رسالة إلى عمود

12

كتبت مروة الصابوني أن الناس يميلون إلى التعاطف أكثر مع العمارة القديمة لكنهم غالباً ما يزيفون تقديرهم للعمارة الحديثة.

عزيزي العمود:

أعلم أنك مجردحجر أصم؛ لكن رؤية الناس وهم يعانقونك ويلمسون حجارتك بدهشة وإعجاب، يأخذون الصور وهم يلفون أذرعتهم حولك كأنك شخصٌ عزيز، هي ما جعلتني أكتب لك!

عندما كنت فتاةً صغيرة تعيش في سوريا كانت المدرسة تأخذنا في رحل ميدانية إلى الأماكن التاريخية التي تملأ بلدنا؛ هناك قابلتك لأول مرة رأيتك في كل مكان والسياح الأجانب يلتفون من حولك.

لم أفهم هذا الفعل الغريب حينها؛ كنت أمر بجانبهم وأتسابق مع أصدقائي راكضين في الأرجاء دون أدنى إهتمامٍ بك.

حتى عندما بدأت أدرس العمارة لم أزل أراك في نفس المشهد والسياح يمسكون بكتبهم ويستكشفونك، أستاذنا كان يخبرنا عن “عيد ميلادك” وكيف أتيت للحياة لكني كنت لا أزال لا أفهم لماذا “هؤلاء الناس” كانوا مسحورين بك لهذه الدرجة كانوا يخبروننا كم أن بلادنا جميلة وكم فيها من “الآثار العريقة التي تعود لما قبل الميلاد ولاتزال قائمةً لليوم” مع أنه للأسف لا يمكن قول ذلك اليوم عن بلادنا وهي تعاني الأمرين في حروبها.

كنت عزيزاً على قلوبهم جداً كما كنت على قلب سمعان العامودي الذي ولد في 389 م في قرية سمعان جنوب الدير الذي سمي على إسمه في سوريا.

عاش سمعان عليك أكثر من أربعين سنة ولم ينزل عنك. لم تكن حينها تحمل أي سقف مع ذلك استطعت أن تجعل الناس يعانقوك. كما أنك لطالما كنت مهماً على مر كامل التاريخ المعماري منذ أيام الإغريق والرومان حين تم تصنيفك إلى أطرزة وحتى ولادة الحداثة التي همشتك.

لطالما تسآلت ما الذي يجعل “هؤلاء الناس” يعانقوك هل هو الشوق اللانهائي عند البشر للخلود؟ هل يجدون فيك الامل لأن تحمل حياتهم في داخلك بعد مماتهم كما يعتقدون أنك فعلت لمن بنوك من قبل؟ أم أنك تمتلك شيئاً آخر فيك؟ هل هي الطريقة التي تمت بها صناعتك؟ لأن طريقة القول مهمة بقدر القول نفسه أو كما يقول روجر سكروتن الفيلسوف البريطاني “ما نقدره ليس النتيجة وإنما العملية أو بالأحرى الكيفية التي يتم بها الكشف عن العملية” هل هي “آثار الجهد البشري” عليك التي يشير إليها سكروتن أم أنها ما يقول عنه ورينغنر “روحنة الحجر” هو ما يبحث عنه أولئك الناس؟

اليوم أيها العمود لم تعد مرئياً كما كنت أصبحت تختبئ وتتنكر تنصهر داخلاً؛ لم تعد الإنشاءات الحديثة تعتمد عليك وإذا ما وجدت فأنت في الغالب توجد عن طريق الصب أو الطباعة ثلاثية الأبعاد.

هل لهذا السبب لم يعد “أولئك الناس” يعانقونك؟ هل لهذا السبب أصبحوا يبحثون عنك في تلك الأماكن القديمة؟ هل سيعانق الناس أي شيءٍ مما سيبقى من أبنيتنا في المستقبل بعدما نندثر كما فعل الذين من قبلنا؟ وأي جزءٍ سيكون ذلك؟

أعتقد أنني سأنتظر ردك.

مروة

نشرت هذه المقالة لأول مرة باللغة الإنكليزية على موقع ribajournal

http://www.ribajournal.com/pages/a_letter_to_a_column__marwa_alsabouni_226616.cfm

إقرأ ايضًا