بغداد، الاقل عمراناً !

1

للوهلة الاولى، سواء للشخص الذي يعرف بغداد سابقاً و في الوقت الحالي او الشخص الذي يراها للمرة الاولى، فأن انطباعه و ملاحظته تتجهان الى القول ان هذه المدينة تفتقر الى حركة الاعمار في حدها الادنى اي انه لا توجد ابنية جديدة لافتة من حيث العدد و النوع، كما ان الابنية المشيدة وعلى شحتها لا تعبر بأي حال من الاحوال عن وجود نشاط عمراني فعال بدليل انه يمكن رصد بناية جديدة بصعوبة وبعناء الى درجة يمكن معها القناعة ان هناك حالة شلل في عملية البناء و الاعمار.

في الطريق من بغداد باتجاه محافظة ديالى، بقيت ما يعرف ببوابة الدخول الى العاصمة قرابة العامين دون انجاز رغم ان البوابة مجرد جدار اسمنتي مزخرف حاول البنائون ان يمنحوه بعض الابداع المعماري من دون جدوى، كما انه اخذ نمط البوابات القاسية و العالية ما يعكس بقاء الفكر السياسي الدخيل على الفن المعماري اي ان هذا الفكر لازال يفرض على التصميم المعماري رمزية القوة و الجبروت لا رمزية الجمال و الالهام.

على اية حال، من اهم معايير اي نهضة او تنمية في اي مجتمع هو قياس عديد الابنية المشيدة و انواعها و مستويات ابداعها و قطاعاتها الوظيفية ولذلك فأن غياب حركة اعمارية قوية في بغداد يدل على عدة امور جوهرية اهمها واخطرها:

ـ ان كل قطاعات العمل في الدولة عاجزة عن التوسع في اعمالها ومشاريعها و الا كانت احتاجت الى ابنية جديدة بمعنى ان وزارة الصناعة او الزراعة على سبيل المثال لا الحصر تعمل في الوقت الحاضر ضمن الابنية القديمة التي شيدت قبل عقدين او ثلاثة عقود على اقل تقدير وهذا يشكل مؤشراً على المجال الهامشي التي تعمل به هذه القطاعات. ـ عدم وجود اي استثمارات عامة وخاصة، عراقية و اجنبية لأن اي نهضة اعمارية استثنائية بحجم المطلوب في بغداد يتطلب رؤوس اموال كبيرة ولأن هذه الاموال ليست موجودة فمعنى ذلك ان المجهود السياسي و التقني المخصص لجذب الاستثمارات من الخارج متعثر.

للعلم، العراق من اقدم الحضارات التي عرف عن شعبها انه يضم جيوشاً من البنائين او المعماريين بلغة العصر وبالتالي عدم وجود نشاط عمراني معماري في الوقت الراهن يمثل انتكاسة معنوية و انسانية لهذه الحضارة.

ومن منظور اقتصادي، فأن انتعاش حركة الاعمار و البناء يمثل احد انجع الادوات و الآليات المستخدمة في مكافحة البطالة لأن ازدهار سوق العمران سيؤدي الى امتصاص شريحة العاطلين عن العمل مهما كان عددها و من كل الاختصاصات.

من الملاحظات المؤسفة للغاية، ان العراقي يذهب الى زيارة مدن مختلفة من العالم الثالث مثل اسطنبول او عمان او بيروت او دبي ورغم ان هذه المدن معروفة بعمرانها وقد تكون اخذت كفايتها من الابنية الى حد كبير، فأن حركة العمران و الاعمار فيها انشط من بغداد التي عانت طوال العقود من توقف الاعمار لأسباب وظروف معروفة للجميع وبالتالي كان يجب ان تكون العاصمة العراقية متعطشة واكثر احتياجاً من غيرها من المدن للأعمار لكن الواقع لا يعبر عن هذه الحقيقة العلمية وهو عكسها تماماً اي ان بغداد الاقل عمراناً في المنطقة.

صحيح، ان عقد المؤتمرات و الندوات الاقليمية و الدولية في بغداد هو عمل خلاق من الناحيتين السياسية و الامنية الا ان هذا الانجاز قد يتحول الى ماخذ على العراق لأن الزائرين بالتأكيد سيتلمسون هذا الغياب المفرط للأعمار و العمران.

في تقرير احد المنظمات الدولية التي اشار فيها الى ان بغداد اسوأ مدينة في مستوى المعيشة والخدمات قد يكون الكثير قد احتج على تقييم هذا التقرير وهو في احتجاجه محقاً لكون دخل الفرد العراقي قد تحسن الى حد كبير مقارنة بالفترة التي سبقت العام 2003 غير ان التقرير المذكور استند في تقييمه الى ان بناء البنى التحتية في بغداد هو الاقل وافترض على هذا الاساس ان بغداد هي المدينة الاسوأ في المعيشة وهذا مؤشر علمي لا غبار عليه ضمن المقاسات الدولية المعتمدة.

بدقة علمية، يعني وجود نشاط عمراني واعماري مضطرد في اي مجتمع ان هذا المجتمع اصبح في الصفوف الاولى من المجتمعات الاكثر نمواً والاكثر رفاهية و سعادة، كما ان هذا النشاط يدل على انتعاش قطاع الاعمال و المال في هذا المجتمع.

بالتأكيد، هناك فرق بين ما نسمعه من بعض المعنيين ان هناك عشرات و ربما مئات المشاريع العمرانية التي انطلق العمل بها و قد وصل الانجاز فيها الى 50 او 70 في المئة وبين ما تراه العين و يتلسمه العلم .. بعض المبررات تقول ان عدم تلمس هذه المشاريع العمرانية يعود لكونها تقع بعيداً عن وسط بغداد وهو اعتراف صريح ان لا بناء جديد في عمق العاصمة العراقية ووسطها ولا تطوير للأبنية القائمة لتبدو بشكل افضل بعدما نالت منها الظروف القاسية التي مرت على العراق، كما انه لا دليل علمي على صحة اقامة هذه المشاريع التي يتحدث عنها البعض و نسبة الانجاز والمدة المخصصة لأتمامها و دخولها حيز التشغيل، كما ان هذه المشاريع وان تأكد وجودها عليها مآخذ كثيرة وجوهرية من ناحية تصاميمها المعمارية و جودتها و دقة وبراعة تنفيذها.

من منظور معماري بحت، فأن الغياب الكبير للعمران و الاعمار في بغداد يعكس وجود مرحلة مزعجة من تهميش المصممين المعماريين وكأن العراق يخلو من هؤلاء غير ان اخطر دلالات ذلك ان البعض يرى ان تطور المجتمع العراقي لا صله له بالعمران والعمارة وان كثرة الابنية الجديدة لا تمثل معياراً للنهضة و التنمية وبالتالي هذا الرأي موجود ومطروح بالفعل وهو يؤكد اصرار هذا البعض على بقاء بغداد على حالها دون اعمار و عمران و تقدم في مشهدها الحضري و المعماري.

في ردود الافعال التي صدرت عن بعض المعنيين حيال التقرير الدولي بعنوان” بغداد اسوأ مدينة في المعيشة والخدمات” ان هذا البعض قال انه يعشق بغداد مهما كانت الظروف فيها صعبة و هذا يمثل شعوراً وموقفاً وطنياً لكن السؤال المطروح هو ما المانع ان نعشق بغداد ونظهرها في ابهى صورها و احسن احوالها في وقت واحد؟ اليس من مفاهيم الوطنية ان نرفع من قيمة بغداد العمرانية و الحضارية و الاقتصادية ليعجب بها العالم كما كان يفعل اجدادنا في حضارات بابل وسومر؟ لذلك يجب ان نرى الموضوع برمته من زواية واحدة وهي ان بناء و عمران بغداد هو تحدي علمي و حضاري و سياسي للعراقيين، فأما ان نقبل التحدي الذي يعبر عن ابداعات و مهارات الشعب العراقي وكفاءاته العلمية الفريدة او نقبل على بغداد هذه التقييمات التي لا تليق بها.

في اهم الامثلة المشابهة لظروف بغداد الى حد ما، مدينة بيروت اللبنانية التي عانت لسنوات من الحرب الاهلية و التي تعيش بين الحين و الآخر احوال سياسية و اقتصادية مـتأرجحة، فأن حركة العمران لم تتوقف فيها و كانت مستمرة على مستويين بناء ابنية جديدة بتصاميم معمارية لافتة او تطوير الابنية و البنى التحتية القائمة رغم الصعوبات المالية التي عرفها الجميع عن لبنان.

لكي يكون مضمون مقالي اكثر جدية و اكثر موضوعية، يمكن الاشارة الى دولة ماليزيا التي تعتمد في اقتصادها ومواردها على التجارة و الصناعة .. فالجميع يعرف ان عاصمتها هي كوالالمبور التي شهدت طفرة عمرانية كبيرة لكن العملية احتاجت الى توسع وابداع اكبر في التصاميم المعمارية و العمران و الاعمار الامر الذي دفع الماليزيون الى استحداث مدينة جديدة مجاورة لكوالالمبور اسمها بوترا جايا وهي تضم مقرات الحكومة و الوزارات والدوائر الحكومية الحيوية وقد ضمت تصاميم معمارية مثالية في غاية الجمال و الفن، كما خصصت مساحات واسعة لأقامة البحيرات الصناعية و الحدائق، فجمعت بين الطبيعة و العمارة، وللعلم لا تملك ماليزيا اي موارد نفطية و هي مثل العراق تضم 13 محافظة و ثلاثة اقاليم فدرالية وعديد سكانها 30 مليون نسمة غير ان اهم سمة تميز ثورة العمران في ماليزيا ان ابناؤها هم من قادوا هذه الثورة بكل متاعبها و تحدياتها وتطلعاتها.

بسبب غياب ثورة عمرانية و باي مستوى في بغداد رغم عائدات النفط الهائلة و المرشحة للتصاعد في السنوات القليلة المقبلة ورغم ان العراق لديه فرص عظيمة ليكون من اعرق المدن في العالم و ليس في المنطقة فحسب ومع ان العراق يتمتع بمساحات واسعة من الارض الزراعية، اقول بسبب غياب النشاط العمراني و المعماري فأن تقارير دولية اخرى قد تصف بغداد بأوصاف اكثر مرارة من وصف العاصمة الاسوأ في المعيشة والخدمات اذا بقي الحال على حاله.

معمارية و اكاديمية

إقرأ ايضًا