كثر الحديث عن التي أهواها…

8

كثر الحديث في الاونة الاخيرة عن أزمة دبي المالية وراح المحللون في مشارق الارض ومغاربها التكلم بأبعاد الازمة وتأثيرها على المنطقة ،فجاء برج خليفة في وسط هذا الغبار ليضيْ للعالم وجه جديد لدبي يتمثل في متانة الفكر المدير لدبي ومدى صبره على الاعلام والقيل والقال.

فللنظر في هذه المقابلة المترجمة من موقع Khaleej Times Online ولنقرأ بين سطورها ما تصنع الالة الاعلامية في الغرب ضد اي شي ممكن أن يظهر الوجه العربي المتحضر حتى ولو كان في محاولته.إن الرابح الشهير لجائزة Pulitzer والذي يعمل كناقدٍ معماريٍPaul Goldberger يجد أن البرج أكبر من مجرد حكايةٍ طويلةٍ، وأن زيارته لدبي لم تكن لتحدث في وقت أفضل من هذا.

فمع اعتبار برج خليفة العالي والضخم في خلفية المشهد، نجد أن رابح جائزة Pulitzer ومؤلف العديد من الكتب بما فيها Why Architecture Matters وBuilding Up and Tearing Down: Reflections on the Age of Architecture يتحدث عن الهندسة المعمارية وعن استدامة ناطحات السحاب وبالطبع عن البرج. وبنقلنا عن موقع Khaleej Times Online لأحد المقابلات التي تمت مع هذا الناقد الكبير في الثاني والعشرين من كانون الثاني لعام 2010 طُرِح عليه العديد من الأسئلة التي سندرجها هنا بالترتيب:

س: هل هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها مدينة دبي؟  ج: نعم، إنها المرة الأولى وأنا ما زلت أكتشف الأمور الموجودة هنا.

س: وهل تعرضت لصدمة ثقافية؟ ج: في الواقع ليس الأمر كما كنت أتوقعه، فالنسبة لي كان الموضوع أشبه بصدمة ازدهارٍ أكثر منها صدمة ثقافة، لأن هناك فكرة سائدة في الولايات المتحدة تقول بأن كل شيءٍ تهدَّم تماماً في دبي، وأنه لا يوجد شيئ هنا إلا الطرقات الفارغة والمباني الشاغرة. ولهذا السبب عندما اكتشفت أن هذه الفكرة مغلوطةً، وأن الحياة ما زالت جارية بشكلٍ طبيعيٍ في المدينة مع الكثير من الازدهار فاجأني الأمر كثيراً. إلا أن الصدمة الثقافية كانت بالنسبة لي في الطريقة التي مثلت بها دبي الثقافة الغربية بالتناقض مع كيفية تمثيلها لثقافةٍ أخرىٍ، وهذا ما يمثل نسخةً مبالغ بها عن الثقافة الغربية.

س: وما هي انطباعاتك عن برج خليفة؟ج: لقد أتيت إلى هذا البلد وأنا مهيئ مسبقاً ألا أعجب به، ولكنني بدأت أغير نظرتي له، لأن البرج يملك كياسةً برقته المهيبة ، ففي الحقيقة مع أنه أطول مبنىً في العالم إلى حد ما، إلا أنه وبطرقٍ عديدةٍ مقيد أكثر من المباني الأخرى.

س: هل تعتبر ناطحات السحاب من ضمن خيارات الاستدامة؟ ج: أعتقد أن ناطحات السحاب تحقق معايير الاستدامة بطبيعتها أصلاً، فإذا أخذنا على سبيل المثال مبنىً مكتبياً مؤلفاً من 40 طابق، وتخيلنا أن كل ما بداخله موزع على المدينة، عندها سنجد أن هذه الأشياء ستتطلب طاقةً أكبر بكثيرٍ من تلك التي يحتاجها الناس للوصول ذهاباً وإياباً من وإلى ناطحة السحاب. على أية حال، تلك الفكرة تفترض أيضاً وجود نوعٍ محددٍ من البنى التحتية، لنقُل في نيويورك ولندن مثلاً، حيث يأتي الناس معظم الأوقات إلى أحد المباني المرتفعة بواسطة شركات النقل العامة. أما في دبي فإن الوضع مختلف تماما،ً حيث يتنقل معظم الناس في سياراتهم الخاصة، ولهذا نستنتج أن ناطحة السحاب تكون غالباً حلاً ناجحاً لمسألة الاستدامة.

س: ولكن هل تعتبر البرج نموذجياً بشخصيته؟ وإذا نقلت هيكل البرج ووضعته في نيويورك، هل ستدرك فوراً أن هذا النموذج قادم من دبي؟ ج: لا، أنا لا أعتقد أن هناك ما يربط البرج بالشرق الأوسط سوى الرغبة بتحقيق ارتفاعاتٍ هائلةٍ – هذه الرغبة التي كانت سائدةً في الغرب قبل أن نتخلى عنها تماماً، لأننا لا نستطيع أن نتحمل أعباءها المادية، ولأنها تعد أيضاً من بين هواجس الثقافات الحديثة المتحمسة لتطوير نفسها بنفس الطريقة التي كانت عليها الولايات المتحدة في أحد الأيام عندما ابتكرت ناطحات السحاب لأول مرة. وقتها كانت الولايات المتحدة يافعة جداً بالنسبة للعالم، وكانت ما تزال تحاول إثبات نفسها كقوةٍ عالميةٍ في القرن العشرين، ولهذا كان من الضروري جداً بالنسبة لهذا البلد أن يمتلك أطول وأكبر المباني. ومع مرور الوقت أصبح هناك اهتمام أقل بكثير بمثل هذه الأمور في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. بالإضافة إلى هذا، إن هذه المباني طويلة جداً وقد تم بناؤها أصلاً لتشكل رموزاً، مما يجعلها غير قادرة على تحقيق الفائدة الاقتصادية بالمقاييس التقليدية، حيث كان هناك دائماً عنصر الزهو- هذه الكلمة التي يمكن أن تستخدم بالطريقة التي استخدمها بها الناقد في The Guardian كشيئٍ فظيعٍ، أو يمكن استخدامها من أجل تمثيل صورة للإعلان أو حتى كهوية، كما أن هذه الكلمة تربطنا أيضاً بتلك الأشياء الأقل رأفة. ومن الملفت للنظر أن ندرك أنه إذا ما قمنا بقياس البرج فإننا لن نجده بتلك الضخامة التي نتخيلها بالقدم المربع. صحيح أنه أطول من أكثر المباني الموجودة حالياً، ولكنه لم يقترب حتى من كونه الأضخم في العالم، فهو يأخذ ارتفاع المبنى العادي ويمتد ليصبح طويلاً ورقيقاً جداً، وهو أمر تستطيع أن تفعله في المشاريع السكنية، لأن الحاجة إلى المساحة لا تكون كبيرة على عكس المكاتب، حيث يتطلب الناس مساحات هائلة من المكاتب، وبالتالي أرضيات مربعة ضخمة جداً. وهذا الأمر هو ما يجعله كائناً مختلفاً نوعاً ما عن المباني الشاهقة الارتفاع الأخرى كمبنى Petronas في كوالا لامبور والمبنى الموجود في Taipei والمبنى الآخر الذي شارف على الاكتمال في Shangai.

س: ما هي أكثر خمس مباني مفضلة لديك؟ ج: سأذكرهم بالترتيب الذي أتذكرهم به وليس بالضرورة حسب الأفضل: – كاتدرائية Chartres في باريس.- Falling water والبيت الأبيض للرائع Frank Lloyd Wright.- Unity Temple لـِ Frank Lloyd Wright أيضاً.- جامعة فيرجينيا لـِ Thomas Jefferson الذي يعد أول رئيس مهندس عندنا، ويعتبر عمله هذا أحد أجمل الأماكن المؤثرة في أمريكا، حيث تتجلى فيه الرمزية والجمال النقي بشكل رائع.- جامعة Jonas Salk في كاليفورنيا.

س: هل هناك أية حقوق طبع ونشرعلى مستوى التصميم؟ ج: لا، ليس هناك حقوق على التصميم، لأن كل منطقة تمتلك قوانين وحقوق مختلفة كالكتابة والملكية الفكرية، ولذلك أصبح من الصعب جداً أن نميز بين مسألة التأثر والنسخ المباشر.

س: وإذا كانت الحالة كذلك، هل هناك قوانين حدود عندما يتعلق الأمر بالملكية العالمية؟ ج: لو كنت أنا محامياً يمثل جدال الجانب المُساء إليه، ربما كنت سأقول أن الثقافة متضائلة، لأنها تعتمد على القيم والأفكار الفريدة للهيكل (بالتناقض مع الاستخدام الصحفي) مما يسبب انتهاك ثقافي جراء اقتراف مثل هذه التصرفات.

س: كيف بدا لك الموقف على الطابق الـ 124؟ ج: كان رائعاً جداً ولكنني لم أشعر أنني واقف على ارتفاع عالٍ جداً، كما كان المنظر مذهلاً على الرغم من أنني لم أشعر أنه كان أعلى من أي مبنى آخر زرته من قبل. والشيء المميز في هذا البرج هو أن برج المراقبة لم يظهر لي على أنه في الطابق العلوي، والأمر المرعب لم يكن النظر للأسفل وإنما النظر للأعلى والتفكير بأن هناك 40 طابق إضافي فوقي.

س: إذاً لم يكن من الممكن أن تصاب بدوار؟ ج: قليلاً فقط بسبب وجود الزجاج حول برج المراقبة المحمي بشكلٍ ممتازٍ. كما يمكنك أن تضع يديك على القضبان الحديدية مما يمنحك راحةً نفسيةً كبيرةً. 

س: قلت أنك أتيت وأنت محضر لئلا تحب البرج، فهل وجدت أي شيء لم يعجبك؟ ج: لا أعرف إن كنت أشعر بهذه الطريقة بسبب الترابط الذي سأخبركم عنه، ولكنني لم أحب حقيقة أن الكسوة أو الغلاف الخارجي للمبنى حمل شبهاً كبيراً لمشروعٍ آخر من تصميم نفس المهندس – مبنى Donald Trump الذي تم إكماله حديثاً في شيكاغو. إنه شبيه به إلى درجةٍ كبيرةٍ، ولكنه يبدو أفضل على هذا المبنى لأنه مُنِح شكلاً أكثر جاذبية. والشيء الآخر الذي لم يعجبني – وهذا الأمر يعود إلى مسائل أكثر أهمية كالتخطيط مثلاً – هو أنه أشبه ما يكون بريفٍ في ولاية، بمعنى أنك تقود داخل وخارج المداخل وتتوجه نحو أحد الفنادق أو المكاتب أو الشقق السكنية دون أن ينتابك أي إحساس مميز، تماماً كما هو الحال مع معظم الأشياء في دبي. إن أكثر ما تشعر به هو أن ناطحة سحاب جاءت من نيويورك أو لندن أو شيكاغو ووضِعَت هنا في الشارع.

س: ولكن هل كان من الممكن أن يكون معقولاً أن يوضع في موقع تقليدي باعتبار أنه طويل جداً وقاعدته كبيرة جداً؟ ج: إذا تخيلنا أن الناس الآخرين يأتون إليه بواسطة سياراتهم، سيكون خياراً صعباً لأنه سيسبب زحمة مرورٍ حوله، وهي الحقيقة الواقعة للأسف التي تسود معظم مباني المنطقة. وسيأتي جيل آخر قبل أن يتغير هذا الوضع، وأنا أفترض أنكم ستتذكرون يوماً ما أن مثل هذه المباني كانت قائمة بذاتها في المدينة. وقد امتلكت دبي خبرة بصف المباني بجانب بعضها، حيث أن العديد من المباني مثل أبراج الإمارات قائمة بمفردها، ففي دبي يبدو المبنى وكأنه قطعة فنية منحوتة على نقيض المشهد الأكثر تقليدية، حيث يكون كل شيئ ممزوجاً ببعضه نوعاً ما كما هو الحال في المدن القديمة سواء في الشرق أو الغرب.

س: عندما ترى أي مبنى أو هيكل لأول مرة، ما هي الأشياء التي تنتبه إليها بوعيٍ تام؟ ج: أنا دائماً أمتلك مشاعر واعية لدى رؤيتي لأي هيكل أو زيارتي لأي مبنى، وأدوِّن جميع الأحاسيس التي تنتابني، لأنها الأشياء التي لا يمكن تكريرها. يمكنك أن تنظر إلى بيانٍ صحفيٍ لتكتشف الأمور الأخرى، ولكن الانطباعات الذاتية هي ما تحاول أن تكتب عنه. وبالطبع إن الانطباعات الأولى لا تعوِّض عن النقد الجاد، وإنما هي أشياء أتعامل معها بجديةٍ كبيرةٍ، وفي نهاية المطاف، من المهم أن ندرك علاقة المبنى بمحيطه، بالإضافة إلى إدراك وظيفته الداخلية وكيفية الاستفادة منها من قِبَل مستخدميها.

س: ما كان انطباعك التلقائي الأول عن البرج؟ ج: لقد رأيته رقيقاً ويمتلك نوعاً من الرقي مع أنه كان تقليدياً بتصورٍ قديم الطراز، كما أنه كان يشبه أحد أبراج Frank Lloyd Wright بشكلٍ غريبٍ، وهو الأمر الذي لم يكن ليفعله Wright أبدا،ً وإنما كان طريقةً واضحةً للاستهزاء من الهوس بناطحات السحاب.

س: ما هي برأيك أقدمية ناطحة السحاب؟ ج: نحن لا نعلم بعد لأن ناطحات السحاب ما زالت تعد نوعاً جديداً من المباني، ولأنه لم يتم انهيار أي منها حتى الآن. ما نعلمه فقط هو أن العديد منها أصبح متعطلاً وأن أداءهم الميكانيكي قد استُبدِل. إن مبنى The Empire State يبدو تماماً كالسابق، إلا أنه يحتاج إلى تعديلاتٍ كبيرة من الداخل، لأن عوامل الجو (الأمطار والتعرض المستمر للحرارة والصقيع وذوبان الثلوج) يمكن أن تسبب ضرراً لهياكل المباني. والشيء الأهم الذي يعمل ضد المباني هو الماء، فعلى الرغم من أهميته للحياة، إلا أنه مضر جداً بالمباني. كما أن الأبنية التي تم إنشاؤها من القرميد والحجارة أظهرت ديمومةً أكبر، ومع أن المباني الحديثة متطورة جداً على الصعيد التقني، إلا أنها تمتلك مسائل أكثر تعقيداً عليها التعامل معها.

س: هل تعتقد أنه لا يتم التركيز على خاصية المتانة في هذه الأيام؟ ج: بالطبع، ففي هذه الأيام لا أحد يحاول إصلاح هاتفه الجوال إذا ما تعطل، وإنما يقتني واحداً جديداً، وهذا الأمر ينطبق على المباني أيضاً (مع فرق الكلفة طبعاً).

س: ماذا يمكن أن يكون أسوأ كابوس لدى أي معماري؟  ج: ربما يكون حادثة تحطم بعض المباني بفعل خطئٍ في التصميم أو طريقة البناء، والكابوس الثاني بالطبع سيكون عدم تسلِّمه لأي مشروع آخر بعد هذه الحادثة.

س: ما رأيك بما ساد مؤخراً من جدلٍ كبيرٍ حول فكرة أنه لو تم بناء مركز التجارة العالمي بطريقةٍ مختلفةٍ، لكان تأثير 9/11 سيكون مختلفاً؟ ج: نعم، إن مبنى WTC (مركز التجارة العالمي ) لم يكن يمتلك أنظمة طفايات حريق والكثير من الأشياء الأخرى التي كان يجب عليه امتلاكها. كما أن the Port Authority – وهي نظام تديره الحكومة – بنوه ولم يكن لديهم الحق بألا يتبعوا بعض المبادئ الصارمة، وهذا ما كان سيئاً جداً. على أية حال، حتى لو كان هناك هيكل مختلف، فأنا أشك أنه كان سيقلل من الأثر، وربما كان سيفعل. لا أحد يعلم ولا أن حتى أعلم ما إذا كان سيسقط المبنى بطريقةٍ مختلفةٍ أو أنه كان سيصمد قليلاً بعد. وبالنظر إلى فداحة ما حدث، فقد كان هناك فترة مفاجئة من الوقت قبل أن يتحطم المبنى، ولهذا لم يكن أداؤه سيئاً كالمتوقع، مع أنني أشك أن أي هيكل آخر كان سيترك ذلك التأثير كله.  

إقرأ ايضًا