هل يُصلح “المعمار” ما أفسده الزمن؟

5

قد توافقونني الرأي إن قلت بأن ما هو معاصرٌ ومستقبليٌّ الآن، قطعاً لن يبقى معاصراً ومستقبلياً بعد فترةٍ معينةٍ من الزمن، فعلى سبيل المثال اعتُبر تصميم المحطة المركزية لسكك سانتا لوسيا الحديدية السابق تصميماً “مستقبلياً” في الثلاثينيات من القرن الماضي، بتوقيع المعماري والمهندس “المستقبلي” آنذاك، أنجيلو مازوني.

لكن اليوم، وبكل تأكيد لم يعد كذلك، قد يكون عبارة عن مبنى ذي قيمة رمزية في قلب مدينة البندقية الإيطالية، إلا أنه ودون أدنى شك لم يعد مبنىً مستقبلياً على الإطلاق.

فقد بات الآن مجرد صندوقٍ كبيرٍ فارغٍ ومهمل، بواجهاتٍ بقيت على قيد الحياة بفضل مشروع إعادة التجديد الذي طاله، ليبقى دليلاً وشاهداً على الثورة الصناعية في البندقية.

إلّا أن هذا قد كان صحيحاً إلى أن وضع فريق Gruppo Fon Architetti المعماري لمسته الخاصة على المنشأة؛ فخلف هذا “الجوهر العقلاني” كان هنالك سرٌ كبير؛ وقلائلٌ هم من يعلمون بأن كل علاقةٍ هندسيةٍ في هذا التصميم مرتبطةٌ بشكلٍ أو بآخر بالنسبة الذهبية، وربما هذا ما دفع الفريق المعماري لاعتبار المبنى جوهرةً جديرةً بالتجديد.

اعتماداً على الإرث التاريخي للمنطقة، ارتأى فريق Gruppo Fon Architetti إعادة تنظيم توزيع المساحات ضمن سلسلةٍ من التقطيعات اللونية، التي لا تتشابه مع بعضها البعض على الإطلاق، بل تخط الواجهة بشرائط يعبر من خلالها الضوء الطبيعي ليخضع لتغييرات عديدة حسب أوقات النهار وفصول السنة.

فكل نافذةٍ من نوافذ المبنى قد بات لها الآن لونها الخاص، ومصدها الخاص أيضاً في مجموعة من الألوان التي لا تشير على الإطلاق إلى مرجعٍ محدد، بل تبقي ذهن المتلقي بعيداً عن المنطقية، التي تحشر نفسها دون أي مبرر في مساحة المشاعر الخاصة.

الجدير بالذكر هنا هو ما تقوم به هذه المصدات الملونة، فهي تحدث تغييرات هامة على الضوء الطبيعي والاصطناعي خلال النهار وخلال الليل، كما أنها تعكس أيضاً السياق المجاور، وتعكس نفسها أيضاً على مياه البندقية المارة في قلب المبنى حيث يطغى الهدوء السريالي، الذي لا يمكن الحصول عليه بسهولةٍ في مدينة السياح الشهيرة.

فهنا تشكّل الألوان مع الحجارة والزجاج والخشب والضوء والأشكال العضوية، تشكل جميعها نظاماً مفرداً وموحّداً خاصاً بالمشروع، فهذه المواد موجودة دائماً في المدينة؛ أي أن الألوان تنتشر في كل زاوية… والزجاج هو جزءٌ أساسيٌّ من الإرث الصناعي للبندقية.

لكن هنا بأضواء منعكسةٍ في السماء أكثر منها على الأرض، يقدم هذا المشروع المزيد من الضوء للمبنى ذاته الذي لطالما قبع تحت طغيان العتمة والظلام… وربما المزيد من “المستقبلية” لمبنى غادر هذه الخانة منذ زمنٍ طويل.

إقرأ ايضًا