتية من ثمانية طوابق داخل الردهة الزجاجية.

إذ يعتبر متحف التاريخ الطبيعي واحداً من أهم النقاط البارزة في المملكة المتحدة إلى جانب كونه من أهم مراكز البحوث العلمية الرائدة في العالم بأسره، وقد تم تصميم المرحلتين الأوليتين من مركز داروين على نحوٍ يعكس هذا الدور المزدوج، فمن خلال التصميم المبتكر والطموح، يكشف المركز للعامة وللمرة الأولى عن مجموعةٍ رائعة ومتنوعة يضمها المتحف إلى جانب آخر البحوث العلمية التي يقوم بدعمها.

وعن الموضوع يخبرنا Neil Greenwood مدير متحف التاريخ الطبيعي في مركز داروين قائلاً “الكثير من الناس يعشق متحف التاريخ الطبيعي ويُعزا ذلك لمبنى Waterhouse الفكتوري المميز، ولقد أردنا من خلال مركز داروين أن نتحدى هذه النظرة التقليدية ونسلط الضوء على أعمال علمائنا وأهمية مجموعاتنا، ولكن في نفس الوقت، إنه إضافةٌ ملهمة حقيقية على متحف التاريخ الطبيعي تم الكشف عنها في الخامس عشر من أيلول العام 2009.”

فقد أراد معماريو C. F. Møller أن تكمل المرحلة الثانية من مركز داروين الجهة الغربية من متحف التاريخ الطبيعي إلى جانب توحيد بناء Waterhouse الطيني الفريد الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1880، مع المرحلة الأولى من مركز داروين التي بدأت العام 2002.

ومثل بقية أجزاء المتحف التاريخ الطبيعي، فإن المرحلة الجديدة من مركز داروين، تلعب ثلاثة أدوارٍ هامة، والتي تتلخص بالحفاظ على الملايين من العينات في مجموعات المتحف، وتوفير مرافق البحوث للعلماء، وأخيراً تأمين الأماكن العامة للزوار، حيث تعتبر هذه الاستخدامات الثلاثة أساسية في تصميم مرحلتي مركز داروين.

وتتخذ المرحلة الثانية من المركز شكل شرنقةٍ إسمنتية كبيرة من ثمانية طوابق محاطة بردهة زجاجية، أشبه ما تكون بشرنقة دودة القز، ولكنها هنا كبيرة كفاية لتشكل عنصر الوقاية الداخلي للمرحلة الثانية من المركز، ولذلك يستحيل -تبعاً لحجمها الهائل- النظر إليها بالكامل من زاويةٍ واحدة، مما يعطي للزوار لمحة سريعة عن حجم المجموعات التي تضمها.

حيث يمكننا تصنيف المساحات التي تضم هذه المجموعات على أنها مساحاتٌ ذات مقاييس عالمية، تبعاً لقدرتها على تنظيم درجة الحرارة والرطوبة، وكذلك الفصل بين مساحات العمل والتخزين بغرض التقليل من خطر تفشي الحشرات وضمان حماية المجموعات والحفاظ عليها لسنواتٍ عديدة قادمة.

أما وبالحديث عن ممرات الوصول إلى الجوهر العلمي من المرحلة الثانية من المركز، فإنها على هيئة طرقٍ تمتد إلى أعلى وعبر أرجاء الشرنقة، وتشرف هذه الطرق على المساحات العلمية والمساحات التي تضم المجموعات، الأمر الذي يقوم بتسليط الضوء على أنشطة المركز الأخرى والتي تتلخص بالحماية والحفظ والبحث، حيث يحظى الزوار بتجربة المركز باعتباره مساحةً تعلمٍ تفاعلية ومقنعة، إلى جانب مراقبة الأنشطة العلمية وأنشطة البحث العلمي على أرض الواقع.

وعنه تنضم إلينا Anna Maria Indrio وهي الشريكة في C. F. Møller قائلةً “إن شركة C. F. Møller فخورةٌ جداً باستلامها مهمة تصميم إطار المجموعة الفريدة من النباتات والحشرات في متحف التاريخ الطبيعي، إذ تكشف الشرنقة الحريرية الكبيرة مدعومةً بالردهة الزجاجية عن كنزٍ رائعٍ وثمين، كما ويعبر حجم الشرنقة الهائل ومساحتها المتناسبة مع المحيط عن الأهمية البالغة للمجموعات، إذ يجب استخدام الأشكال المميزة واللافتة فقط في هكذا حالة، حيث تكون العلاقة بين المبنى وأدائه بديهية بشكل كامل.”

تكمل Indrio “لقد استطاع المبنى الجديد أن يغير علاقة متحف التاريخ الطبيعي مع الموقع بشكلٍ كامل، بدلاً من الاكتفاء بالانطواء على نفسه، ولذلك تمت مطالبة المرحلة الثانية من مركز داروين بإيجاد الحل لهذه المشكلة، ولكن الشرنقة فاجأت الجميع وأصبحت نقطة جذبٍ رئيسية وعلامةً بحد ذاتها لمركز داروين.”

وبالعودة إلى الوراء قليلاً والحديث عن المرحلة الأولى، فقد استلم مهمة التصميم آنذاك شركة HOK المعمارية المعروفة، في حين ضمت هذه المرحلة 22 مليون عينة حيوانية تم حفظها في عبواتٍ كحولية ومختبرات رائعة تستوعب حتى مئة عالمٍ.

من جهةٍ أخرى فإن المساحات العامة في المرحلة الأولى من مركز داروين تقوم بتسليط الضوء على حجم وتنوع هذه المجموعة، حيث بإمكان الزوار تفحص ومراقبة المجموعات المخزنة من خلال شاشةٍ زجاجية، في حين يكون بمقدورهم الاستمتاع بالردهة من ستة طوابق بالأحجام الهائلة للمواد المحفوظة هناك، والتي تم إرفاقها بإضاءة من الأرض وحتى السقف بغرض رؤية العينات عن قرب.

بالنسبة للمجموعات نفسها، يتم حفظها ضمن شروط التخزين المثلى، إذ يسهم تعديل درجة حرارة غرف التخزين والتي تصل إلى 13 درجة مئوية، بالتقليل من مخاطر الحريق بشكلٍ ملحوظ، أما من ناحية الفصل بين مساحات المجموعات ومساحات العمل إلى جانب وضع أنظمة الخدمة خارج المبنى، فإنه يضمن تخفيف عدد الممرات غير الضرورية إلى المجموعات.

وبالانتقال للحديث عن المرحلة الثانية بالأرقام هذه المرة: فقد كلفت المرحلة الثانية من مركز داروين 78 مليون يورو، في حين استغرق بناء القاعدة حوالي 25 شهراً من قبل 280 شخصاً.

أما الشرنقة الفريدة من ثمانية طوابق فيبلغ طولها 60 م وعرضها 12 م، بينما تبلغ سماكتها 300 مم وتبلغ مساحتها 3,500 م2، وبذلك استحقت هذه الشرنقة لقب أكبر كتلة إسمنتية مقوسة في أوروبا.

من جهة أخرى يبلغ عدد العينات التي تضمها الشرنقة 17 مليون حشرة وثلاثة ملايين نبتة، تم رصدها في خزائن تمتد على 3,3 كيلو متر، وتمتد هذه الخزائن من متحف التاريخ الطبيعي في جنوب Kensington وحتى كاتدرائية ويست مينستر. وبالاستفادة من سماكة الشرنقة التي تقارب 30 سم، يتم الحفاظ على حرارة ثابتة هي 17 درجة مئوية ونسبة رطوبة تصل إلى 45 درجة في المائة، وتعتبر هذه النسب مثالية للتخزين.

بشكلٍ عام تستهدف المرحلة الثانية مساحة تبلغ 16,000 م2، والتي تستوعب حتى 220 موظفاً وزائر علم.

أخيراً تم رصد 1,040 م2 للمختبرات، إلى جانب مضاعفة حجم مساحات المختبر الحالية في متحف التاريخ الطبيعي، والذي يستقبل يومياً حوالي 2,500 شخص من الراغبين بإجراء رحلة استكشافية ذاتية عبر أماكن البحث العلمي و المجموعات. وقبل الختام لا يسعنا سوى الإشادة بنتاج فريق العمل في CF Møller إضافةً إلى الشراكة الناجحة مع شركة BAM للبناء المحدودة، والتي أسفرت عن أحد أهم المراكز في العالم التي تُعنى بتكريم العلم والبحث العلمي، والحق يقال بأنه لو شاءت الأقدار وعاد داروين إلى الحياة، لكان في غاية الرضى عن إطلاق اسمه على المركز الفريد من نوعه في عالم العمارة الواسع.

إقرأ ايضًا