هل يمكن استنساخ دبي ثانية في العراق؟

80

يطرح الكثير من المعماريين وحتى المواطنين العاديين فكرة ان تتحول مدينة اربيل في اقليم كردستان العراق الى دبي ثانية طبعاً من الناحية المعمارية والعمرانية.. وقد تضاعف الطرح في منتصف العام 2008 بعد اندلاع ما يسمى الازمة المالية العالمية التي هزت الركائز الاقتصادية لدبي بسبب ارتباطها المفرط بسوق البورصات و الاسهم الدولية..

وفي الوقت الحاضر برزت ابنية على ارتفاعات عالية في اربيل، كما ان العديد من الشركات العاملة في مجال بناء القرى السكنية ابرمت عقوداً مع حكومة الاقليم لتشييد ابراج عالية ما عزز واقعية هذا الطرح.

وتشير المعلومات الى ان السلطات المعنية في اربيل تفكر جدياً في الدخول في بناء ناطحات سحاب ربما في غضون خمسة اعوام من الآن وبسبب كل هذه المعطيات، فقد ارتفع رصيد الاعتقاد القائل ان اربيل متجهة لتكون دبي ثانية في العراق.

في علم الاجتماع المعماري، يمكن لأي شعب حرم لعقود من التنمية ومن مقومات التطور الطبيعي للمجتمعات ان يكون اكثر استعداداً نفسياً لتشجيع ودعم التحول بأربيل من مدينة عادية على الصعيد العراقي والاقليمي الى مدينة لافتة ومذهلة وعالمية وفي زمن قياسي ليس من زاوية تعويض ما فات سكان هذه المدينة بل ان هناك رغبة سياسية و اجتماعية ان تكون اربيل مدينة غير عادية في المنطقة بعد عقود من الحرمان ولن يتحقق ذلك الا بنهضة معمارية يكون جوهرها نهضة اقتصادية بأستثمارات واسعة.

مع مدينة دبي التي نجحت في نقل النهضة المعمارية من الغرب اليها، اسهم العديد من العوامل في نجاح هذه النهضة اهمها اولآً، رؤوس الاموال النفطية الكبيرة التي تعود لدولة الامارات العربية المتحدة ودول خليجية اخرى ساندت الخطوة التي اتخذتها دبي. وثانياً، الرغبة السياسية لدى منظومة دول الخليج العربي لبناء مدينة منفتحة على القيم العالمية وسط مجتمعات محافظة للغاية ومتعصبة وشديدة الانغلاق لأن العمارة ليست استنساخ ابنية فحسب بل هي عملية ثقافية ونفسية حية لأعادة تشكيل طباع وعادات و افكار السكان الذين يعيشون وسط هذا التطور وقبلوا التخلي عن محلية وخصوصية مدينتهم مقابل الحصول على هوية عالمية. وثالثاً، الخطط الاقتصادية التي ارتبطت بنقل مستويات العمارة في الولايات المتحدة الى صحراء دبي والتي سمحت بنقل الكثير من ميادين العمل الدولية الى هذه المدينة الاماراتية التي لم يكن احد يسمع بها او يتحدث عنها قبل نحو 15 عاماً. واقصد قطاعات رجال الاعمال من مصارف وصناعات صغيرة ومتوسطة وشركات هاتف نقال واعلام وشركات شحن و اتصالات وموانىء تطورت فيها بعد الى مرافق سياحية و فنية ورياضية و صحية و جامعات وهذا يعني ان النهضة المعمارية اصبحت نهضة اقتصادية وهذا امر ايجابي جداً لأن حجم رؤوس الاموال الخارجية ازدادت تدفقاً باتجاه دبي بعد سنوات من الانطلاقة… والى جانب كل هذه العوامل، كانت هناك بيئة قانونية في دبي ساهمت بشكل فعال و جذري في تنفيذ مريح لستراتيجيات تحول هذا المدينة الى مدينة عالمية معمارياً.. ومع مدينة اربيل في كردستان العراق يجب ان تنجح في توفير الحد الادنى من هذه المقومات، المال والارادة السياسية و الخطط الاقتصادية و القوانين لكي تحظى بنهضة معمارية كما جرى في دبي.

في اهم مداخلة معمارية حول دبي، ربما يقول قائل ان دبي لم تكن في الاساس تحوي على ابنية خاصة بها بالمعنى المعماري وانها كانت تضم بيوتاً قديمة ولذلك فأن استيراد عمارة حديثة بمواصفات الناطحات والابراج و العمارات المرتفعة لم يكن ليشكل تهديداً على الهوية المعمارية لشعب هذه المدينة الاماراتية لكن الصحيح ان الهوية المعمارية لا تتعلق بهوية الابنية الموجودة عبر التاريخ فحسب بل تتصل هذه الهوية المعمارية وتتجسد عبر هوية السكان انفسهم، قوميتهم و دينهم و عاداتهم و قيمهم الاجتماعية.

وفي هذا السياق يجب الاشارة الى مسألة جوهرية وهي ان دبي وصلت الى ما وصلت اليه من استيراد العمارة الحديثة بكل تفاصيلها وابعادها من الغرب عندما قبل هذا الاخير ان يصدر هذه النهضة المعمارية اليها في اطار نشر العولمة وفي اطار مصالح دولية حيوية ترتبط بسوق انتاج و تصدير النفط ما سمح بأعطاء دبي هذه المكانة العالمية ولذلك فبالنسبة لخطط النهضة المعمارية في اربيل، فأن الامر ربما يتعلق بمتغيرات اقتصادية و سياسية مهمة لكي يقتنع العالم الغني بارسال اموال هائلة اليها واستنساخ دبي ثانية في كردستان العراق مع اهمية الاشارة هنا الى ان تركية تسعى باتجاه آخر وهي تحويل اربيل الى نموذج مدينة تنتمي في عمارتها ونهضتها الى بلاد الاناضول.

وعلى الصعيد العراقي، ربما يكون من مصلحة العراق ان تنجح اربيل في التحول الى دبي ثانية في نهضتها المعمارية ونهضتها الاقتصادية لتكون مدينة غنية بالأعمال والاستثمارات والخدمات لأن من شأن ذلك ان يعالج مشاكل البطالة وتعثر تشغيل الكفاءات العراقية، كما ان من ايجابيات ذلك ان قطاعي الصحة والتعليم العالي سيعرفان طفرات نوعية سيستفيد منها بالتأكيد اجيال من العراقيين من داخل اقليم كردستان وبقية المحافظات العراقية.

ربما في الوقت الراهن، لا يمكن لأربيل ان تحصل على فرصة مناسبة و تاريخية لتكون دبي اخرى لكنها تتمتع ببعض الميزات التي تتفوق فيها على دبي منها أن اربيل تتميز بمناخ جذاب وبتضاريس جبلية تتساقط عليها الثلوج شتاءاً وبسهول ووديان وبصيف معتدل الحرارة، كما انها بالأساس هي مدينة سياحية و جزء من منطقة سياحية كاملة تشمل كل مدن اقليم كردستان وقراها، وكل ذلك يشكل عناصر جذب ونجاح للتحولات المعمارية الكبيرة التي يراد تطبيقها في اربيل بدليل ان دبي في فصل الصيف تتحول الى مدينة خالية من نصف ساكنيها وهذا الامر حتماً لن يحدث في اربيل بسبب مناخها الجميل.

وهناك شيء جيو سياسي مثير ويصب في مصلحة اربيل وهو توسط اقليم كردستان بين دولتين كبيرتين اقليمياً هما ايران وتركية، كما ان هناك المزيد من الاكتشافات النفطية في الاقليم وهذا بالتأكيد يشكل حافزاً لتكون اربيل ضمن ارادة ورغبات رؤوس الاموال الدولية للأخذ بيدها لتصبح مدينة اعمال ومصالح اقتصادية في المستقبل المنظور او القريب عبر بوابة العمارة الحديثة بمدارسها الغربية المختلفة.

من الناحية الموضوعية، فأن من ابرز العقبات التي تواجه تحقيق نهضة معمارية واسعة في اربيل، المشكلات السياسية والأمنية والدستورية القائمة في العراق بشكل عام والتي ستعرقل حتماً تدفق رؤوس الاموال من الداخل والخارج اليها واللازمة لتشييد الناطحات و الابراج العالية والابنية الفخمة معمارياً والمرافق الحيوية الحديثة المتصلة بحياة السكان و انشطتهم لأن العنصر الجوهري في اي نهضة معمارية هو تحول اربيل الى مدينة اعمال حديثة او ان المعنى المعماري يفهم بهذا الشكل، ففي دبي، يأتي رجال اعمال غربيون، يتركون بلدانهم الآسرة في طبيعتها وجمالها للعمل في هذه المدينة الواقعة في منطقة الجزيرة العربية والتي تتميز بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وبهبوب عواصف ترابية ولذلك يجب التنبؤ ان سر ذلك هو الحصول على اعمال اكثر فائدة او اكثر ربحاً وسط هيكل وشكل مدينة ربما تتشابه مع مدينة نيويورك الاميركية او هونغ هونغ المدينة الصينية حالياً والمستعمرة البريطانية سابقاً.

من الناحية العلمية، ينظر الى النهضة المعمارية التي عاشتها مدينة دبي على انها عملية نقل للتكنلوجيا في مجال العمران والعمارة تطلب هذا التطور بالتوازي نقل تكنلوجيات اخرى في قطاعات اقتصادية ومالية متعددة. بخلاف دبي، يجب على اربيل وهي مدينة مثلت نقطة لقاء او نقطة تقاطع بين العديد من الحضارات الانسانية العربية والفارسية والتركية وهي تمثل هوية شعب قدر له ان يقضي معظم مراحل تاريخه بالمعاناة من اجل الحرية و كانت تضحياته بلا حدود، فسكانها و سكان الاقليم لم يكونوا مترفين كما هو حال سكان مدينة دبي وهذا معناه من الناحية المعمارية ان هذا التاريخ الاصيل لشعب اربيل وكردستان يجب ان يتم الحفاظ عليه وعدم التضحية به وهذا معناه انه يمكن العمل على نهضة معمارية ملفتة مع بقاء الملامح الانسانية والحضارية الاصيلة لشعب هذه المدينة، فبقاء جبل القلعة والسوق القديمة وسط اربيل بجانب تشييد الابنية الشاهقة و الابراج ربما يجعل اربيل تحوي على مشهد حضري وبصري نادر في العالم لا يتوفر في مدينة دبي نفسها.

ويجب ان تشمل عملية المحافظة على الهوية الانسانية و الحضارية لأربيل، ضبط انتشار الابنية التجارية العادية التي تنتمي الى مدارس العمارة التفكيكية و التي لا تتناسب مع هوية السكان.

وفي الوقت الحالي، بدأت السلطات المعنية في دبي تتحدث عن ضرورة المحافظة على المناطق السكنية القديمة الواقعة على اطراف المدينة و التي يعود عمرها ربما الى عشرات السنين وهي عبارة عن بيوت قديمة تنقسم الى قسمين، بيوت صيفية وبيوت شتوية وهي مكونة من مواد بناء بسيطة، الجص والحجر المرجاني و سعف النخيل ولازالت بعض هذه البيوت موجودة في منطقتي الشندغة والبستكية ببر دبي وتتحرك السلطات الاماراتية الآن للدفاع عن بقاءها وكأن الامر يتعلق بالدفاع على روح دبي و وجودها.. ووفقاً لهذه الحقيقة، الاحرى على اربيل اذا فكرت في ان تكون دبي ثانية في المنطقة ان تفكر بشكل جدي ومسؤول قبل ان تستفحل تكلنوجيا العمارة فيها في كيفية المحافظة على آثارها التي تمدد الى مئات او آلاف السنين.

كما برهنت تجربة ناطحات السحاب و الابراج و الابنية المرتفعة و تكنلوجيات العمارة الحديثة في دبي ان سكانها بدأوا يدفعون بعض الاثمان الباهضة على المستويين النفسي و الاجتماعي و ان انسانية سكان هذه المدينة الاماراتية معرضة لخطر كبير، فهذه التكنلوجيا المذهلة قد حلت محل مشاعرهم الانسانية و صلاتهم مع بعض كبشر.

وبعد نحو عقد من الزمن على النهضة المعمارية الساحرة في دبي، تعكف مؤسسات اكاديمية مختلفة في الوقت الراهن على دراسة الاضرار النفسية و الاجتماعية و الانسانية التي يعاني منها سكان دبي بسبب التعارض الحضاري بين اشكال العمارة وبين الطبيعة الانسانية للسكان الاصليين الذين ينتمون الى مجتمعات محافظة.

بقي في تفاصيل هذا الموضوع قضيتين اعتباريتين الاولى، ليس بالضرورة لكي تصبح اربيل مدينة مهمة من الناحية الاقتصادية في العالم ان تكون شبيهة بدبي، فهناك مدن مثل باريس جمعت بين المحافظة على هويتها وخصوصيتها المعمارية وبين نهضة اقتصادها و مستويات معيشة مواطنيها ولم يستوجب الامر ان تكون مثل مدينة نيويورك بناطحات السحاب. والقضية الثانية، ان النهضة الاقتصادية التي ارتبطت بالنهضة المعمارية في دبي ادت الى قيام مستوطنات بشرية فاقت في اعدادها عدد السكان الاصليين، فهل تتحمل اربيل مثل هذا التطور؟

*محاضر في الجامعة الملكية البريطانية في اربيل

إقرأ ايضًا