جامعاتنا، سمعتها العلمية و تصاميمها المعمارية

3

لا يمكن التعاطي مع عمارة الجامعات و المعاهد العالية في العراق بشكل عابر او عرضي لسببين الاول، ان جامعات بغداد، عاصمة العراق كانت تأوي في الفترات السابقة طلاباً اجانب و عرب ومن مختلف البلدان ولذلك كان الكثير من الطلبة في دول المشرق العربي و مغربه ولازال يتباهون لأنهم من خريجي الجامعة المستنصرية او جامعة بغداد او الجامعة التكلنوجية او جامعة الموصل او جامعة البصرة. و الثانية، ان الابنية المعمارية الخاصة بالجامعات غالباً ما ترتبط او تعكس بشكل عضوي المستوى الحضاري للمجتمع والقيمة العلمية التي يمكن ان تقدمها هذه الجامعات الى طلابها .. ومن هذين المنطلقين يجب التوجه الى ان تكون لجامعاتنا العراقية خصوصيتها على مستوى التصاميم المعمارية.

كما ان من بين اهم الاسباب والدوافع لوجود هذه الخصوصية ان آلاف المهندسين و الاطباء و الصيادلة و الادباء والمفكرين العراقيين الذين تركوا العراق لدواعي مختلفة وعاشوا في دول اخرى منها دول غربية، برهن هؤلاء وهم من خريجي الجامعات العراقية على قدرتهم على النجاح والمنافسة مع آخرين ممن تخرجوا من جامعات عريقة ورصينة تتمتع بأمكانات مادية ضخمة ورغم ذلك كان لهؤلاء الخريجين بصمات واسهامات علمية بارزة و قد بلور ذلك اعجاباً و رأياً في الدول القريبة من العراق او البعيدة عنه عن قوة المنهج العلمي الذي تتمتع به الجامعات العراقية وهذا ما كان يتحدث به الآخرون في الدول الاخرى حتى ان الكثير من الدراسات السابقة منها دراسات قامت بها منظمة اليونسكو برهنت عن ان الجامعات في بغداد تتقدم في مستوى ما تقدمه من معرفة علمية وفي مختلف الاختصاصات بالنسبة لنظيراتها في مصر و سورية و الاردن و لبنان و دول الخليج العربي في فترات الستينيات و السبعينيات و الثمانينيات من القرن الماضي وبالتالي كان يجب ان تعزز نجاحات المغتربين العراقيين من القناعة بأنه حان الوقت لتكون لجامعاتنا العراقية عبقريتها التصميمية المعمارية لكي تحتوي هذا الرقي العلمي.

وعلى صعيد تدريسيي الجامعات العراقية، فقد اشارت احصائيات في جامعات دول عربية بينها جامعات في دول، الامارات و البحرين و قطر و الاردن الى ان الكادر التدريسي العراقي من اكفأ التدريسيين في المنطقة وابرعهم في توصيل المعلومات العلمية و شرحها ما يعزز فكرة ان تكون لجامعاتنا العراقية هذا الطابع المعماري المميز.

وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل فترات التاريخ الاسلامي وبالتحديد في العصور التي ازدهرت فيها العلوم و المعارف، فقد تحولت بغداد عاصمة الخلافة العباسية الى ما يشبه الجامعات في بريطانيا او الولايات المتحدة في الوقت الحالي، فقد كانت مقصد طلاب العلم لدى اعرق الامبروطوريات في حينها.. الخلاصة ان مجمل هذه العوامل كان يجب ان تقنع الجهات العراقية المعنية ببناء او ترميم الجامعات و المعاهد العالية بأنه من الاهمية ان يكون لجامعاتنا العراقية تصاميمها المعمارية الخاصة و الحصرية وبالتالي بات من الاهمية ان يترجم هذا التميز في القيمة العلمية لجامعات بغداد وهذا التميز على المستوى الاقليمي الى تميز معماري كما كان حال المدرسة المستنصرية التي شيدها الخليفة العباسي المستنصر بالله العام 1234 ميلادي وقد استغرق انجازها قرابة سبعة اعوام ، فلم تكن هذه المدرسة التي كانت بمثابة جامعة بمفهوم الزمن الحالي، لم تكن مجرد مدرسة عادية فقد اخذ المعماريون العراقيون في وقتها سنوات لأعداد التصاميم و الرسوم الزخرفية التي ميزت هذه المدرسة عبر التاريخ الى ان تعرضت الى اهمال شديد ابان حكم الدولة العثمانية بمعنى ان الجامعات العراقية الحالية او تلك الجامعات التي يمكن ان تشيد لاحقاً يجب ان يكون لها فلسفتها التصميمية المعمارية و التي تحمل الكثير من المعاني و الرسائل لأجيال من الطلبة العراقيين او اولئك القادمين من دول اخرى.

بالتأكيد، الظروف السياسية و الاقتصادية و الامنية الاستثنائية التي مرت على العراق منذ التسعينيات من القرن الماضي و لغاية اليوم اثرت سلباً وادت الى تراجع التعليم العالي من جهة و الى العزوف عن البحث عن تصاميم معمارية رصينة للجامعات العراقية القائمة و تلك التي يمكن بناؤها في المستقبل من جهة ثانية بدليل انه في الوقت الراهن ظهرت موجة من الجامعات و المعاهد الخاصة الاهلية او تلك الجامعات التي تم بناؤها في المحافظات العراقية، اختارت السكن بداخل ابنية تجارية متعددة الاستخدامات اي انها تصلح ان تكون مول او مبنى سكني لكنها بالتأكيد لا تصلح ان تكون مبنى جامعي للتعليم العالي لخلوها من اي دلالات تتعلق بالفلسفة التصميمية المعمارية العراقية ولذلك من الضروري ان تشترط الجهات المعنية بمنح رخص بناء او تأسيس الجامعات ان تتضمن ابنيتها استعارات معمارية عراقية ذات رسائل حضارية و علمية.

وفي جانب آخر، فأنه يلاحظ عدم مراعاة الاختصاص العلمي في الجامعات عندما تشيد ابنية الاقسام العلمية المختلفة بمعنى ان بناية قسم الهندسة المعماري هي نسخة مشابهة لبناية هندسة الكهرباء او الميكانيك، كما ان التصميم المعماري لكلية الهندسة هو نفسه التصميم المعماري لكية الطب بمعنى لا توجد اي اشتقاقات معمارية عراقية لكل اختصاص.

في اهم الامثلة المطروحة بناية جامعة بغداد في منطقة الجادرية وهي عبارة عن توسعة لأقسام هذه الجامعة العريقة التي تأسست اقسامها الاولى في اواخر الخمسينيات من القرن الماضي ثم تطورت ابنيتها العام 1982 في الجادرية على نهر دجلة وقد استندت الفلسفة التصميمية المعمارية فيها الى العمارة الحديثة وبالتالي لم تتضمن بشكل جوهري استعارات الفلسفة المعمارية العراقية ودلالاتها.

يستند التفكير وهو جوهر هذا المقال، في ربط ابنية الجامعات العراقية بطراز معماري خاص يلفت انتباه الآخرين القريبين او البعيدين بأن العراق كان مهد القراءة و الكتابة في التاريخ الانساني وبأن مواطنيه من اكثر مواطني المنطقة استيعاباً للعلوم الحديثة و التفاعل معها وهذا امر يشجع الدول المتقدمة علمياً على التعاطي مع الجامعة العراقية وتقديم لها الدعم العلمي، كما ان الاهتمام بالتصاميم المعمارية للجامعات هو امر مذهل على المستوى المعنوي لأنه يزيد من انتاجية الطالب من الناحية العلمية.

في اهم التعليقات التي يمكن ان نسمعها من الكثيرين من طلبة الجامعات الاهلية او بعض الجامعات الحكومية في العراق والتي تثير المخاوف في النفوس حول مستقبل التعليم العالي ان هؤلاء يصفون جامعاتهم بأنها مثل مبنى المستشفى او المول او مركز امني ولذلك هذه التفاصيل الاجتماعية الصغيرة تمثل جرس انذار جدي لكي تقتنع الجهات المعنية ان للجامعات ابنية معمارية خاصة بها وان هناك محاكاة لتاريخ العراق و اجياله يجب ان يجدها او يكتشفها طلاب هذه الجامعات في مداخلها و كل تفاصيلها، ابنية الاقسام الدراسية و الساحات و المناطق الخضراء وفي حجر البناء و في التوزيع الفضائي في داخل و خارج الابنية وهذا امر حيوي لتقوية الجاذبية العلمية للطلبة.

اخيراً، يحتل مشهد الجامعات التي لها تصاميمها المعمارية الخلاقة و اللافتة، صدارة الاشياء المؤثرة و التي يمكنها ان تلعب دوراً أيجابياً و مهماً في نظام العلاقات بين الدول لأنها تعد من المؤشرات القوية لوجود دولة ناجحة في التخطيط الستراتيجي للتنمية، فهذه التصاميم المعمارية المكلفة او الثرية تظهر اهمية التعليم و الآمال المعلقة عليه للنهوض بالمجتمع العراقي .. اما النوافير التي يتباهى بها البعض فستكون مجرد جزء صغير في حيز اخضر صغير في صرح علمي كبير، بصيغة اخرى مشهد الجامعات بتصاميمها المعمارية الراقية هي صروح علمية تليق بالمجتمع العراقي ،، اما من يحاول ان يجعل من النوافير صروح العراق الابداعية، فهذا عمل غير مجدي و هو عمل اقل ما يقال عنه بأنه محاولة للأستهانة بعظمة وتاريخ العراق و شعبه.

معمارية و اكاديمية

إقرأ ايضًا