ما قصة طبقات دبي؟

1

لم يعد هنالك متسعٌ من الوقت لإنقاذ كوكبنا، فقد نضبت مصادرنا من الطاقة تقريباً، وهاهي ظاهرة الاحتباس الحراري تتحول لتصبح المشكلة الأكثر تهديداً والتي يمكن أن تدمر الكوكب بأسره ناهيك عن انبعاثات الوقود التي فعلت فعلها في مناخنا، ولسوء الحظ فقد كان الإنسان السبب في كل تلك المشاكل، لذا عليه ودوناً عن غيره أن يتخذ زمام المبادرة ويجد حلاً من أجل مستقبلٍ أفضل للاجيال القادمة.

هذا بالضبط ما قام به كريم النبوي، الشريك المؤسس لشركة ميكانو ومقرها الإسكندرية، حيث كشف مصممنا عن مشروعٍ مبتكر يحمل اسم طبقات دبي بالتزامن مع مسابقة “مبادرة فن الأرض” أو Land Art Generator Initiative، ويتطلع المشروع بالقرب من محمية رأس الخور للحياة البرية في دبي إلى إنشاء نظامٍ للطاقة على شكل طبقات بمقدوره تسخير الموارد المتاحة فضلاً عن كونه نقطة جذبٍ للطبيعة.

فقد ارتأى النبوي مفهوم تصميمٍ فريد يعتمد بالأساس على المقولة القائلة بأنك في حال أحببت الطبيعة وشعرت بها فإنها سوف لن تخذلك أبداً، فمن وجهة نظره الخاصة وفي حال رغب الناس حل المشاكل التي ذكرناها في المقدمة ما عليهم سوى أن يحبوا الطبيعة ويدركوا مدى أهميتها للمعيشة والحياة والمستقبل.

إذ على الفن والإلهام أن ينبع من الطبيعة نفسها، ولا يخلو الأمر من بعض الإضافات الخاصة مثل توربينات الرياح والطاقة الشمسية التي تزين الشكل المعماري، ولكن الطبيعة وحدها تؤثر في الشكل وتتحكم به، فقد كانت النية هنا أن يعرف العامة الاستخدام الحقيقي للشمس والرياح والمياه والمساحات الخضراء وجعلها تبدو من منظورٍ آخر إحدى قوى الطبيعة التي من شأنها إنقاذ الكوكب وحمايته مهما كان الثمن، لنحظى في النهاية بجيلٍ منفتح يعرف ما له وما عليه.

ونأتي على مفهوم الشكل فقد جاء شكل المشروع ليشرح لنا تحول دبي والإمارات العربية المتحدة ككل من مجرد صحراء جرداء إلى واحدةٍ من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، إذ يستند مفهوم التصميم الرئيسي على طبقات دبي المتعددة وعلى فكرة التوازن ما بين الأرض والطبيعة بالاعتماد على طبقات دبي التي تشكلت من الماضي وحتى اللحظة، وهي الأرض الرملية والنباتات والسماء والشمس والرياح والمباني بالوصول إلى ناطحات السحاب.

ويتوقع النبوي أن يجذب برجي المشروع الناس من كل حدبٍ وصوب في المدينة بفضل مظهرها الغريب وارتفاعها الشاهق حيث يبلغ ارتفاع كل برج ٍمن هذه الأبراج 140 متراً، وفيما لو تساءلتم لماذا اختار مصممنا أن ينفذ برجين منفصلين… يمكننا أن نعترف لكم بأن هذا القرار كان من إحدى أهم القرارات، إذ يمكن لبرجٍ ضخم البنية أن يضر المعالم المهمة في دبي.

من جهةٍ أخرى فقد استطاعت الخطوط الفولاذية أن تلهم الناس بفعل آثارها البصرية في الليل وحركتها وانفتاحها على السماء، بينما تختلف حدة هذه الخطوط من مساحة لأخرى لتتناسب والموقع، إذ نراها مستوحاة من رمال الصحراء… وكأن البرجين قد انبثقا فجأة من الرمال على شكل صندوقين منحنيين غاية في السلاسة بدعمٍ من البحيرات إلى الوراء منه والتي ساهمت بجعله يتكيف والبيئة القائمة.

وبالانتقال إلى قضية الاستدامة فقد استفاد النبوي من توفر الموارد الطبيعية مجاناً في جميع أنحاء دبي وقام بدمجها مع مختلف التقنيات المبتكرة وبأشكال فنية جديدة لإلهام الزوار، مؤكداً بذلك على نظريته التي تحدثنا عنها منذ قليل، والتي تقول بأن الفن ينبع من العلم والقوى الطبيعية، حيث نلاحظ وقد تم تشغيل التكنولوجيا المستدامة وفقاً للاحتياجات الوظيفية للشكل والبيئة خلال السنة كلها.

ولكن “مولد فن الأرض” وهو اسم مشروعنا لليوم يحتاج الكثير من الطاقة من أجل دعم المدينة إلى جانب العديد من التقنيات المستدامة من أجل الاستفادة الكالملة من الرياح والشمس دون الاعتماد على أسلوبٍ واحد فقط لتوليد الطاقة الأمر الذي يعود بالملل على الزوار، ولذا جاءت الفكرة بدمج تقنيات الشمس مع الرياح للوصول إلى نسبة الطاقة المطلوبة من لشمس والرياح على مدار السنة.

وفي الشق العلمي يكشف المشروع عن عهدٍ جديد من المداخن الشمسية، فقد تمت الاستفادة الكاملة من الهواء الساخن والإشعاع الشمسي هناك -والفضل لقرار النبوي بتصميم برجين بدلاً من واحد- بالاعتماد على ثلاثة مبادىء شهيرة، وهي استخدام أشعة الشمس لتدفئة الهواء حيث تقوم القاعدة المصنوعة من التيتانيوم بالتقاط الحرارة.

فمنطقة الجمع هذه تعتبر الجزء الأبرز الذي ينبثق منها البرجين، على نقيض البيوت البلاستيكية التي تسهم في دخول الضوء ولكنها أبداً لا تقوم بتوليد الحرارة، ومن ثم نلاحظ بأن هذا الهواء يرتفع عبر المدخنة مشكلاً بحركته مصدراً للطاقة بمقدوره تشغيل توربينات كبيرة لتوليد الكهرباء.

كيف يعمل هذا النظام؟

يفتح السقف ألواحه الزجاجية وجوانبه باتجاه السماء وبذلك تصل أشعة الشمس إليه بسهولة وتقوم بتسخينه الأمر الذي يجعله منه مخزناً حرارياً على أعلى المستويات، ثم يتم تسخين الهواء قبل توصيله إلى الأبراج الخضراء ومن ثم يمر عبر مولدات الرياح لتوليد الكهرباء، أما في الليل فيغلق السقف ألواحه في سبيل المحافظة على درجة حرارة عالية للرياح، ومرة أخرى سوف يتحرك بسرعة باتجاه البرج ويمر عبر مولدات الرياح التي تولد الكهرباء.

وبعد أن يرتفع الهواء في كلا المدخنتين يقوم بتحريك الشفرات المنتشرة داخل وخارج المدخنة من الداخل، في المقابل سوف تتأثر هذه الشفرات المصنوعة من الكربون بكل تلك الضربات وتقوم بتوليد الكهرباء عبر حركة الالكترونات وتسهم في الوقت نفسه بضخ الحياة في جيد البرج.

أما مولدات الرياح فتقوم بقلب أجنحة للمولد المسؤولة عن تشغيل المروحة، والتي ترتبط مباشرةً مع المولد وتقوم بتوليد الكهرباء، إذ من السهل على مولدات الرياح هذه أن تندمج والشكل العام مثل العناصر الطبيعية الأخرى في الموقع، حيث تمت تغطيتها بكتلة مترية لحماية الطيور في هذه المنطقة من الهلاك بفعل الشفرات.

ونصل إلى الخلايا الضوئية فقد تم صنعها من مادة سيليكونية شبه موصلة للكهرباء مماثلة لتلك المستخدمة في رقائق الكمبيوتر، فعندما يضرب ضوء الشمس هذه المواد فإنه يصطدم بالالكترونات المتحررة من الذرات والتي تتدفق عبر المواد نفسها لإنتاج الكهرباء، حيث تم وضع الخلايا الضوئية في أعلى الكتلة على أمل التقاط نسبة أكبر من أشعة الشمس.

أما موجات الرياح فقد تم استيحاؤها من موجات المياه، وتستخدم هذه الموجات نفس التقنيات الخاصة بتوليد الطاقة من الأمواج، ولكنها هنا من الرياح التي تضرب العناصر بين البرجين الأمر الذي يجعل الأسطوانة الدائرية الداخلية تدور بسرعة وتولد الكهرباء.

في حين نلاحظ بأن النظام الكهروإجهادي ما هو إلا نظام طاقة ذاتي ومستدام تم إقحامه في المساحات الداخلية، ويعتبر هذا النظام المسؤول عن إعادة تدوير واستعمال طاقة ذبذبات الصوت التي تم جمعها خلال المرور مراتٍ كثيرة عبر الحدود كشكل من أشكال الطاقة المطروحة.

أما السقف فقد تم إكساؤه بطبقة خارجية من الزنك والتيتانيوم الخارجي، وتغطي هذه الطبقة الألواح الضوئية الشمسية فضلاً عن طبقة ثانية شفافة تسمح بدخول 50 ٪ من الضوء في حين تمنع المياه من السقوط على الارض.

لقد أراد النبوي رفد دبي ببرجٍ حر لا تحده أي قوة عدا قوة الرياح، ويظهر ذلك جلياً بالنظر إلى الشفرات التي جاءت بوحيٍ من أشكال النباتات القائمة هناك في المواقع الخضراء، والتي نراها منبثقة من الأراضي بكل حرية، وقد ساهمت هذه النباتات أيضاً برفد الزوار بمشاهد طبيعية تندمج فيها أشعة الشمس والمساحات الداخلية، أما الفتحات الخارجية بشكلها الأشبه بالثقوب الدائرية في السقف فقد ساهمت بدخول أشعة الشمس إلى المساحات وتهوية المكان.

أما الأجزاء الفولاذية فإنها تضيء السماء في الليل، بينما تدور بشكل ٍمتعاقب وبذلك سوف يكون بمقدور الزوار الاستمتاع بجولة في أرجاء الموقع كله، حيث تم رصف العديد من الطرقات في كافة أرجاء المكان، بينما نلاحظ بأن البرج يرتفع حتى 700 م بعرض 350 م على أمل التقاط أكبر مقدار من أشعة الشمس لتسخين الهواء وتوليد الكهرباء بفضل الخلايا الضوئية أعلى الكتلة.

وأخيراً تم اختيار البقعة المظللة والمواجهة للبرجين لتحتل المرآب بالإضافة إلى موقفٍ آخر في الجهة الشمالية ليغطي المنطقة بأسرها، كما ويزين المشهد العام العديد من النباتات والأشجار الصحراوية التي لا تحتاج إلى السقاية فضلاً عن الخشب والعناصر الصلبة التي تغطي الأراضي المحيطة.

فمن المتوقع أن يقوم “مولد الفن والأرض” بتوليد حوالي 120 ميغا واط وتغطية ما يصل إلى 60000 منزل.

إقرأ ايضًا