إكتشاف قصر

0

حققت الفترة الإموية، رغم قصرها الزمني، الذي لم يتجاوز القرن من الزمان (661-750)، إنجازات هامة ورائدة في سجل منتج العمارة العالمية، وفي سجل المنتج الثقافي العالمي ايضاً. انها حقبة تأسيسية، من هنا، أهميتها ورائديتها في الوقت ذاته. نعرف، على سبيل المثال، بان جوهرة العمارة الاسلامية (والعالمية.. ايضاً)، وهي “قبة الصخرة” (692 م.) في القدس، تم تشييدها إبان تلك الفترة. نعرف ايضاً، إن جوهرة آخرى للعمارة الاسلامية، (وبالطبع.. للعالمية)، ونعني بها الجامع الاموي (705-715) بدمشق، وهو ذاته “مسجد الوليد”، تم تنفيذه ايضا في تلك الحقبة الزمنية. وهل يتعين التذكير، بان جامع الكوفة (670) وجامع واسط ( 702-705) وكلاهما بالعراق، والاعمال التجديدية لجامع عمرو بن العاص (710) بالقاهرة، وفي المسجد الاقصى ( 706) بالقدس، وغيرها من الانجازات التصميمية التى كرست عمارة المسجد الجامع في المشهد المعماري، ومنحته هيئته المميزة التى اتخذت من شكله الناجز، نموذجا يحتذى لتكوينات مساجد جامعة أُنشئت لاحقا، في طول البلاد الاسىلامية وعرضها، للاستدلال على أهمية المنتج المعماري المجترح في ذلك العصر؟.

لكن ما تم انشاؤه في حقل المباني المدنية، والمتمظهرة في مباني “القصور الإموية” (أو “القصور الصحراوية”، كما تدعى ايضاً)، يعد، بحق، أحدى الممارسات المميزة والاستثنائية بإهميتها في العمارة العالمية، لما تمثله من رائدية، ومن قيمة تصميمية فريدة. وهذه المنشاءآت السكنية المنتشرة في مناطق مختلفة من بادية الشام: في أراضي سوريا وفي لبنان والاردن وفلسطين الحالية، هي ، في الواقع، كثيرة العدد (يقدر بعض الباحثيين ان عددها قد يصل الى ثمانين قصراً، ويرجح بعضهم الى عدد اكبر، نظراً لإن قسماً منها لا يزال غير مكتشف لحين الوقت الحاضر). كما إنها منشاءآت بحجوم وابعاد مختلفة، منها الكبير والواسع، كقصر المشتى (743-744) الذي يبلغ طول جدرانه بـحوالي 144× 144مترا، والصغير المتواضع في ابعاده وفضاءآته كـ “قصيرعمرة” (712-715)، الذي لا تتجاوز ابعاده عن 14× 20 مترا بضمنها ابنية الحمامات. ويدور جدل واسع بين المختصيين حول بواعث بناء هذه المنشاءآت المبثوثة في بوادي الشام. لكن اغلب الدارسيين، (بضمنهم كريزول K.A. C. Creswell) يميلون بان اسباب تشييدها يعود الى سببين: اولهما يكمن في نفورالحكام الجدد من المدن المكتظة والنأي بانفسهم بعيدا عن أوبئتها الفتاكة، وثانيهما يتجلى في حبهم وتعلقهم بالبادية، التى توفر لهم مناخا مواتياً لتعلم اللغة العربية لهم ولابنائهم، وكذلك ممارسة رياضة الصيد. الا إن دارسين آخرين (من بينهم فواز أحمد طوقان)، لا يرون مثل ذلك، ويقدمون ادلة تدحض مسوغات اصحاب الاطروحة الاولى. بالطبع، ان معرفة اسباب بناء تلك القصور، يسهم في ادراك عميق لطبيعة عمارتها، ويوضح أهمية التصميم المنجز. بيد اننا، ولخصوصية هذا المقال، سوف لن نسترسل كثيراً، في هذا الجانب، وسنركز، بإختصار، على تبيان قيمتها المعمارية، بكونها النموذج المبني لنشاط تصميمي، انقطع فجأة عن الذاكرة المعمارية، منذ الفترة الرومانية التى شاعت فيها مثل تلك الممارسة، والتى وجدت في بناء الدارات “الفيلات” سواء الحضرية منها اوتلك المشيدة في الضواحي، احدى تجلياتها الملموسة.

تعيد الحلول التكوينية لتلك القصور، تقاليد بناء “البيت العربي”، المتكون من قاعة رئيسية، تحف بها غرفتان من الجانبين. ومن تجميع هذه المفردة التصميمية، بمقاسات مختلفة، وبترتيب متنوع، يتشكل الغطاء المبني، الذي بدوره يحيط، عادة، فضاءاً مركزياً مفتوحاً: وهي الباحة الوسطية، هي التى تجرى فيها فعاليات متنوعة، ومنها ايضا يتم الوصول الى جميع فضاءات المبنى الآخرى. انها باختصار “القاعة” الرئيسية للقصر، ومصدر اساسي ووحيد لانارة جميع غرف القصر العديدة وتهويتها.

ثمة جدار خارجي، مدعم بابراج عديدة، يحيط ، عادة، بالفضاءات المسقوفة.

لا تقتصر الأهمية الفائقة، التى تمثلها عمارة القصور الإموية، على تنوع توزيع الفضاءات وطريقة تجميعها، وانماط تنسيقها، وأساليب تسقيفها فقط؛ وأنما ايضاً، وبالاساس، ما “تختزنه” من قيمة فنية عالية، تتأتى من أعمال تشكيلية معبرة، كمشغولات الفسيفساء، والاعمال النحتية، والرسوم الجدارية “الفريسكو” Fresco، وخصوصاً الاخيرة، ذات المضامين المتنوعة، المجسدة لرسوم الاشخاص والحيوانات والنباتات والاشكال الزخرفية؛ والتى تشي اشكالها برمزية، تصل حد الاحاسيس الحسية المباشرة. ويعد هذا الجانب الفني لعمارة القصور الإموية، من اروع ما تم تحقيقه في المنجز المعماري- الفني العالمي، إبان تلك الفترة الزمنية، على الرغم من انه ظل لسنين، لا بل لقرون من السنين، نهباً للنسيان والاهمال والتهميش، لا أحد يعرف عنه كثيراً، او يكترث به، أو يدرسه ويحلل قيمته الفنية والمعمارية بصورة موضوعية، الا بعد ان تم إعادة إكتشافه في الفترات الزمنية الماضية القريبة.

و”تختزن” عمارة مبنى ، احد القصور الإموية ، الواقع في بادية الاردن، ثروة فنية عالية الاهمية من الانجاز الفني، إن كانت من الناحية “الموضوعاتية ” ام في الجانب التطبيقي – الادائي. انها كنز من الرسوم الجدارية التى تبلغ مساحتها حوالي 450 مترا مربعا، رغم ابعاد المبنى المتواضعة. لا يوجد حسب علمي، في تاريخ العمارة العالمي، مثالاً من ذلك العصر، يضاهي، الاعمال الفنية التى يكتنزها قصير عمرة!. لست انا الوحيد الذي يقول ذلك. يقوله، ايضاً، كثر من الدارسيين والمهتمين في منجز العمارة الاسلامية. صحيح إن الممارسة المعمارية العالمية، سابقاً، عرفت مثل هذا النشاط، المتمظهر بحضور طاغٍ لسطوح احياز ذات غزارة مفرطة من التزيينات التشكيلية، مثل مقبرة السقارة بمصر الفرعونية، حيث يعود تاريخها الى نحو 3500 سنة، زمن “تحتمس الثالث” (الفرعون الاسطورة)، والتى زينت جدرانها وسقوفها بتزيينات تشكيلية مع احرف هيروغليفية مستلة من “كتاب الموت”. وهي الى جانب قيمتها التاريخية والفنية، فانها ربما تعد، اول مثال معروف لعرض اللوحات التشكيلية بذلك الاسلوب من الغزارة الفائضة في حيز واحد. ويشار أيضاً، في هذا الصدد، الى “اطلال تيكال” Ruins of Tikal، في غواتميالا، والتى تم اكتشاف جدارية تزينية ضخمة في نفق عميق في أدغال البلاد تعود الى حضارة “المايا” مشغولة قبل نحو 2000 سنة. وثمة ممارسات مماثلة او قريبة من ذلك “الاطناب” التشكيلي، ربما نراها عند الرومان، أوحتى عند البيزنطيين، بالاضافة الى ما هو معروف من وفرة واسراف في توظيف التشكيل في حضارة وادي الرافدين، وفي الحضارات الصينية والهندية والفارسية. بيد ان بعض وحتى كل تلك الممارسات لم تكن معروفة جيدا، وقتها، لدى فناني “قصير عمرة”، بل وإن معظمها لم يكن مكتشفاً بعد، وبالتالي لا يمكن لها ان تكون في عداد “ملهمات” اؤلئك الفنانيين. ذلك لاننا نتحدث عن زمن بداية القرن الثامن الميلادي، وليس زمن آخر!

يتألف مجمع القصر من قسمين أساسين؛ هما: قاعة الأستقبال الرسمية وملحاقاتها، والحمام وأقسامه، الذي يقع في الجهة الشرقية من القاعة الرئيسية. وثمة أعمال مائية بجوار القصر، تشتمل على برج ماء، معني في إخراج المياه من الجبّ بواسطة ناعور تحركها دابة. وترفع المياه الى صهريج ماء مرتفع، ومنه الى حوض موجود في الجهة الشرقية منه، يغذي الحمام بالماء الضروري للاستحمام؛ وكذلك يوفره الى النافورة الموجودة داخل القاعة الرئيسية في الجزء الشمالي الشرقي منها.

تثير اللوحات الفنية العديدة، التى يحتويها “قصير عمرة”، إشكالية في الفنون الاسلامية، ويعيد حضورها الجليّ (والبهي ايضاً!) طرح الاسئلة عن حقيقة ومصداقية تلك الإشكالية وتبعاتها وابعادها، هي التى “صاغت” لاحقاً تحديدات مفاهيم العمارة الاسلامية والفن الاسلامي لدى مقاربات كثر من الدارسيين العرب والاجانب. يتعين التذكير، مرة آخرى، باننا نتحدث عن وقائع جرت في مطلع القرن الثامن، وهي فترة تأسيس العمارة الاسلامية وظهورها المؤثر في المشهد المعماري العالمي؛ وهي ذاتها الفترة التى يعزى لها تكّون الفن الإسلامي ايضاً. نحن، اذاً، بعيدون نسبياً عن ذهنيات ما سيدعى لاحقا “الاجماع الاسلامي”؛ الاجماع المحدد لمفاهيم العقائد الإسلامية، والذي فرض علماء العصور العباسية الوسطى والمتأخرة (القرن العاشر وحتى القرن الثاني عشر)، تفسيراتهم الخاصة له. وبات مفعول هذا الفهم الموؤل الآحادي مستمراً حتى أواخر الحكم العثماني. في هذا الصدد، ينصحنا احد المثقفيين العرب المعاصرين، التروي في اصدار احكام قاطعة عن موضع الإجماع التراثي للعقائد الإسلامية. فعلينا دوما “الاحتراز من إعتبار ما أجمع عليه لاحقاً، على أنه مجمع عليه سابقاً”.

ومن جديد، يتعين التنويه، بان هدف مقالنا هذا، يبقى ضمن اطار موضوعه، وهو واقعة “إكتشاف القصر”، وليس المجادلة في مفهوم الاجماع الإسلامي للعقائد، والذي نأمل ان نعود اليه، في بحثنا الموسع عن عمارة القصور الاموية. وفي اختصار شديد، فان مبنى “قصير عمرة” يظل يمثل حدثا مهما واساسيا في سجل الاحداث التى اسست لظهور العمارة الاسلامية وعجلت في بلورة مفاهيمها. ولهذا فهو يحتل مكانة بارزة ورائدة في تاريخ تلك العمارة وقيمها. من هنا، وجدت منظمة “اليونسكو” مسوغاً مناسبا، في إضافة “قصير عمرة” عام 1985، الى قائمة التراث العالمي، الواجبة الحفاظ. لكن سؤال المقال الرئيس يظل قائما، من هو، ياترى، الشخص الذي “أعاد إكتشاف” القصر، مقدماً ومعرّفاً إياه الى المجتمع الدولي؟ إنه، بالطبع، (1868-1944) Alois Musil. لكني أود قبل إن أحدثكم عن مصائر هذا العالم الجليل، إن أوضح، ولو بايجاز، إسلوب مقاربتي تجاه موضوعي هذا؛أو اي موضوع آخر، قدرّ لي ان اتعاطى معه. ثمة ولع ممزوج بالانبهار، أكنه دائما لانجاز الآخرين. واذا تكلمنا بتحديد اكثر، فانه إنجاز العمارة والمعماريين. يدهشني العمل المعماري الجيد. يغمرني سرور طاغ في رؤيته والتحدث عنه. واتوق الى معرفة كل ما يحيط به. في بعض ألاحيان، اتماهي بشغف مع المنجز المعماري الحصيف. اعترف ان إحساسي هذا، قد لا تجيزه، ولا تقبله المعايير الموضوعية في رؤية العمل المعماري وادراكه ونقده. فثمة إشتراطات “مهنية”، أو ما يعرف بالاحترافية Professionalism ، يتعين مراعاتها. بيد إني احياناً، اتجاوزها. مفضلا أن “امكث” في دائرة ” الهاوي” المندهش والمشدوه، على ان اكون “خارج” تلك الدائرة، أنظر الى المتحقق التصميمي بمسافة، و”ببرودة” أكاديمية. اجعل من “عماراتي” المنتقاة، بمثابة أصدقاء لي، اتمتع برؤيتها، وازورها (كمعارف قديمة!)، إن كانت في مدن آخرى. وابلغ تحياتي لها، في حالة لم استطع رؤيتها او زيارتها، عبر اصدقاء قدر لهم الوصول اليها. سعيت الى نقل أحساسي هذا الى متلقي كتاباتي. ويتذكر طلابي (هل حقا لا زالوا يتذكرون؟ لقد مرت عقود طويلة من السنين!) باني “اجتهدت” في نقل “محبتي” تلك اليهم، “واغويتهم” بهوى العمارة وبشغف المعماريين. اذكر هذا، لاني سأتي على ذكر “الويس ميوزيل” اياه: رجل “قصير عمرة” الشهير، ومعيد إكتشافه، وبالتالي فهو بعمله هذا، أضحى “صديقي” العزيز والمبجل، هو الذي “نبهنا” بأهتمامه وولعه عن قيمة ذلك المبنى البارز، الذي اسس لظهور عمارة جليلة ومتميزة، لم تأخذ حقها من الدرس بما يكفي.

بالنسبة اليّ، اعد “ميوزيل”، عدا كونه مؤرخ ورائد في بحثه عن قصير عمرة، شخصية متنورة وملهمة. ذلك لان تعاطيه مع “الآخر” المختلف، وتقبله له (وهي إطروحة، ما فتئت، تشغلني شخصياً: مهنياً وابيستمولوجياً)، وبالصورة التى رغب ان يقدم نفسه بها، تثير إهتمامي وتجعلني قريب منه، هو الذي كتب، مرة، في كتابه “صحراء العرب” المطبوع في نيويورك سنة 1927، مايلي: ” بجانب الامير (رئيس قبيلة الرولة)، وقف الامير “نواف”، وهما باسطين ايديهم نحوي، يتبعهم طابور من إصدقائي المخلصين القدامي. قبلوني وعانقوني جميعهم قبل ان أدخل الى الخيمة. اجلسني نواف بينه وبين والده. ومن جميع الانحاء انسكبت علىّ التحايا والاستفسارات عن صحتي. احسست بحرية كبيرة، وانا بين اؤلئك الناس الطيبيين، بحيث شعرت باني في بيتي وبين أخوتي.” (ص. 419).

ولد “الويس ميوزيل” في 30 حزيران 1868 بأطراف مدينة “فوسكوف” Vyskov ، من اعمال “مورافيا” في القسم الشرقي من “بوهيميا”، في اقليم “جيكوسلفاكيا” الذي كان، وقتذاك، جزءاً من الامبراطوية النمساوية- الهنغارية. ومن إجل مساعدة عائلته الفلاحية الفقيرة، اختار لنفسه ان يكون “قساً”، والذي سمى به عام 1891. كما نال شهادة الدكتوراه في علم الاديان سنة 1895. بعد ذلك، في سنة 1896، توجه الى القدس/ فلسطين، لاتمام دراسته عن “العهد القديم”. ثم مالبث ان غادر المدينة المقدسة الى لبنان، ليكمل تعليمه الديني في جامعة القديس يوسف في بيروت (1897). واثناء دراسته الدينية، وإهتمامه وإكتشافه للمواقع الاثرية والتوراتية في المنطقة، انجذب الى دراسة سكنة تلك المناطق والتعرف على طريقة عيشهم وعملهم، وخصوصاً استهواه اسلوب معيشة ناس القبائل الصحراوية. كان قريبا جدا ومعروفا من زعماء قبيلة “الرولة”، مثلما كان قريباً ومعروفا ايضا الى قبيلة “بنى صخر”، القبيلتان اللتان كانتا في صراع دائم على الارض والكلأ. وبما اننا اتينا على ذكر اسميّ القبيلتين، اللتين ستشغلان حيزاً كبيراً في حياة وعمل مكتشف “قصير عمرة”؛ فاننا سنتوقف قليلا عندهما، كي يمكن إدراك ومعرفة نوعية ذهنية واهتمامات هذا العالم الاوربي المحب للمنطقة وآهلها.

تعد قبيلة الرولة، التى سيكتب “ميوزيل” عنها كتابا خاصاً بعنوان ” تقاليد قبيلة الرولة وعاداتهم”، اكبر قبائل عنزة، والتى هاجرت من نجد واستقرت في شمال الجزيرة العربية، وامتدت حدود تواجدها من الجوف جنوبا فالحماد ووادي سرحان فالبادية السورية حتى اطراف دمشق شمالا والعراق شرقاً. ولقبوا اهل هذه القبيلة بهذا الاسم لانهم “يتراولون” في المشي، أي يسرعون. وتمتعت القبيلة بعلاقات جيدة مع الدولة العثمانية، بفضل زعيمها الشهير “النوري بن شعلان” الذي يلقبة “ميوزيل” بالامير.

هو الذي تولى رئاسة القبيلة مدة ستين عاما، وهو الذي منح “ميوزيل” اسم ” الشيخ موسى الرويلي” وعرف به في اوساط البدو، طيلة فترة تواجده بين ظهرانيهم. وثمة لقب آخر ناله العالم النمساوي وقتذاك ، باسم ” موسى بن النمسا”، وكذلك لقب “الشيخ موسى”. اما قبيلة بنى صخر، فتعود بجذورها الى منطقة حايل، لكنها انتقلت شمالا، وعقدت عدة تحالفات مع قبائل المناطق الجديدة، وهزم هذا التحالف الجديد قبائل عديدة، بضمنها عنزة، مما اضطر الاخيرة النزوح الى الشمال نحو بادية الشام، واصطدمت بنى صخر مع قبيلة الرولة مرارا. وكما تعرف ميوزيل على رئيس قبيلة الرولة الامير “النوري بن شعلان” وابنه “نواف”، واضحى قريباُ منهما؛ بات قريبا ايضاً، من رئيس قبيلة بني صخر الامير طلال وقتذاك.

في مثل هذه الاجواء المضطربة، قُـدّر لميوزيل ان يعمل وان يقوم بابحاثة الاثنوغرافية والجغرافية، التى اعتمد عليها، فيما بعد، كثر من العلماء الدارسين لاحوال المنطقة وأهلها. بيد ان “الشيخ موسى”، بلباقته وحسن حديثة، (كان “موسى بن النمسا” يستطيع ان يتحدث بالعربية بطلاقة، إضافة الى معرفته 35 لهجة من اللهجات المحلية!)، استطاع ان يحظى بثقة القبيلتين المتصارعتين، وان ينزل في مضاربها كضيف معزز ومرحب به، بل كواحد منها في كثير من الاحيان. اذ قطع، على سبيل المثال، مع قبيلة الرولة، بصحبة زعمائها، ، ما يقارب عشرة آلاف ميل من الطرق الصحراوية الموحشة والشائكة. لكن ما يهمنا، هنا، هو كيفية إعادة إكتشافه لقصير عمرة، بصحبة اصدقائه ومضيفيه من بني صخر. وهي لحظة، فضلاً، على انها بليغة، ستكتسي أهمية خاصة في التاريخ الثقافي العالمي، وخصوصا في تاريخ العمارة الاسلامية والفن الاسلامي. “سمعت اسم ، يكتب الويس ميوزيل في كتابه “قصير عمرة” الصادر في 1907، لاول مرة في أغسطس (آب) 1896، عندما قمت في اول رحلة بحثية قاصداً “مأدبا، بالجهة الشرقية من نهر الاردن. سمعت البدو يتحدثون عن قصرين امويين هما: عمرة والطوبة؛ المليئة جدرانهما في صور مرسومة. وانساني، فضولي البحثي، جزع الولوج الى البادية، حيث كان علي ان اقصد قبيلة “بني صخر” التى تخيم بالقرب من مأدبا. لم اكن اعرف احدا منهم في حينها، بالاضافة الى انهم كانوا في موقع صراع مع قبيلة الرولة، في مناطق مجاورة الى “قصير عمرة”. (كتاب “قصير عمرة” فينا، 1907، ص.3). لكن زيارته تلك، لمضارب “بني صخر” لم تكن من دون فائدة؛ اذ وُعد بزيارة القصر مستقبلا. واخبروه بانه يمكن ان يرافق القبيلة في “غزوتها” القادمة، .. ولكن بعد سنتين.

في صيف سنة 1898، كان “الويس ميوزيل” بصحبة الامير طلال، رئيس قبيلة بني صخر، وهم يستعدون لغزوة قبيلة الرولة، لكن “ميوزيل” كان مستعدا لإمر آخر، منتظرا بفارغ الصبر، زيارة القصر، والتأكد، ميدانياً وشخصياً، من مسموعاته العديدة عن صورالمبنى الجدارية “الاسطورية”! انها لحظة هامة في حياته، لو قدر ان ماسمعه سابقا عن القصر، يمتلك نصيباً من الصحة. وما ان حل نهار اليوم الثامن من يونيه (حزيران) ،1898، نادى الامير طلال علي ميوزيل قائلا “- موسى! خلف تلك التلة، (سيكتب ميوزيل لاحقاً، عن تلك اللحظات الحساسة، في كتابه ) توجد }عمرة{، هي التى تبحث عنها منذ أجل طويل. أذهب اليها مع بخيت”. ابتهجت كثيرا، لان أملي، في الاخير، قد تحقق. كان بخيت ممتطياً فرس الامير، وانا اتبعه راكباً بعيري. “-لا تبقى طويلا في . واذا احتجت الى وقت اطول، فبإمكانك ان تفعل ذلك في طريق العودة. أسرع الآن، محفوظ بالله!، فاننا لا يمكننا ان ننتظرك طويلاً”. بعد حوالي نصف ساعة وصلنا عمرة. دخلت مباشرة الى المبنى، ورأيت أثار الرسوم في كل الانحاء. كنت اركض من غرفة الى آخرى، وانا مبهور بما اشاهده، اذ كانت جدرانها مغطاة كلها بالرسوم واللوحات الجدارية. عند ذاك، تمالكت انفاسي، مدركاً قيمة وأهمية اكتشافاتي، وحمدت الله على ذلك! حاولت ان التقط صور. واثناء انجازي للقطة الاولى، صاح رفيقي، الذي كان مستلقياً على سطح المبنى، باعلى صوته “- العدو، اعدائنا، يا موسى، أعدائنا!”. اخفيت كاميرتي، وعدونا نحو الشرق. كان هناك ثلاثة او اربعة فرسان يتعقبوننا من جهة الشمال” (الويس ميوزيل ، براغ، 1932).

على إن المفاجأة المُدوية، التى تلقاها “الويس ميوزيل”، لم تكن بسبب “إكتشافه” المهم والخطير في تاريخ العمارة الاسلامية، من خلال تعرفه على “عمرة” ونوعية لوحاتها، وأنما بسبب عدم “تصديق” روايته عن محتوبات القصر اياه. فعندما رجع الى فيينا، في صيف 1898، قدم تقريره الى الجهات العلمية المختصة. واشار فيه الى وجود صور لمشاهد الصيد ونساء نصف عاريات، واحيانا عاريات بالكامل، وصور لشخصيات حاكمة ملونة. الامر الذي رفضته الاوساط العلمية في فينا جملة وتفصيلا. اذ كان مضمونه بالضد تماماً من تصورات ومعارف جميع المختصين الاوربيين، عن العمارة الاسلامية والفن الاسلامي. بل وذهب بعض تلك الاوساط، ابعد من ذلك، عندما اتهم “ميوزيل” بالاحتيال، والكذب عن ما جاء في تقريره، في حين شكك آخرون، بانه ربما لم يذهب اطلاقاً الى الصحراء، ولم ير كل ما يرويه!.

كان ذلك بالنسبة اليه، امرا مجحفاً ومحبطاً في آن. “لم تشفع لي مهنتي كقس، ولا سمعتي كباحث، عندما لم يصدق احد ما رويته وشاهدته عن لوحات قصير عمرة” كتب، وقتها، عن تلك الاوقات الحرجة في حياته المهنية. ومرة اخرى، يسعفه صبره واصراره. عندما اُخبر عبر اصدقائه، بانه عليه ان يثبث ما يقوله بالدليل القاطع، وهو، في مثل هذا الحال، الحصول على صور فوتوغرافية، تكون برهانا ساطعا على ما يقول. وهذا يعني الرجوع، مرة اخرى، الى البادية، والتقاط صور لتلك اللوحات التى أدهشته وظل مفتوناً بها. عسى ان يسترد بها سمعته الاكاديمية ومكانته كباحث جاد.

في عام 1900، اي بعد سنتين من ذلك الحدث المهم، الذي ربط اسمه بقصير عمرة،، الحدث، الذي سيخلده في سجل تاريخ العمارة الاسلامية، يحط الويس ميوزيل رحاله مرة اخرى في مدينة مأدبا، ويعرف من اصدقائه البدو في قبيلة بنى صخر، بان معاركهم مع قبيلة الرولة، قد انتهت، ما يعني ان الطريق، الآن، سالكة .. الى عمرة!. “عندما وطئت قدمي عمرة، (كتب ميوزيل فيما بعد) وشاهدت اللوحات مرة آخرى، دق قلبي بانفعال وابتهاج شديدين، وما لبثت ان صحت باعلى صوت: يلزمني وقتاً!، كم من الوقت، ياصاحبي، يمكنني ان امكث هنا؟، هل ستخفينا الاشباح، ام ان الاعداء سيجدوننا؟ هل سنترك المكان بسلام وأمان؟ هل يمكن ان لا نؤخذ على حين غرة، نهاجم؟ او حتى نقتل؟ او ربما نجرح؟” علم ذلك كله عند الله!” (كتاب ، براغ، 1932). على ان صبر أصدقائه البدو، لم يكن بلا نهاية. وعليه في اليوم الرابع، ان يقوم بلملمة اغراضه ويطوي كاميرته الصندوق، استعدادا للرحيل. بيد انه في هذه المرة، لم يخرج خالي الوفاض. لقد أتم تصوير 120 صورة فوتوغرافية، بالاضافة الى انجاز تخطيطيات ورسمات للقصر. وبهذه المادة العلمية، التى حملها معه الى فينا، استطاع ان يرد إعتباره الشخصي والاكاديمي. اذ قررت “الاكاديمية الامبراطورية للفنون” في فينا، أن تصدر كتاباً خاصاً باكتشافات “الويس ميوزيل”؛ لكنه عليه الآن، الرجوع الى عمرة، للمرة الثالثة، مصطحباً معه رساماً محترفاً، يستطيع ان يستنسخ تلك اللوحات ويعيد رسمها بالالوان. وهذا ما قام به فعلا، وهو مترع بارتياح كبير، لاعتراف “فينا الاكاديمية” اخيراً، بقيمة ورائدية مكتشافاته.

وفي سنة 1901، يقصد “الويس ميوزيل” صوب المنطقة التى أحبها، للمرة الثالثة، يرافقه الرسام “الفونس ليوبولد ميليخ” (1863-1929) Alphons Leopold Mielich. ومرة آخرى، وبفضل اصدقائه البدو من بني صخر، أستطاع “ميوزيل” مع رفيقه الرسام “ميليخ” وبحمايتهم، إن يحققا نسخاً كاملة لجميع اللوحات الجدارية في قصير عمرة، وان ينفذا مخططات معمارية للمبنى، بل وحاولا مرة، ان يقلعا جزءا من تلك اللوحات المرسومة، الا إن محاولتهم باءت بالفشل، لتفتت سطح اللوحة في ايديهم، ما حدا بهما التخلي عن تلك الفكرة. وعلى العموم فانهم انجزوا العديد من اللوحات، التى عرف العالم الخارجي، وخصوصا المهتمين، عن رائدية وقيمة “قصير عمرة” وأهميته القصوى في تاريخ العمارة الاسلامية والفن الاسلامي. وقد تم طبع خلاصة تلك المادة العلمية بمجلدين بابعاد كبيرة، نشرتهما الاكاديمية الامبراطورية للفنون في فينا سنة 1907. وبنشر تلك المادة العلمية، برزت امكانية لاعادة قراءة وتقييم العمارة الاسلامية والفن الاسلامي. ولعل بزوغ تلك “الامكانية” في الخطاب الثقافي، بعيداً عن التصورات المسبقة، وعن سطوة “اوهام” التحريم، يرفع، عالياً، من انجاز “الويس ميوزيل” ويزيد من قيمة مكتشافاته ومروياته.

لقد ارتبط مصير “الويس ميوزيل” لاحقاً مع قضايا الشرق، وخصوصا مع أحوال تلك المنطقة التى احبها، هي التى لم تبخل في تكريمه، جاعلةً منه احد “شيوخها” المحترميين. وكان على اتصال دائم معها طيلة سنين حياته، وقام بزيارتها، بعد ذلك، مرات عديدة، ولغايات مختلفة، بيد ان تلك الزيارات، تكن لها علاقة بقصير عمرة. لكن ذلك، بالطبع، حكاية آخرى. ليس مكانها هنا. فالمكان مكرس لصاحب المكان: قصير عمرة، او بالاحرى، إكتشاف ذلك القصر “الساحر”!.

د. خالد السلطاني مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

إقرأ ايضًا