عند ضفاف القراءة “الثانية” للعمارة الإسلامية

16

أتوق (هل أقول أطمح؟!)، أن أرى العمارة الإسلامية في موقع يليق بها، موقع تستحقه فعلاً وتشغل به مكانتها، ومكانها كاملاً في منتج المشهد المعماري العالمي وتنويعاته الأسلوبية، هي التي أقصتها طروحات “التمركز”؛ (التمركز الأوروبي على وجه الخصوص)، إلى مواقع مهمشة، بدت فيها، وكأنها لا يمكن لها أن تؤدي دورها الطليعي والهام في مهمة إجتراح إضافة معرفية للمنجز الثقافي الإنساني، أو إظهار تلك الإضافات في خطاب ذلك المنجز.

سوف أتجاوز، هنا، سجالات إشكالية تحديد مصطلح “العمارة الإسلامية” ذاته، ومدى دقته وموضوعيته. إذ أثار هذا المصطلح وما انفك يثير كثيراً من النقاش والجدل حوله؛ فيما إذا كانت ثمة عمارة “إسلامية” فعلاً، أم إن هذا المصطلح يتعين إيجاد بديل له، يعكس بشكل وبآخر عمارة الشعوب المتنوعة إثنياً، وثقافياً، وجغرافياً التي انضوت تحت راية الإسلام. لكن هذا التجاوز، لا يتعين أن يفهم كذريعة لتغييب حضور ذلك النشاط المعماري الفعال؛ والذي بدأ يتكوّن ويظهر بقوة ووضوح في عمارة كثير من البلدان، التي اعتنقت الإسلام ديناً، وجعلت منه مرجعاً ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، وهي المصادر إياها، التي بمقدورها أن تؤسس لظهور اتجاه معماري مغاير.

أشعر أن اهتمامي بموضوعة العمارة الإسلامية، يمليه عليّ واجبي المهني والنقدي؛ مضاف إليه ولعي الشخصي بها. أشعر أيضاً، أن هذه الموضوعة قد أُسيء لها كثيراً، وأمست، أحياناً، “ثيمة” لتجاذبات مختلفة، قد تكون ذات أهداف غير مهنية، وبمقاصد غير موضوعية.

لا يمكن، بطبيعة الحال، للمرء بمفرده مهما أوتي من نشاط، واهتمام، وولع، ومهنية، أن ينهض لوحده في إعادة الاعتبار لهذا المنجز الحصيف. يتعين الإقرار بأن التعاطي مع تلك المهمة، يجب ان تكون فعلاً مؤسساتياً، يشترك بها كثر من المهتمين، كل حسب اهتمامه في رسم بانوراما حقيقية وواقعية لها.

وقد يكون هذا الشعور، هو الذي دفعني مؤخراً، للاهتمام بموضوعة عمارة القصور الأموية، كإحدى تجليات منجز العمارة الإسلامية، وهو مجال رحب، تستوجب إعادة القراءة له مجدداً، نظراً للإهمال، والإجحاف، والتغييب، والتهميش، التي لحق بها من قبل كثر من الدارسين العرب، والدارسين الإقليميين وغير الإقليميين على حدٍ سواء.

يهمّني، بالطبع، عدم الركون إلى يقينية “الثوابت” المعرفية، الرائجة والمتداولة كثيراً عن العمارة الإسلامية. يهمني طرح أسئلة شائكة (وأحياناً مشاكسة!)، تستفز المألوف والمتعارف عنها، وبالتالي تحث الفكر على رفض التقوقع، ناهيك بالنأي بعيداً عن التمسك بالقراءة الأحادية لما أنتج معمارياً.

يهمني، أيضاً، تناول المسكوت عنه في العمارة الإسلامية، والمهمّش، والمغيب، واللامفكر فيه، سعياً وراء تكوين مقاربة نقدية، توفر لي، قراءة “ثانية”؛ أستدل بها عن دلالات ما أنتج سابقاً، وقيمة ذلك المنتج تصميمياً، والكشف عن ريادته لآفاق معرفية ومعمارية جديدتين.

عندما نشرت مقالاً، قبل فترة، عن عمارة القصور الأموية، كإحدى ممارسات منتج العمارة الإسلامية والرائدة فيها، تفاجأ أحد قراء مقالتي عن نشر صورة لامرأة عارية موجودة على أحد جدران تلك القصور.

وقد كانت تلك الصورة، تمثل مع بقية الصور الأخرى، المزدحم بها الفضاء الداخلي للمبنى، قيمة تكوينية خلاقة، كرست خصوصية عمارة القصور الأموية ورفعت من تفردها في المشهد المعماري العالمي.

وقد كتب معلقاً، في حينها، مبدياً شكوكه بوجود “..مثل تلك الصور معلقة أو مرسومة… في قصر أحد خلفاء بني أمية، … لأنه لا يمكن أن يتساهل المسلمون… مع الصور التي حرموها عن بكرة أبيها (التأكيد لي. خ. س.)، فما بالك صور النساء، ومن ثم عراة أو عريانات!!!!… لذلك أشك أن تخص هذه الصور بنى أمية أو المسلمين… وإلا يجب أن يعاد النظر في كل ما كتب عن المسلمين”.

(رابط المقال مع التعليق في الآتي: http://www.elaph.com/Web/Culture/2012/3/721876.html) أرى في تعليق هذا القارئ الكريم (وهو معمار، كما عرّف نفسه) نموذجاً يختزل ويعكس تصورات شائعة، منتشرة بصورة واسعة في أوساط متنوعة، بضمنها الأوساط المهنية. ولهذا، فإني، طبعاً، أفهم شكوكه وأقدرّها. ذلك لأن الحديث عن “التحريم”: تحريم الصور أو المنحوتات، هو حديث مترسخ في ذهنية الجميع، وهو حديث بذل الدارسون بضمنهم الغربيين، (وخصوصاً الغربيين!) قدراً كبيراً من الجهد في شيوعه وتكريسه، ما يجعل التشكيك بوجود مثل تلك الصور وتغييبها، أمراً عادياً، ومنتظراً، وحتى… “واجباً!”.

بيد أني، هنا، لا أنوي الدخول في سجال حول هذه الإشكالية، فليس هذا مكانها (لطبيعة المقال وأهدافه). لكني أود أن أشير بأن هذه الصورة (وغيرها كثير!)، ليست انتحالاً، كما أنها ليست افتراضية. إنها صور حقيقية وواقعية لما هو موجود في “إنترير” القصور الأموية، (وفي غيرها من المنشآت الإسلامية بمناطق مختلفة من العالم الإسلامي)؛ الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعاً عن مدى صدقية “أطروحة” التحريم، المروج لها كثيراً

بل إن ثمة تساؤلاً (هو الآخر، أراه، مشروعاً!)، يتبدئ حاضراً، عن كيفية تمكن البعض في عرض قدرتهم على إسدال ستائر قاتمة من النسيان والتغاضي لما هو موجود واقعاً وقائماً، ومن ثم “جعلنا” نتباهى(!) بعدم تصديق ما تراه العين البشرية؟!.

لا يدخر وسعاً، الخطاب النقدي المعاصر في تقديم أنواع مختلفة من الطروحات والمقاربات، المهتمة في الكشف عن الحدث/”النص”، وإعادة قراءته من زوايا مختلفة؛ فضلاً على حضور التأويل (التأويل بمعناه الواسع)، كآلية توظف في مقاصد إثراء الفهم نفسه؛ الذي “..يسمح لنا بإعادة تعريف الأشياء ليتسع معنى الحقيقة”، كما يقول أحد النقاد.

فالنص المقروء، لا يتوقف عن كونه مجالاً “لتوليد المعاني واستنباط الدلالات عبر عملية الفهم المنتجة من النص نفسه”. وهذا الأمر، يحيلنا إلى مقاربة تعتني باللغة، بكونها ، كما يذهب، مثلاً، علماء الألسنية على وجه الخصوص.

بيد إن التعاطي مع اللغة “المولدة” للمعاني، يتعين أن تمر عبر “مرشح” التصنيف الثلاثي للعقل العربي، كما يراه محمد عابد الجابري، وهو (البيان، العرفان، البرهان)، وكل منه، يمتلك نظامه المعرفي ومعاييره التي تحدد ميكانيزم عمله تجاه الحدث المدروس، ولاسيما البيان، كأداة معرفة، لا تنحصر مهمته في إطار اللغة، وإنما يتبدى “أساساً منهجياً للاستدلال”، يمتد تأثيره إلى علوم آخرى. بمعنى آخر، ينظر الآن إلى ، ليست بوصفها مجرد “..صناعة خطابية وقوالب من المواضعات المنطقية الجامدة”، ..وإنما عملية إنتاج معانٍ، وإعادة فهم دائم لتلك المعاني المتولدة.

في هذا المنحى، فإن الكتاب الصادر حديثاً، (2011) في لندن ونيويورك، لمؤلفه “محمد حمدوني علمي” الباحث في جامعة بيركلي/ كاليفورنيا، بالولايات المتحدة، المعنون “الفن والعمارة في التقاليد الإسلامية: الجماليات، السياسات والرغبة في صدر الإسلام” M. H. Alami; Art and Architecture in the Islamic Tradition; Aesthetics, Politics and Desire in Early Islam”، يعد نموذجاً جيداً للموضوعة التي تحدثنا عنها تواَ.

إذ ينشد المؤلف عبر اللغة، إلى رؤية وتحليل الحدث المعماري الإسلامي في عصوره المبكرة. قد لا يتفق أحد مع ما ذهب إليه المؤلف، ذو الأصول المغاربية، لكنه بالتأكيد يشير إلى وسع الرؤى وتعددها، حيال ما أنتج معمارياً، وتحليل ذلك المنتج، وقراءته قراءة أخرى. فهو في هذا الشأن يضيف بعداً آخراً في مجال إمكانية فهم وإدراك العمارة الإسلامية أبان زمن التأسيس. لا ريب، أن مؤلف “الفن والعمارة في التقاليد الإسلامية..”، تاق أن يكون كتابه مثيراً وطريفاً في آن. نظراً لمحتواه المميز ومنهجه في طرح المادة التي يستعرضها في كتابه. نحن، أيضاً، نشارك شعوره هذا، ونرى بأنه كتاب مثير وطريف. وإعجابنا بالكتاب، لا علاقة له، بالخصوصية “المغاربية” أو “المشارقية”، التي سعى وراء تأكيد حضور تباينها الذهني، مواطنه الجابري ذاته، (والذي نتحفظ على أطروحته هذه، ولا نقرّ استنتاجاته في هذا الخصوص)، هذا على الرغم، من أننا استشهدنا بإحدى أطروحاته قبل قليل.

إن طبيعة المقال، لا تتيح إمكانية عرض وافي للكتاب، لكني سأسعى، في عجالة، إلى التذكير، في الأقل، بفصوله ومحتواه. يهتم المؤلف بــ “الغموض”، أو بالأحرى “الشعور بالغموض”، ويعتبره أحد المصادر لفهم العمارة في صدر الإسلام.

ثم يطرح رأيه في مفهوم “العمارة واللغة”، ويتحدث عن الروابط والعلاقات والمصادر، التي يمكن بها أن تدرك العمارة عن طريق اللغة. ثم يتطرق إلى مفهوم ” المعنى والمبنى”. وإلى تشابك الفنون. ويرى أن هدف كتابه، يتمثل في طرح أسئلة مختلفة، ورسم متوازيات مع توظيف المصادر الأدبية المتاحة، التي لم تستثمر كاملاً.

يشير “محمد حمدوني علمي” بأن كتابه “يقدم برهاناً بأن العمارة الأموية والعباسية اعتمدت على (أو كما يدعوها، وفق العبارة اللاتينية “مودس أوبراندي” Modus operandi)، التي تغدو “الوظيفية الشعرية” فيها هي المهيمنة والسائدة. إذ تتلاقى الوظائف الدلالية والرمزية وغيرهما، في الأعمال المعمارية، لكن تأثيرها ما برح أن يظل معني في إظهار الإبهام والغموض، كأحد الوظائف الشعرية الأساسية.

وكما يكتب المؤلف، ” بالضد من الآراء السائدة، التي تعتبر الغموض، كعقبة في إدراك المعنى الفني للعمارة في العالم الإسلامي، فإن كتابي يلفت الأنظار إلى الدور الأساسي للغموض في شعرية العمارة بشكل عام وفي العمارة بشكل خاص. من هنا فإن مداخلتي تطور التوازي بين الشعرية العربية والنظريات اللغوية من القرن الثامن وحتى العاشر، وكذلك العمارة في الفترة نفسها” (ص. 27). ويضيف بأن بحثه سيركز على خمس قضايا أساسية، كل منها يقود إلى مسار خاص ينطوي على شبكة من الأسئلة المختلفة، الخاصة بتاريخ الفن والعمارة في القرون الإسلامية الاولى. “وعلى خلاف كثر من الآراء المتداولة في هذا الحقل، يكتب محمد علمي، فأنا أسعى وراء تبيان بأن المؤلفين الإسلاميين الأوائل طوروا نظرية الادراك البصري، عبر تفحص مؤلفات مختلفة سواء كانت نظرية أو لاهوتية (دينية)”.

في الفصل الثاني، (بعد أن كرس الفصل الأول للتمهيد في كتابه)، يتناول المؤلف “المبنى والمعنى” في نظرية الجاحظ، ويمتحن مفهوم “البيان” المشار إليه في “كتاب الحيوان” وفي “البيان والتبيين”، والتي فيها تتمظهر العمارة (البنيان)، كوسط أساسي، مماثل إلى الكلام والشعر.

إن هذه الفكرة تدعم مفهوم الأهمية الكبرى للعمارة كمكوّن “للبيان”، في كلتا الحالتين: الجمالية الإسلامية، وبشكل أكثر أساسي، في الحياة المعاشة نفسها. وفي هذا الفصل فإن المؤلف ، يتوق إلى إعطاء قيمة منهجية لنظرية الجاحظ “للبيان”، كما أتت في كتابه. في الفصل الثالث يتناول “العمارة والشعرية”.

وفي الرابع، يتحدث عن ” العمارة والحكاية”؛ الذي ينشد فيه تحليل الحكاية (الأسطورة) العربية للعمارة المهيبة (وكما تجسدت في أعمال الهمذاني وغيره)، بغية إظهار الصفة الأساسية للغموض في الإدراك الإسلامي للعمارة والفنون. أما الفصل الخامس فخصصه إلى موضوع “الجاحظ في مسجد دمشق: النقد الاجتماعي والمناقشات في تاريخ العمارة الأموية”. وينهي كتابه بالفصل السادس المكرس إلى “العمارة والرغبة”.

ويظل كتاب “الفن والعمارة في التقاليد الاسلامية..”، أحد النصوص، العابقة بأريجها العطر والمميز، عند ضفاف “مجرى” القراءة الثانية للعمارة الإسلامية. والتي هي وغيرها من النصوص الجادة وغير النمطية، تجعل من مياه ذلك المجرى “المهني”، أوسع رحابة، وأكثر صفاءً، والأهم تبقيه… زاخراَ بالحركة والطزاجة!.

د. خالد السلطاني مدرسة العمارة / الأكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

إقرأ ايضًا