من عبء تاريخي إلى محطة للفعاليات الثقافية

7

إننا نعيش في زمن أصبح فيه رمي الأشياء والتخلص منها أسهل من إصلاحها والتكيف معها أو إعطائها قيمةً, ولكن ومن جهةٍ أخرى، تمتلك جميع العناصر والأبنية المحيطة تاريخها الخاص, الذي من الضروي أن يتم اكتشافه أو إعادة اكتشافه؛ ويعتبر مبنى دييغو بورتاليس في سانتياغو مثالاً نموذجياً على هذه الفكرة، إذ تمثل عملية تجديده واكتشاف ماضيه وتاريخه السحيق تحدياً قائماً بحد ذاته، وفرصةً استثنائية في نفس الوقت، تستهدف تحويل ما كان يوماً عبئاً تاريخياً, وبناءً عليه، لم ترضَ شركة كريستيان فيرنانديز وشركة لاتيرال المعمارية ضياع هذا المبنى نتيجةً لرغبات سياسية قصيرة النظر، أو على أقل تقدير، إعادة تجديده وفقاً لموجات العمارة الحديثة الرائجة في هذه الأيام، والتي تحول كل المباني لمجموعةٍ من الألواح البيضاء المرصوفة.

السياق التاريخي: لا يشبه هذا المبنى غيره من الأبنية فقد كان له دوراً رئيساً في تاريخ تشيلي الحديث في سانتياغو, والذي تميز بتقسيمات سياسية واجتماعية, حيث تم بناء هذا المبنى ليكون عبارة عن تحفةٍ فنيةٍ تمثل رمزاً للإنسان الجديد خلال حكومة سلفادور أليندي.

بعد الإنقلاب الذي اندلع عام 1973 احتضن المبنى نظام الجنرال بينوشيه الذي مثّل آنذاك “السلطة المطلقة”, وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية مرت أربع حكومات على رأس المبنى إلى جانب وزارة الدفاع، الأمر الذي جعل المبنى مكاناً غير مرغوب به من قِبل الأغلبية بسبب تاريخه “ثنائي اللأقطاب”.

من الجدير بالذكر أن المبنى الأصلي قد تم تصميمه في وقتٍ قياسي, حيث نفّذ المعماريون استراتيجيةً خاصة تمثلت في تصميم غطاءٍ كبير من النسب الهائلة لتحتضن برنامج المبنى. ليكون ومنذ البداية التأثير العمراني للمبنى عميقاً للغاية, فقد تم إدخال مبنىً ضخم بنسبٍ أفقية تتوضع على رصيف المشاة للشارع الرئيس في المدينة، في حين تتربع من الناحية الأخرى منطقة سكنية.

ولكن في حرائق الخامس من آذار عام 2006 الحاصلة في المنطقة الشرقية من المبنى دُمرت القاعة الضخمة بالكامل, لذلك قررت حكومة تشيلي خلق مستقبلٍ لهذا المبنى طارحةً مسابقةً معمارية دولية، تقدم إليها حوالي الـ 55 مقترح، ليكون التصميم الرابح هو تصميم شركة كريستيان فيرنانديز وشركة لاتيرال المعمارية.

المساحات العمرانية المقترحة: تحاكي مقاربة المصممين البيئة المحيطة مقدمةً علاقةً جديدة مع البيئات المحيطة المهملة سابقاً, فقد قرر المعماريون التركيز على أربع مفاهيم أساسية وهي: الانفتاح على المدينة وعلاقاتها العمرانية عبر منصةٍ كبيرةٍ مزودةٍ بكتل انسيابية تتربع أسفلها، وخلق مساحة عامة جديدة، وفتح المبنى على المجتمع من خلال دمج برامج مجتمعية فيه، وأخيراً ضمان شرعية المشروع من خلال تحقيق دمجٍ قدر الإمكان من عدة عوامل اجتماعية في بهدف تشكيل نقطة علام جديدة للمدينة.

الإنفتاح والشفافية: بما أن أي مبنى مخصص للثقافة والفنون عليه أن يتمتع بمستوياتٍ متنوعة من الشفافية، وعليه يربط ويشارك مستخدميه ليس فقط بشكلٍ مباشر مع بعضهم البعض، لكن أيضاً بالمجتمع ككل, اختار المعماريون تصميماً يزود الانفتاح للمساحات العامة والشفافية للمساحات الداخلية, في حين تبدو القاعات المخصصة للعروض الفنية والموسيقية والرقص والمسرح للعامة كصناديق أو كحاويات تم تخصيصها لهذا الغرض.

إقرأ ايضًا