زها حديد تنحت بتراءً عصريةً في قلب عمّان

10

كشفت شركة زها حديد المعمارية عن تصميمها الجديد لمركزٍ للفن الإستعراضي في عمان عاصمة الأردن. وقد أعلن سيادة أمين بلدية عمان عمر المعاني عن افتتاح المركز في احتفالية عمان في الثاني والعشرين من فبراير 2010 وذلك تحت اسم “دار الملك عبد الله الثاني للثقافة والفنون”، وهو مركزٌ يضم قاعةً للحفلات الموسيقية بـ1600 مقعد، ومسرحاً بـ 400 مقعد، ومركزاً ثقافياً وغرفة تدريب صوت وصالات عرض.

وتحت رعاية فخامة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين تقوم الأردن باحتضان الفنون الاستعراضية والثقافة في قلب العاصمة عمان. إذ سيكون المركز موطناً للفن بحيث يتدرب فيه الموهوبون ويتناقشون ويتعلمون ويدرسون الفن ويمارسونه. وبهذا ستكون دار الملك عبد الله الثاني للثقافة والفن مسرحاً ومعرضاً ومكاناً لعقد الحفلات الموسيقية والحفلات الراقصة والفنون الاستعراضية وحتى للتعليم. وبهذا تضيف عنصراً حيوياً للحياة الثقافية في المدينة، وتجمع كل أفراد المجتمع بشتى اهتماماتهم ليعيشوا تجربة الفن والموسيقى.

وقد استوحت المعمارية زها حديد فكرة تصميمها من جمال وعظمة وعراقة مدينة البتراء الأثرية، وتشرح ذلك بقولها: إن البتراء هي أجمل مثالٍ للتناغم والتفاعل بين العمارة والطبيعة، فضلاً عن أناقة أسلوب بنائها المعقد. فجدران الجبال الوردية اللون قد تم حفرها ثم صقلها وزخرفتها لتكشف عن أروع وأجمل الترسبات الصخرية في العالم. وهذا ما قمنا باقتباسه؛ إذ طبقنا مبادئ عمارة البتراء لزيادة وضوح المساحات الداخلية في المركز. مع التركيز على إبقاء المساحات الداخلية مكشوفةً للعامة.

وقد مُنح العقد لزها حديد إزاء فوزها في المنافسة الدولية التي عقدت عام 2008 والتي ضمت معماريين من شتى أنحاء العالم مثل Snøhetta من النروج و Atelier Christian de Portzamparc من فرنسا و Delugan Meissl من النمسا و Henning Larsens Tegnestue الدنماركي و Kerry Hill Architects من سنغافورة.

وقد أعلن أمين عمان السيد عمر المعاني بأن بلدية عمان قد وقعت العقد مع شركة زها حديد لبناء دار الملك عبد الله الثاني للثقافة والفنون.

وكما كانت البتراء واحةً خضراء وارفة الظلال وموقعاً مقدساً لأسلاف العرب، تمت صياغة مفهوم عمارة هذه الدار لتكون واحة للفن ومأوىً يقدس الثقافة المعاصرة. حيث تهدف العمارة العصرية فيها لمضاهاة الطبيعة جمالاً وبهاء ولصياغة نفسها بأناقةٍ وفخامةٍ في محيطٍ طبيعيّ.

وهكذا قامت الشركة المصممة بتطبيق كل مبادئ جمالية البتراء على البناء، إذ يمكنك استشفاف واستحضار جدران البتراء المحفورة والمصقولة والمنحوتة في هيكل دار الثقافة المحفور بعناية، والذي يدمج داخل المبنى مع خارجه بواجهاته الزجاجية الشفافة، خالقاً بذلك تناغماً وتواصلاً بين الدار والعامة ومحيطهم الطبيعي.

وأما الصالة الداخلية للدار فتمتد بين طرفيه الشمالي والجنوبي وعلى عدة طوابقٍ بطريقةٍ انسيابيةٍ بلا أية حواجزٍ أو مقاطع، مع تزجيج جدرانها بحيث تبقى مكشوفةً للخارج، عاكسةً بذلك كل الجمال الداخلي، وتستحضر بفكرتها البسيطة هذه حفر الغرف في جدران الجبال في البتراء.

إلا أن قمة الإبداع تكمن في امتداد هذه الصالة الضخمة حتى خارج المبنى، فتبدو وكأنها بساطٌ أحمرٌ يرحب بالضيوف ويدعوهم للدخول. حيث يهدف تصميمٌ مُرحبٌ كهذا لإزالة الرهبة والحواجز بين البناء رواده، وهو أمرٌ يحدث عادةً مع الأبنية الفخمة الهائلة كهذه الدار.

وفي حين خدمت فكرة النحت تصميم الردهة بهذا الإتساع وكل هذه الضخامة، فقد تم تخصيص بقية أقسام وطوابق الدار للأداء الفني. فيحتل المسرح الموسيقي الكبير طرف المبنى من الجهة المفتوحة على العامة، ويتربع المسرح الصغير على القمة من الناحية المكشوفة إلى الخارج بزجاجها الشفاف. ويحد هذان المدرجان طرفي الدار فيعطيانها شكلها المكعب في النهاية.

وهكذا يُعتبر البناء في غاية النعومة والإنسيابية على الرغم من شكله الهندسي المكعب لتظافر الجهود لإعطاءه إنحناءاتٍ سواءً في بنيته الرئيسية أو حتى في المساحات المفرغة من واجهته، وأحد العوامل الأخرى التي أعطته هذه الإنسيابية هي تصميم ردهته الكبيرة بتماوجٍ وتمايلٍ سواءً على مدى الطوابق أو في امتداده داخل وخارج الدار.

أما تجربة الحضور المسرحي بالنسبة للزائر فتبدأ بمجرد اقترابه من المبنى، إذ يجد نفسه في الساحة العامة قبالة مبنىٍ بهذه الفخامة والجمال ومزخرفٌ وكأنه العرض الفني الحقيقي أمامه. ثم ترحب به الردهة الرئيسية حتى قبل ولوجه إلى المبنى فيشعر وكأنه يُقاد إلى مدرجٍ مسرحي في قلب الوادي، فتبدأ أرض الدرهة بالإنخفاض سامحةً له بالتقدم، وما إن يصبح داخل المبنى؛ تتنوع أمامه الطرقات الانسيابية التي تأخذه للأعلى أو الأسفل وكأنها تقدمه إلى وجهته على طبقٍ من فضة. وقبل حتى أن يدخل أحد المسارح، تشعره الواجهات المزججة وكأنه يطل على العالم الخارجي في مسرحٍ أكثر واقعية وجمال.

وفي النهاية نجد تصميم المبنى قد قدم أحد أجمل أماكن الاسترخاء والاستمتاع بمنظر مدينة عمان في طابقه الثاني. إذ وفر التلاعب بطوغرافية الأرض مناظراً خلابةً لكون عمان كلها تقع في أحضان الجبال، كما تم اختيار موقع دار الثقافة والفن هذا في وادٍ خلاب، ليزيد التواصل بين الناس والصروح المعمارية الجميلة في مدينتهم، خاصةً إن كان الصرح سيقدم فناً وثقافة.

إقرأ ايضًا