متحف قطر الوطني بوحيٍ من وردةٍ صحراوية

1

في طور المرحلة الثانية من تهيئة قطر لتكون وجهةً ثقافية وإعلامية لكافة بلدان منطقة الخليج والعالم أجمع، كشفت إدارة المتاحف القطرية QMA عن خطتها القاضية بإنشاء المتحف الوطني الجديد في قطر بتوقيع المصمم الفرنسي العالمي رابح جائزة Pritzker المعمار المميز Jean Nouvel.

حيث تكمن خطة المشروع بتجسيد تقاليد وكبرياء الشعب القطري، في حين تقوم بطرح حوارٍ شيق مع زوار المتحف تدور أحداثه حول التطور المتسارع والحداثة اللذان يجتاحان قطر في الآونة الأخيرة، حيث ستقوم جدران المتحف برواية العديد من القصص الشعبية الشفوية عن تاريخ قطر العريق على هيئة شاشات عرض ٍسينمائية، وأيضاً سوف تتوفر أجهزة يدوية نقالة لإرشاد الزوار خلال تجولهم في أرجاء المتحف والتعرف على معروضاته الثمينة.

وعلى الرغم من بنائه حول هيكلٍ تاريخي وهو قصر فريق السلطة، والذي خدم كمتحفٍ للتراث القطري منذ عام 1975، إلا أن متحف قطر الوطني الجديد بتصميمه الفريد سيكون مؤسسة حديثةً وذلك تماشياً مع طموحات وأهداف هيئة متاحف قطر.

كما يُظهر تصميم Jean Nouvel جانباً ديناميكياً وحيوياً لبرنامج المتحف الذي يعكس الهوية القطرية بوضوح، حيث يبدو وكأنه “وردةٌ صحراوية” منبثقة من الأرض لتتوحد معها، ويقع المبنى على مساحة ٍتبلغ حوالي 1,5 مليون قدم مريع على الطرف الجنوبي من كورنيش الدوحة ليكون بذلك أول معلمٍ يراه المسافرون القادمون من المطار، ويتخذ المبنى شكل حلقةٍ من الأجنحة المتشابكة والمنخفضة التي تطوّق بدورها ساحةً خارجية لتبلغ مساحتها الداخلية حوالي 430,000 قدم مربع.

كما ويوحي تنظيم المبنى لزائريه بأنه إحدى الخانات القديمة والتي كانت تمثل أمكنة مثاليةً معدّةً لراحة التجار وتبادل الأفكار والبضائع عبر الطرق الصحراوية التجارية، وبهذا يعبّر مبنى المتحف الفريد عن هوية وطنٍ دائم الصعود على سلم التطور، حيث تتكون “وردة الصحراء” والتي تُوصف بأنها مجموعةُ من البلورات المسطحة من الرمال تتشكل في الصحراء نتيجة ظروفٍ مناخية معينة، من أقراصٍ إسمنتية مائلة تخترق بعضها البعض وتتلون باللون الرملي وتحدد أرضيات وجدران وسقوف أجنحة المتحف، حيث توحي ببتلات “وردة الصحراء”.

وفي هذا الصدد صرحت سعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني ورئيسة مجلس أمناء هيئة متاحف قطر “إن متحف قطر الوطني مشروعٌ عالمي تقدمه هيئة متاحف قطر لشعبنا وللمجتمع الدولي، وعقب الافتتاح الناجح لمتحف الفن الإسلامي في عام 2008، والذي يعرض التقاليد الفنية لشعوبٍ سكنت نصف الكرة الأرضية، فإننا نتطلّع اليوم لإبراز ثقافة قطر وبيئتها المادية وغير المادية، التاريخية والمعاصرة، من خلال هذا المشروع الذي نعلن عنه بالتوازي مع احتفالنا هذه السنة بالدوحة كعاصمةٍ للثقافة العربية، ولنقترب بذلك من تحقيق رؤية هيئة متاحف قطر التي تهدف لبناء دولة متقدمة مستدامة.”

كما وانضم إلينا السيد عبد الله النجار وهو المدير التنفيذي في هيئة متاحف قطر ليخبرنا أكثر عن المشروع الضخم قائلاً “بالنظر إلى موقع هذا المتحف والذي ينشأ من القصر التاريخي والذي كان بدوره أقدم متحف في قطر، فإنه يقدم لنا تجربةً لا مثيل لها في القرن الحادي عشر تلخص لنا ثقافة وتراث ومستقبل قطر وشعبها، ونحن في هيئة متاحف قطر قد أخذنا على عاتقنا مهمة الحفاظ على القصر الأصلي القديم بأمانة وإدراجه ضمن المبنى الجديد، فنحن نحترم هذا المعلم من ماضينا العريق، ونأمل بأن يحقق رؤيا متجددة من خلال التصميم الفريد للمعماري Jean Nouvel.”

أما السيدة Peggy Loar مديرة متحف قطر الوطني “في هذه المؤسسة الجديدة المميزة سيتاح للقطريين اكتشاف المزيد عن أسلافهم وجذورهم في المنطقة، والتعرف على كيفية تشكل وتطور المدن القديمة واحتكاكها بالثقافة التاريخية والمادية الممثلة في معروضات المتحف، أما بالنسبة للزوار الأجانب فسيخرجون وقد فهموا عمق حياة الناس في منطقة الخليج العربي وبالأخص عن تاريخ الشعب القطري، وقاموا باستيعاب المبادرات الجارية حالياً للتقدم بالتعليم وتطوير كل جانب من جوانب الثقافة وإتباع برامج الاستدامة، ونحن محظوظون جداً بأننا تمكننا من تحقيق أهداف المتحف بالاستعانة بالرؤية الرائعة للمصمم Jean Nouvel، فقد جمع في تصميمه الاستثنائي بين فن العمارة المعاصرة وصور الصحراء التي لا نهاية لها.”

وتعليقاً على تصميمه الفريد لمتحف قطر الوطني، صرّح المصمم نفسه “إن هذا المتحف عبارة عن خانٍ عصري، فمن هنا يستطيع المرء أن يترك الصحراء وراءه ويعود بذكرياتٍ ثمينة تبقى محفورة ًبذهنه، ليصبح متحف قطر الوطني صوتاً للثقافة ينقل رسالةً عن الحداثة والتحوّل والجمال وما يحدث عندما تلتقي الصحراء مع البحر.”

وبالحديث عن تفاصيل المبنى، فإن متحف قطر الوطني الجديد وعلى مساحة 86,000 قدم مربع، سيضم صالاتٍ للعرض الدائمة ، وحوالي 21,500 قدم مربع مخصصة لصالات العرض المؤقتة وقاعة استماع تستوعب 220 مقعداً، واستوديو مخصص لتناول الطعام ومشاهدة التلفاز تتسع لسبعين شخصاً ومقهيين ومطعم ومتجراً لشراء الهدايا التذكارية.

كما وتتوفر مرافقٌ منفصلة خاصة بمجموعات المدارس والضيوف البارزين، بالإضافة إلى مرافقٍ خاصة بطاقم العمل من الموظفين، حيث تتضمن هذه المرافق مركزاً للأبحاث التراثية ومختبرات للترميم، إلى جانب المكاتب وأماكن لتجهيز وتخزين المعروضات، كما وسوف يُحاط المتحف بحديقةٍ مميزة تبلغ مساحتها حوالي 1,2 مليون قدم مربع، والتي تم تصميمها بوحيٍ من أراضي الصحراء القطرية.

وبالعودة إلى الأقراص الإسمنتية المتشابكة التي تؤلّف المبنى والتي تم استيحاؤها من زهرة الصحراء، فإنها تظهر منتصبةً أكثر في إحدى الأماكن وتخدم كدعائمٍ للمبنى، بينما تكون مسطحة بشكلٍ أفقي أحياناً أخرى، كما أنها تكون إما منحنية أو مستقيمة في مواضع أخرى، وقد تم صنع هياكل هذه الأقراص من الفولاذ ومن ثم تم تركيبها باستخدام نظام التوزيع الشبكي، حيث تم إكساؤها بواسطة ألواح إسمنتية مدعمة وألياف زجاجية، بينما تم إخفاء العواميد داخل الأقراص العمودية التي تقوم بحمل ثقل الأقراص الأفقية وتثبيتها مع الأرض.

أما الواجهات الزجاجية فإنها تملأ الفراغات بين الأقراص، حيث تم تثبيت العوارض المحيطة مع السقف والأرضية والجدران بهدف إضفاء شكلٍ خالٍ من أي تأطير للواجهات الزجاجية عند النظر إليها من الخارج، كما وتقوم الأقراص العميقة بترشيح أشعة الشمس الداخلة لتخلق أجواءً أجمل وأكثر تفرداً.

وكما الخارج، فإن داخل المتحف يتألف من مجموعة من الأقراص المتشابكة، في حين تم طلي الأرضية الإسمنتية باللون الرملي، أما لإكساء جدران الأقراص العمودية فقد تمت الاستعانة بكسوة من نوع stuc-pierre، وهي كسوة مصنوعة من الجص التقليدي واللصوق الكلسي تم تشكيلها لتشبه الحجر في النهاية.

وتقوم مناطق المصدات الحرارية بتخفيض البرودة، بينما تقوم الأجزاء العميقة المتدلية من الأقراص بدفق البرودة، كما تعمل على تظليل المنتزهات الخارجية وتحمي في الوقت نفسه الداخل من الضوء والحرارة، وهكذا يُعتبر الفولاذ والاسمنت إحدى أهم المواد الرئيسية المستخدمة في تنفيذ المبنى والتي تم تصنيعها محلياً.

أما أراضي المتحف الخضراء فتغلب عليها النباتات المحلية والتي قلما تحتاج للسقاية، حيث تقوم كافة العوامل المستدامة والتي سبق ذكرها بمساعدة المتحف على إحراز شهادة USGBC LEED الفضية التي يطمح لنيلها.

وفي النهاية فقد تم تصميم حدائق المتحف مع مراعاة طقس قطر الصحراوي، إلى جانب الاستعانة بالأعشاب والنبتات الصحراوية مثل أشجار النخيل والرمان والأعشاب العطرية وشجرة السدرة التي تعتبر الشجرة الوطنية في قطر، كما وتقوم الأراضي الخضراء للمتحف بتشكيل كثبان رملية وحدائق معمارية متدرجة بهدف خلق مساحات يستطيع أن يجلس فيها زوار المعرض الفريد إلى جانب مساحاتٍ سيتم تخصيصها للمحاضرات الخارجية.

إقرأ ايضًا