مدرسة في إسبانيا تخضع لعمليةٍ جراحية خطيرة

23

بغض النظر عن بعض المبادرات الخجولة لكسر النمط التقليدي من ألوان الطلاء وإدخال الألوان الزاهية قد تبدو فكرة طلاء مشروعٍ كاملٍ باللون الأخضر غير مألوفةٍ وحتى مرعبة إلى حدٍ ما عند سماعها للوهلة الأولى، إلا أن المعماري الإسباني جوليو بارينو لم يأبه لمثل هذه المخاوف، وقام بإضافة مبنى جديد على مدرسة أزاهار في مدينة كاديز الإسبانية مع طلاء المساحات الداخلية فيه باللون الأخضر، فضلاً عن إقحام مجموعةٍ من النوافذ بأحجامٍ مختلفةٍ في الجدران والأسقف.

حيث ارتأت إدارة المدرسة رفد مبنى المدرسة الحالي بمبنىً جديد وربط المبنيين بواسطة سلسلة من الممرات المتشابكة، وقد استجاب فريق العمل بقيادة المعماري جوليو بارينو لطلب المدرسة وكانت النتيجة هذا الملحق الذي بين أيدينا، والذي يضم مكتباً وغرفةً للموظفين وغرفةً أخرى خدمية إلى جانب مطعمٍ ودوراتٍ للمياه ومساحةٍ مظللة خارجية خاصة بأيام المطر.

وبالحديث عن مبنى مدرسة الأطفال الحالي، فقد كان يحتل وسط الموقع والذي كان في ذلك الوقت على شكل حرف U حيث يشكل الجزء المقعر منه مدخل المدرسة الرئيسي من جهة الشارع، بينما يحتل المسافة الواقعة بين الجانب المحدب وبقية حدود الموقع ملعباً للأطفال، وكما هي حال بقية المدارس التقليدية آنذاك تم رصف الصفوف الدراسية حول الفناء بأسلوبٍ يفتقر إلى تقنيات البناء الحديثة ويقتصر على تلك التقليدية البالية.

أما اليوم فقد ذهبت جميعها إلى غير رجعة على يد معماريي جوليو بارينو الذين قاموا باستبدال الجدران الهيكلية السميكة المصنوعة من الحجارة والتي كانت تقوم بتدعيم كتلة السقف الخشبي الخفيفة بأخرى فولاذية، كما واستطاع التصميم الجديد أن يستوعب المكاتب والغرف التي شددت إدراة المدرسة على وجودها، وذلك من خلال تطويرها في الطابق الأرضي.

لقد كان الحل الوحيد هنا الاستفادة من الفناء الواقع إلى الخلف من كتلة المدرسة والذي أثر شكله وأبعاده بشكلٍ سلبي على سير العمل، ليظهر التصميم العام في النهاية على شكل عناصر مطوقة أو كتلٍ إنشائية متتابعة من البداية إلى النهاية بالاستفادة من المساحة المتوفرة تتميز بجودةٍ معمارية من شأنها إنعاش التصميم بأكمله.

كما وتكشف التوسعة الجديدة عن ممرٍ جديد أشبه بالتحويلة يبدأ من المدخل الرئيسي ليربط التصميم الجديد بالكامل ليصل بعدئذٍ إلى الممر الثاني، فقد كان لابد من إقحام هذا العنصر المعماري الجديد ليضخ الحياة في جسد الملحق والمساهمة في التوزيع ما بين أجزائه، ولكن كان على فريق العمل إجراء بعض التعديلات قبيل استقبال الضيف الجديد، وأهمها تخصيص الجزء المركزي من المبنى ليشغل غرفة التدفئة بالإضافة إلى تنظيم المدخل النهائي من ساحة المدرسة الأمامية وجعل الممر يقود إلى المدخل مرة أخرى على شكل حلقة وذلك بالاستفادة من “الممر الثاني” كما أُطلق عليه.

على الرغم من جمالية التصميم برز هنالك عائقٌ رئيسٌ فيما يتعلق بتكيف الناس مع هذا الشكل الجديد عند الانتهاء منه، لذا كان قرار التصميم غاية في الأهمية، وقد اقترح فريق العمل الاستثنائي خطةً عبقرية تقضي ببناء الملحق باعتباره كتلةً مركبة على نقيض الكتل التقليدية، ليكشف هذا المبنى عن كتلةٍ فولاذية مكسوة بمجموعة من الألواح المعدنية المطلية بالمينا في الخارج فضلاً عن صفائح جصية مسبقة الصنع في الداخل، حيث لا يخفى على أحد سهولة نقل هذه المواد الأمر الذي يسرع من سير العمل، بما أن تجميع أجزاء المبنى في الموقع يستغرق وقتاً أطول مقارنةً في تجميعه في المصانع.

وللمقارنة ما بين الخارج والداخل من الملحق الجديد فقد تم تصميم الخارج على نحوٍ غاية في الوضوح الذي لا يخلى من التعقيد، في الوقت الذي تم تصميم الداخل ليقود الطلاب عبر مختلف التجارب حالما تطأ أقدامهم الصغار داخل المدرسة، حيث نلاحظ هنا تلاعباً في الأرضية والسقف فضلاً عن إقحام النوافذ والإضاءة على نحوٍ بارع ناهيك عن الجدران الخضراء الجذابة والتي جعلت الممر الجديد تجربةً معمارية فريدة.

لقد كانت عمارة المبنى في الماضي مليئة بالهفوات والمشاكل مما دفع فريق العمل هنا إلى تحسينها باستخدام العمارة نفسها… وبكلماتٍ أخرى كان لابد من تحضير الجسد المعماري القائم، أي مبنى المدرسة، قبل زرع العضو المعماري الجديد أي الملحق مع التركيز على التفاعل ما بين العنصرين “معمارياً” وعدم الاتكال على تفاعل الأفراد.

كما وقد كان لابد من دراسة السياق العام وأهدافه قبل كل شيء خوفاً من ألا يجد العضو الملحق قبولاً في المحيط الجديد فيما لو تناولنا تقنيات البناء المختلفة التي أضفت عليه تميزاً واضحاً، ولكن فريق جوليو بارينو استطاع مواجهة هذه التحديات جميعها ورفدنا بمثالٍ حي حيث تتعاون العمارة وتقنياتها لإنقاذ المريض من الموت؛ ونقصد هنا مبنى المدرسة القديم، ولا يعني ذلك “تحنيطه” أبداً كما يجري حالياً باستخدام آلات غريبة وغير قابلة للتحويل ولكنها مفيدة ومحفزة.

ويحضرنا هنا تشبيه المعماري الإسباني مانويل غاوسا من شركة Actar، الذي رأى المشروع أشبه بعمليات زرع الأعضاء التي يخضع لها البشر عادةً عند حاجتهم لها.

إقرأ ايضًا