كولوسيوم الأطفال في هونغ كونغ

2

يُقال أن العلم في الصغر كالنقش على الحجر، ولكن من منا لم يقاوم نداءات والديه الصارمة للنهوض من السرير والانطلاق إلى المدرسة؟ من منا لم يفضّل ذاك الشعور الدافئ بين وسائد السرير ولِحفه؟

شخصياً عانيت كثيراً من هذا الموضوع، لكني لا أتوقع بأن أطفال هونغ كونغ سيعانون ما مررت به، فبعد رؤيتهم لمركز ستارلايت للتعليم هناك، لابد وأنهم سيقفزون من أسرّتهم كل صباح، وسيتدافعون للدخول والاستمتاع بتجربة التعلم والاستكشاف داخل هذه المؤسسة التعليمية المميزة.

فقد حاول فريق The XSS المعماري من خلال تصميم مركز النجوم للتعلم في هونغ كونغ، التأكيد على أهمية خلق بيئة تعليمية محفزة للأطفال، حيث كانت النية تأمين مساحة للتدريب المسرحي في بيئة مريحة وممتعة لأطفال هونغ كونغ بين عمر سنتين وست سنوات.

أما من أجل تطويع المساحة القائمة لتتناسب مع متطلبات التصميم، فقد قام فريق XSS بتطبيق قواعد التخطيط المستخدمة في تخطيط في مدينة روما القديمة، حيث تم استراق العناصر الدائرية التي كانت شائعة آنذاك للربط بين الصفوف الدراسية والاستوديوهات في جناحي المركز.

في المقابل واجه الفريق مشكلة تتعلق بقطر المساحة، حيث يبلغ قطر المساحة متراً واحداً في نقطة الوسط، وهي مشكلة تعتبر تحدياً لمعظم المصممين، ولكنه استطاع تحويل العقبات إلى معجزات، الأمر الذي جعل من هذه المشكلة تتحول استراتيجياً إلى نقطة محورية في مركز التعلم هذا.

وبات المركز، مثله مثل مدرج الكولوسيوم الشهير، مدرجاً خاص بالأطفال، حيث يمثلون ويعزفون، أما المنطقة المقابلة فقد خدمت بمثابة قاعة متعددة الوظائف يمكن أن تتحول تارة إلى قاعة مرنة للعب وتارة إلى منصة تفاعل بين الوالدين والطفل أو حتى منطقة انتظار خاصة بالوالدين، ومن الملفت بأن هاتين المنطقتين مرتبطتان فيما بينهما بسلسلة من الأشكال الدائرية.

فمن المعروف بأن الدائرة هي لغة الطفل الأم، فقد ورد عن كتاب علم نفس الأطفال Kellogg and O’Dell الذي صدر في عام 1976، بأن رسم الدوائر جزء لا يتجزأ من عملية النضج، حيث توفر الأشكال المستديرة الشعور بالأمن والأمان للأطفال، وتبدأ في الظهور عموماً في مرحلة فنية مبكرة عند الأطفال.

وباستخدامه الدائرة، فإن مركز التعلم يوفر للأطفال الرؤية الذاتية والوعي الذاتي، حيث نلاحظ غلبة الأشكال الدائرية على تصميم كافة العناصر الإنشائية من رفوف جدراية وأبواب، بل أكثر من ذلك لقد تمت طباعة الدوائر بألوان مختلفة على الجدران وعلى الأرضيات، إيماناً من فريق The XSS بقدرة الألوان، بغض النظر عن الأشكال الدائرية، على تحفيز أذهنة الأطفال.

وقد ساهم هذا الإجراء من جهة أخرى بخلق البهجة أينما حلت في مركز التعلم، ولكن دونما إفراط، كي لا ينسى الطفل بأنه في بيئة تعليمية في النهاية، فالغاية التحفيز وليس التشتيت، مما استدعى الحذر والدقة من فريق The XSS عند تطبيق الألوان.

كما وتم تطويع هذه الألوان في مجموعة من اللوحات الفنية، تطغى عليها المشاهد الخضراء الطبيعية التي تغذي شغف الأطفال وتغمرهم بالسعادة، حيث نلاحظ غلبة الأشجار على كافة هذه اللوحات، فهي المأوى للصغار، وفي حال كنت قادماً من المدخل الرئيس إلى وسط المركز، فلابد أن تلاحظ هناك عموداً مميزاً تم إكساؤه بصور لجذع شجرة كبير، في الوقت الذي تمت فيه تغطية الأرضية هنالك، بألواح من الخشب الطبيعي.

أما عندما تصل إلى الجناح الشمالي، فسوف تندهش بكيفية تغطية الخزانة كاملة الارتفاع بورق مزين برسومات الأشجار وطيور البومة، في الوقت الذي تجلب فيه النوافذ المرصوفة على جانب واحد هاهنا، عدا عن الضوء الطبيعي، المناظر الطبيعية الخضراء، الأمر الذي يعزز الانسجام بين البيئة الطبيعية المصورة في الداخل وتلك الواقعية في الخارج، مما يوفر بيئة تعليمية مريحة للأطفال. وليس هذا وحسب، فقد تم تنفيذ الممر الرئيس في الجناح الجنوبي الذي يربط بين الاستوديو وبين مشكال كبير على نحو متعرج، تتلاعب فيه الانعكاسات الصادرة عن مرايا المشكال الملونة، لتخلق انعكاساً “لا ينتهي” لجميع تلك الصور والأجواء.

وأخيراً نلاحظ تأكيد فريق The XSS على تصميم المدينة العمراني، وذلك من خلال النظر إلى الأرقام الملونة على الواجهة الداخلية وغيرها من ناطحات السحاب الكرتونية، التي تم إقحامها في محاولة لدمج قواعد التخطيط المستخدمة في مدينة روما القديمة، مع زخارف الحديقة المركزية في نيويورك.

إقرأ ايضًا