تصميمٌ يُخرِج منطقةً سكنيةً من الأنقاض في هولندا

1

بما أن إكمال مشروع De Eekenhof Enschede قادرٌ على التفاخر بمبنى استثنائي جديد، تعتبر هذه الكتلة الجديدة تصريحاً معمارياً ملفتاً للنظر من جوانب عديدة. أولاً بفضل موقعها البارز في قلب مقاطعة Roombeek السكنية الجديدة التي نهضت من أنقاض المنطقة المدمَّرة بسبب كارثة الألعاب النارية التي حلت بها عام 2000 (والتي ربحت جائزة “الهرم الذهبي” للتميز عام 2007 في الفئة المعمارية). كما يمكن إرجاع طابعها الفريد إلى موقعها الخاص عند تقاطع العديد من الطرقات الهامة وطرقات المشاة وخطوط الرؤية. يحمل توقيع هذا المشروع شركة Claus en Kaan المعمارية في أمستردام في هولندا، بواجهته المدرَّجة المتميزة.

يتموضع المبنى عند نقطة التقاء محورين عامين يقطعان المنطقة وهما Roomweg و Lonnekerspoorlaan. فعند الاقتراب منه من جهة مركز المدينة سيراً على الأقدام، ينتصب في خط رؤية منطقة Museumlaan المخصصة للمشاة، والتي تشكل جزءاً من “المحور الثقافي” الجديد المطور من قبل البلدية المحلية. وفوق كل هذا، يُظهِر المبنى إحساساً قوياً بالحضور تبعاً لشكله النحتي المتميز.

حيث ينتج التكلف المعبر للمشروع، الذي يُساء تفسيره من قبل البعض على أنه تابع للمذهب التعبيري، عن مزيجٍ من ثلاثة عوامل هي الحركة والنمو والنشاط. فيتموضع المجمع السكني المبني من القرميد والمؤلف من ثلاثة أقسام مميزة، على قطعة أرضٍ مثلثة الشكل. حيث يحد الجانبين الأطول كلاً من محاور Roomweg و Schurinksweg، فتواجه هذه الأخيرة متجر Balengebouw التاريخي الذي تم بناؤه في الخمسينيات من القرن العشرين لصالح معمل De Bamshoeve للقطن، والذي سيضم أخيراً متحف Jan Cremer.

أما مبنى De Eekenhof نفسه، فهو يتألف من مبنى رئيسي ومبنيين آخرين أصغر حجماً، يتموضعان بطريقةٍ تحافظ على شجرة البلوط القديمة على أرض الموقع. كما أن هناك العديد من الفوائد لتقسيم المشروع إلى ثلاثة أقسام. أولها ضمان بقاء الباحة الداخلية مرئية من الشوارع المحيطة. حيث سيتم تخصيص جزء من هذه الباحة للمركز الصحي على الطابق الأرضي، بينما يبقى الجزء المتبقي منها مفتوحاً على العامة.

لكن ليست هذه الفائدة الوحيدة، وإنما هناك أيضاً فائدة منع الكتلة من غمر المنازل الأصغر مقابل الجانب الأقصر من الموقع مثلثي الشكل. بينما توضح الواجهة “المدرَّجة” للمبنى الرئيسي على الجانب، مثل النموذج القرميدي العمودي الغامق على المستوى لأرضي، كيفية تصميم مبنى De Eekenhof في اعتناقٍ لمحيطه واحترامٍ كاملٍ للسكان المقيمين في المنازل المجاورة.

إذ تعطي هذه الواجهة المدرَّجة، إلى جانب الشرفات الطويلة الممتدة على جوانب المبنى الرئيسي، التصميم سمةً أخرى من سماته الهامة، ألا وهي النشاط. فعند الاقتراب منها من جهة الشرق، على امتداد محاور Roomweg أو Schurinksweg، يساهم تأثير السلم في جعل المبنى يبدو وكأنه يتقدم ببطءٍ، ولكن بثبات، باتجاه قمةٍ متشكلةٍ بشكلٍ واضحٍ ومتناغمٍ من الشرفة البارزة على الطابق العلوي، وهي السمة التي تم توجهيها عمداً نحو مركز الجوار المعاد خلقه.

هنا يحدث المزيد من التأكيد على إحساس الحركة وتوجيهه من خلال الشرفات الممتدة على كل من الجانبين الأطول للمبنى. ولأنه يبدو مهيباً عند النظر إليه من الأمام، على الرغم من أنه يبدو متواضعاً من الخلف، يمكن وصف هذا المبنى بأنه كتلةٌ ذات وجهين مختلفين تماماً. حيث يذكِّر الشكل المتميز بكلٍّ من الجبال والموج، على الرغم من أن نشاط الأخير هو الذي يقدم المقارنة الأفضل.

لكن هذا لا ينفي حقيقة كون المنزل عبارة عن حركة مركَّبة ومسيطر عليها ومصلَّبة بدقة، كما أن النموذج الإيقاعي للجدران الخارجية وخطوطها الأفقية المشدد عليها بواسطة قطع السيراميك، إلى جانب “الضيق” بين الطابقين السابع والثامن والشرفة البارزة في قمته، تساهم جميعها في خلق طابع موجة على حافة الانكسار.

ولكن هذه الخاصية النشاطية لا تقتصر على التركيب الخارجي لمبنى De Eekenhof، وإنما تنعكس أيضاً في جوانب أخرى من التصميم.

هذا ويمكن القول أن علاقة التصميم مع التاريخ المعماري هي أكثر إيجابيةً من كونها سلبية، فمنذ النظرة الأولى، يبدو أنها تمتلك الكثير من الشبه مع مدرسة أمستردام المعروفة، بشرفاتها القرميدية المستديرة البارزة المبنية من قبل Michiel de Klerk على طريق Vrijheidslaan في أمستردام.

على أية حال، وعلى عكس الكثير من العمارة التقليدية الجديدة، لم يتم تضمين هذه الإشارات من الرغبة بإسعاد العامة أو الحصول على إعجابهم، وإنما هي مجرد حالة تقليد كسول. فقد تم بناء قرار دمج هذه العناصر على تحليلٍ دقيق. حيث تم تضمين إشارات الأساليب الفنية بسبب أهميتها التصويرية في صنع الأيقونات، وخاصةً في فعاليتها المثبتة في إضافة حركةٍ رمزيةٍ، وبالتالي نشاطٍ معماري إلى المبنى.

ولكن هذه العناصر تمتلك القدرة أيضاً على التواصل مع محيطها المباشر، ليس فقط لأن هذا الصرح يوجه حركة المرور على امتداد محور Roomweg، ولكن لأنه يتفاعل مباشرة مع المباني المجاورة أيضاً. بمعنى آخر، إنه النتيجة الواضحة لفكرة نشيطةٍ ومتوجهةٍ للخارج.

يمتد نفس مفهوم النشاط إلى المساحات الداخلية بطريقةٍ طبيعيةٍ تماماً. فباستمراره من المدخل الرئيسي، يتعرج ممرٌ عبر المصعد وأعلى السلم إلى ردهةٍ مركزيةٍ على الطابق الأول. بينما في الأعلى، تنفتح مساحةٌ متدفقةٌ باتجاه الأعلى نحو الطابق التاسع. فتنتهي هذه المساحة التي تضيق عند كل طابق، في ملقفٍ يقدم الإنارة الجزئية نحو الأسفل إلى الفراغ.

وهنا يتم تعزيز الأثر البصري من خلال التجصيص الأبيض للدرابزينات وتطبيق شرائح أخشاب البلوط العمودية على الجدران. ومع تعبيرها عن الحركة باتجاه الأعلى في نفس الوقت، على كلٍّ من المستويين الحرفي والمجازي، تُعتبَر هذه مساحةٌ يجب اختبارها ببساطة بغض النظر عن أي استخدامٍ أو فائدةٍ حقيقيةٍ لها.

بالمجمل، يعد مبنى De Eekenhof مثالاً على التصميم المتناسق والذكي المشتق من العناصر الهامة الثلاثة المشار إليها في الأعلى، وهي الحركة والنمو والنشاط. بالإضافة إلى هذا، يطبق التصميم هذه العناصر بطريقةٍ متوافقةٍ تماماً مع الرؤية المهيمنة المنجزة بنجاح لإعادة بناء مقاطعة Roombeek، بالاعتماد على مفهوم التطور العمراني المبتكر من قبل المعماري الدنماركي Pi de Bruijn.

هذا ولا يعتبر مبنى De Eekenhof مبنى هاماً ومميزاً بفضل قوة سماته المتأصلة، وإنما من المقرر أن يصبح علامةً بارزةً تعيد إلى الذاكرة الماضي الأليم للمنطقة مع الإعلان عن تبشيرها بالنجاح في المستقبل.

إقرأ ايضًا