مقر الأمم المتحدة بأنامل مشاهير العمارة

6

لدى وصول الدبلوماسيين القادمين من مختلف أنحاء العالم هذا الأسبوع إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العمومية السنوي، سيصادفون مشهداً غريباً: سقالةٌ معلقةٌ متدليةٌ من الأجزاء الخارجية للمباني. فبعد سنواتٍ من التحضير المكثف، يخضع حرم الأمم المتحدة الممتد على 17 فدان لمشروعه التجديدي الرئيسي الأول منذ أن تم تنصيبه على امتداد “نهر إيست” في منهاتن في أميريكا بعد فترةٍ قصيرةٍ من الحرب العالمية الثانية.

إلا أن هذا المشروع لن ينتهي بكلفةٍ بسيطةٍ، وإنما بمبلغ 1,87 مليار دولار، على أن يتم تقاسم هذا المبلغ على الدول الأعضاء الـ192 في مجلس الأمم المتحدة.

ولكن عند إكماله في عام 2015، ربما سيبدو المجمَّع المؤلف من خمسة كتل أكثر حداثةً مما كان عليه منذ عقودٍ مضت عندما أشرف على تصميمه فريق التصميم المؤلف من 11 عضو، بمن فيهم المعماريين المشاهير لوكوربوزيه أوسكار نيمير ووالس هاريسن.

سيبدو مبنى السكرتارية الشهير -الذي أبدعته أيادي كلاً من كوربو ونيمير- مختلفاً بشكلٍ خاص. حيث يقول المعماري John Gering من معهد المعماريين الأمريكي AIA والشريك الإداري في شركة HLW International في نيويورك المسؤولة عن النصيب الأكبر من المشروع الذي بدأ عام 2005: علينا أن نعيد المبنى إلى حالته المهيبة السابقة من جديد.

من الجدير ذكره هنا أنه ومع حلول هذا الصيف، انتقل أفراد طاقم العمل المؤلف من 5,000 فرد والذين عملوا على البرج والمباني المنخفضة المتصلة إلى بناء مجموعةٍ من المباني الشاهقة في الجوار. حيث ستكون المكاتب الموجودة في هذه المباني التي تم تصميمها لتكون شبيهةً بمرافق الأمم المتحدة، مقراً لطاقم العمل لسنتين على الأقل.

في هذه الأثناء، انتقل مسؤولو الأمم المتحدة رفيعو المستوى، بمن فيهم الأمين العام، إلى مكاتب موجودة في مبنى مؤقت على أرض الموقع. في حين تم افتتاح المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق على مساحة 230,000 قدم مربع من تصميم HLW، على المرج الشمالي للمجمَّع في شهر كانون الثاني، لتضم جدرانه المعدنية المضلعة أكثر من اثني عشرة غرفة اجتماع.

تحسين الرمز:

بينما سيتم تحسين مبنَيَي الاجتماع والسكرتارية، المكتملين عام 1952، سيتلقى البرج عملية تحويل باطنية شاملة، خصوصاً بسبب مادة الحرير الصخري (الاسبست) التي تم إيجادها في آجر الأرضية وحول أنابيب المياه.

بالإضافة إلى هذا، يهدف المشروع إلى إعطاء الطوابق العليا من مبنى السكرتارية تصاميم أكثر انفتاحاً وإشراقاً، حيث سيتم رفع الأسقف بواسطة النوافذ، بينما ستتم إزالة الجدران اللاإنشائية الداخلية على كلٍّ من طوابق المبنى الأربعين.

في الواقع، سيتناقص عدد المكاتب المنفصلة (2,300) إلى 500 مكتب فقط، مما يؤدي إلى خلق مساحاتٍ أكبر وأكثر مرونة يمكن أن تستضيف بسهولة الاجتماعات الآنيَّة المؤقتة، على حد تعبير المعماري Michael Adlerstein من AIA، والسكرتير المساعد في الأمم المتحدة الذي يعمل على مراقبة المشروع.

كما ستحل النوافذ ذات الألواح الزجاجية المضاعفة مكان النوافذ المفردة الطبقات في مبنى السكرتارية من أجل تطوير فعالية الطاقة. بهذه الطريقة، ستفقد النوافذ لونها الأخضر المتميز الناتج عن الطبقة المضافة على مر السنين بهدف تخفيف الوهج، كما صرح المعماري Bob Heintges من FAIA من شركة R.A. Heintges & Associates –شركة العمارة في نيويورك المسؤولة عن استبدال النوافذ.

بينما ستكون شركة الهندسة والبناء -مجموعة Syska Hennessy في نيويورك- مسؤولة عن تجديد الأنظمة الآلية للمبنى.

لهذه الغاية، سيتم إخضاع كلّ من مبنيي السكرتارية والاجتماع إلى قوانين المدينة، بينما يضيفان المرشّات ومنحدرات المعاقين، إلى جانب حواجز الحريق داخل آلة جمع الرسائل في المباني المرتفعة.

على الرغم من أنه ليس مطلوباً من الأمم المتحدة أن تخضع لهذه القوانين، لأنها تستقر تقنياً على أرضٍ غريبة، إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أصرّ على هذه القوانين، وخصوصاً تلك التي تتعلق بمعايير الطاقة.

الحفاظ على التفاصيل الأصلية:

بينما سيتم تحديث حرم الأمم المتحدة بشكلٍ ملحوظٍ، يهدف التجديد أيضاً إلى الحفاظ على كثير من مظهره العائد إلى عصر إيزنهاور. ففي بعض الشؤون، سيجعل المشروع مجمَّع الأمم المتحدة أقرب إلى مظهره الأصلي.

إذ سيتم الحفاظ على أغطية أثاث الجلد الصناعي Naugahyde وطاولات الفورمايكا، فضلاً عن أن إشاراتٍ ذات محارف خاصة بزمن المعماري Richard Neutra -الفييني الأصل الأمريكي الجنسية- تمت إزالتها منذ عقود مضت، سيتم استبدالها بنسخٍ طبق الأصل.

بالإضافة إلى هذا، سيتم ترميم الكثير من الأعمال الفنية الممنوحة من الدول الأعضاء خارج الموقع وإعادتها لتزيين مداخل مبنيي الاجتماع والسكرتارية.

كما سيتم المزج بين قليلٍ من العناصر القديمة الأثرية والأخرى الجديدة، حيث سيتم تحويل صحون السجائر المركبة على طاولات الاجتماع إلى أجهزةٍ الكترونيةٍ، لتتحول نسخٌ مشابهةٌ من ألواح مفاتيح تشغيل المصاعد إلى أوانٍ للزهور.

وفي تعليقٍ لطيف، يقول Adlerstein: كانت الأمم المتحدة مهتمة بواجباتها كثيراً، والكثير من الأموال التي حصلت عليها كانت تنفقها على الطعام وحفظ السلام والأمراض، أما الآن فيجتمع أعضاؤها لإصلاح مقرهم الخاص.

ترميم القاعة الرئيسية:

لن تبدأ المرحلة الثانية من المشروع والتي ستركز على مبنى الجمعية العمومية (1952) المنحدر السقف حتى عام 2013، عندما ستشرف شركة Einhorn Yaffee Prescott للعمارة على مشروعٍ تجديدي لترميم الجدران الخشبية للحُجرة الشاهقة وإضافة أنظمة سمعية وبصرية جديدة. كما سيضع هذا المشروع مسألة إصلاح القبة الصغيرة للسقف على قائمة أولوياته، لأن حوافها النحاسية المتشققة غالباً ما ترشَح.

وسيعود مندوبو الأمم المتحدة الذين يجتمعون عادةً في الجمعية العمومية إلى الاستقرار في مبنى مؤقت، حيث سيتم دمج غرفتي اجتماع متجاورتين لاستيعاب الكتلة الكاملة المحتوية على 1,000 مقعد.

من ناحيةٍ أخرى، يصر Stephen Schlesinger-مؤلف كتاب Act of Creation عام 2003 حول ولادة مؤسسة الأمم المتحدة- على أن تحسين مجمع الأمم المتحدة الذي يبلغ عدد أعضائه ثلاثة أضعاف ما كان عليه لدى افتتاحه، هو استثمارٌ عملي، إلا أنه أيضاً إشارةٌ رمزية. ولكنه أمرٌ يبعث على التفاؤل، لأنه يعبر عن الطريقة التي سيتم فيها قيادة العالم وتشكيله على مدى العقود القادمة.

هذا وسيتم تصميم غرفة مجلس الأمن في الأمم المتحدة من قبل المعماري النرويجي Arnstein Arneberg.

مع هذا المشروع التجديدي الضخم، لن يكون مجلس الأمم المتحدة رمزاً عادياً للسياسة، وإنما سيتحول إلى رمزٍ قويٍّ لمختلف أساليب العمارة والبناء نابعة من أفكار أهم وأشهر المعماريين حول العالم.

إقرأ ايضًا