المبنى الصامت…

0

هدوءٌ مخيف يعم المكان على غير عادة…

وحده من قاد منكم سيارته على الطريق السريع المرتفع متجهاً نحو مطار هانيدا، يعلم عمّ نتحدث، إنها إحدى أكثر المناطق ازدحاماً في طوكيو التي أصابها شيءٌ غريب فحلّ عليها هدوءٌ مفاجئ.

يقال أن فريق تاكاشي ياماغوتشي قد قام بتصميم مبنىً مكتبي على جانب الطريق السريع هناك، ولكن ما علاقة المبنى بكل هذه السكينة؟ وهل بمقدور مبنىً ما أن يطوق منطقةً بأسرها بكل هذا الصمت؟

لقد نجح هذا المبنى الصامت -كما أُطلق عليه- وهو مقرٌ لإحدى الشركات الخاصة بتصنيع الحلوى بأن يستوعب الأجواء المحمومة لهذه المنطقة ناهيك عن شروط البناء القاسية بشكله البسيط وعمارته الأنيقة، فقد ارتأى فريق تاكاشي ياماغوتشي بأن شكل المستطيل هو الأنسب لهذه المهمة، حيث تم تقسيم كتلة المبنى المستطيلة إلى قسمين وذلك بإحداث شقٍ في المنتصف، سمح بدخول الهواء والضوء الطبيعي إلى المكاتب الداخلية… بما أن مبنانا هذا بلا نوافذ مطلة على الخارج!

أما ولمراعاة قوانين البناء الصارمة، نلاحظ بأن ارتفاع السقف في الطوابق العليا، هو أعلى في الجهة الغربية منه في الجهة الشرقية، وبغض النظر عن الناحية الوظيفية، ساهم ذلك بإعطاء المكان بعض التعقيد، حيث تم تخصيص الجانب الغربي للموقع كمواقف للسيارات وتسليم البضائع، في حين تم زرع بعض الأشجار على جانب الطريق إضافة إلى بعض المناطق المحيطة.

في المقابل لم يغفل التصميم عن متطلبات العميل من مخازن للحلوى ومحلات بيع بالجملة ومرافق خاصة بالتسليم عند الضرورة، لذا تم تقسيم الطابق الأول بين مستودعٍ ومساحة عملٍ للموظفين، بينما تم تخصيص الطابق الثاني إلى مستودعٍ إضافي، لتتنحى المكاتب إلى الطابقين الثالث والأخير.

كما وراعى فريق العمل استخدام المكاتب في الطابق الأول في الأعمال الكتابية، لذا نجده مشرقاً دوناً عن غيره، فعلى سبيل المثال نلاحظ بأن الطابق الثالث ويدعى “مكتب الحاضنة”، حيث تقوم الشركة بمساعدة وتشجيع الشركات الواعدة من الشباب، ليس مساحةً نموذجية كما الطابق الأول؛ ولكنه يحظى بمساحاتٍ غنية يجتمع فيها العمال مع بعضهم البعض ليتشاطروا الأفكار الإبداعية الخلاقة.

هنا تجدر بنا الإشارة إلى أن زرع الهدوء في المنطقة المزدحمة لم يكن أبرز ما جاء به فريق تاكاشي ياماغوتشي، فقد استطاع هذا الفريق المبدع خلق مساحةٍ متتابعة بطريقةٍ مفككة، إذ نلاحظ وجود ممرٍ مستقيم يقودنا من ردهة الدخول حتى الدرج الخارجي الذي يؤدي إلى شرفة الطابق الثالث، حيث تقع الغرف المكتبية وغرفة الضيوف، وبهذه الطريقة يتم الحفاظ على التواصل بين موظفي الشركة.

كما وقام برصف أرضية الشرفة بشبكةٍ معدنية، للحفاظ على نظافة المكاتب وخاصةً أيام المطر، ليقوم بعدها وبأسلوبٍ ملفت للنظر بتقسيم الردهة في الطابق الأول عند الحاجة إلى جزئين، حيث تختلف مساحة كل جزء عن الآخر، فأحياناً تكون غرفاً هادئة للاجتماعات، وأحياناً أخرى تكون عبارةً عن ردهة دخول كبيرة.

ومن المرونة الواضحة في الردهة ننتقل إلى مفهوم الإضاءة الخفية إلى حدٍ ما، فقد تم اعتماد التركيبات الضوئية المخفية هنا وهناك، ليس فقط لتحقيق العزل، ولكن للحفاظ على صورة المبنى الهادئة، حيث اعتقد فريق تاكاشي ياماغوتشي بأن الأضواء الخافتة تخفف من ضغط العمل الذي يتعرض له العمال والموظفين، وبالتالي فإنها تساهم في زيادة الإنتاج، وهكذا وعلى الرغم من اجتماع عددٍ كبير من الأشخاص في هذا المبنى استطاع أن يمتص -وبغض النظر عن ازدحام الموقع- الضجيج الذي يصدر عادةً عن مثل هذه المباني المكتبية.

إقرأ ايضًا