اللؤلؤة السوداء

0

يبدو أن جهود استديو Rolf.fr بالتعاون مع شركة Zecc المعمارية لم تذهب أدراج الرياح، فعلى إثر تجديدهم لمبنى سكني مهجور في روتردام وتحويله إلى منزلٍ معاصر وجذاب، كرّمت شركة Lensvelt المختصة بالمفروشات الفريقين بجائزة أفضل تصميم داخلي على مستوى هولندا وبلجيكا.

كيف حصل ذلك يا تُرى؟!

أولاً تم طلاء واجهة المبنى -وهو بعمرٍ يناهز المئة عام- بالكامل باللون الأسود، لا تقطعه سوى تلك النوافذ الجديدة التي تكشف عن الملامح الداخلية المميزة في الشقق، في الوقت الذي تمت فيه تغطية الواجهات الجانبية والسقف بأعشابٍ اصطناعية لإعطاء المبنى سمةً “خضراء” نوعاً ما.

هذا بالنسبة للمظهر الخارجي بشكلٍ عام، لكن في الداخل يحتضن المبنى الآن في طابقه الأرضي ورشة عمل وحوضاً للاستحمام على السطح، الذي يحمل بدوره بيتاً زجاجياً، بينما تتسع الطوابق الداخلية لمناطق المعيشة، التي تم فرشها بأحدث الأساليب؛ كالخزائن التي تبدو وكأنها مقسومة إلى نصفين والكراسي الملتفة بالضمادات.

*السياق الاجتماعي:

يأتي هذا المشروع كجزءٍ من بادرة إعادة تجديد الأحياء الفقيرة في روتردام عبر بيع منازل خاصة لأشخاص متفرقين.

إذ تتشارك هذه المنازل بسمةٍ واحدة تجمعها؛ هي أنها قد كانت مهملة ومهجورة لفترة طويلة من الزمن، والآن هاهي تحظى بالتجديد؛ وتضم هذه المباني عادةً عدداً من الشقق السكنية… واحدة في كل طابق.

أما عن هدف البلدية من مبيع هذه المباني، فهو بالطبع جذب القاطنين بقدرة استيعابية أكبر. حيث يقف شرطٌ وحيد أمام مبيع هذه العقارات؛ وهو إعادة تجديدها وإحيائها ضمن فترة زمنية محددة تحوّلها إلى منزلٍ واحد.

طبعاً سينتج عن ذلك منازل أقل، ولكن أكبر مساحةً، وهذا ما يجعل هذا التوجه توجاً معاكساً لما يحصل في العديد من المدن الداخلية؛ حيث يتم تقسيم المنازل الكبيرة إلى عدة شقق سكنية أصغر.

إلا أن تجديد هذا المبنى قد تحوّل إلى مشهدٍ معماريٍّ غير اعتيادي سواءً من ناحية الوقت أم المساحة، حيث باتت الواجهة القديمة الآن تخفي خلفها وحدة سكنية مغلقة مطلية تماماً بالأسود؛ ابتداءً من الكتلة مروراً بالأطر وانتهاءً “بالنوافذ”، جميعها باتت مطليةً بالزيت الأسود اللماع، وهذا ما يخلق نوعاً ما “ظلاً” للواجهة الأصلية.

لكن هذا السواد ليس مستمراً بشكلٍ متواصل؛ إذ تخترقه بعض النوافذ الزجاجية الشفافة، مصرّحةً بقدوم وقتٍ جديد وطريقة عيشٍ جديدة كلياً.

وهذا تماماً ما يخلق علاقةً بين الواجهة الأصلية والفهم الجديد المقروء بوضوح، تختبئ وارءه غرفً صغيرة وطوابق مستمرة في تكاملٍ فراغيٍ شامل.

فتماماً كالخارج، يتتبع الفراغ الداخلي التخطيط الأصلي للمبنى، إذ يكشف الدرابزين القديم والفتحات الناجمة عن إزالة الدعائم الطابقية عن المخطط الأصلي القديم للمساكن.

لكن الآن بات خلف الغطاء القديم منزلٌ جديد بتوزيع داخلي مختلف تماماً، فقد ضاع التخطيط التقليدي للطوابق والجدران التي شكّلت فيما مضى غرف المبنى، وجاءت عوضاً عنها سلسلةٌ من الشرائح الخشبية الصغيرة التي تشكل مع بعضها البعض عنصراً نحتياً هائل الحجم.

والنتيجة؛ مساحة مستمرة ممتدة بين جدران المبنى التاريخي، تشكّل مساحة معيشة مرتبطة مع بعضها البعض عبر فتحات وبيوت أدراج كبيرة وخطوط بصرية طويلة، نتجت عن إزالة الدرابزينات الزائدة والأبواب الفائضة التي كانت تسبب فيما مضى مستوى كبير من الإعاقة الفراغية.

فالآن تندمج الأرضيات والجدران والأدراج والأسقف مع بعضها البعض، محولةً المنزل الذي مضى على خلوّه قرابة الثلاثين عام إلى منزل قابل للسكن مئة بالمئة، تحتل طابقه الأرضي ورشة عمل كبيرة ترتبط بـ “حديقة سقفية مكتسية بالخيزران.”

ويبقى أخيراً حوض الاستحمام السقفي طرفة التصميم، حيث يتربع في حضن سلسلةٍ من الوظائف المعيشية شبه المفتوحة؛ من معيشة وتناول طعام وطبخ ودراسة ونوم!

إقرأ ايضًا