إمكانيات القش كمادة من مواد البناء المستدامة

6

مادتنا اليوم أعزائي القراء كُتبت بقلم مختص في مجال التصميم الداخلي وتصميم المفروشات، إنه قلم المصممة أسماء حامد عبد المقصود، التي تميزت في تخصصها في التصميم الداخلي والأثاث في كلية الفنون التطبيقية في جامعة حلوان في مصر، فحازت على بكالوريوس بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف، وبعدها دأبت على إكمال دراساتها العليا فحازت على ماجستير برسالة كان لبوابتنا العربية للأخبار المعمارية فرصة نشر بعض المقتطفات منها تحت عنوان “أساسيات التصميم الداخلي لقاعة الترانزيت والأماكن الخدمية في الموانئ الجوية المصرية”.

واليوم استكمالاً لمهمة البوابة العربية في نشر وتوثيق الفكر المعماري العربي، وكل ما يتفتق عن الأذهان العربية من بحوث ومشاريع وأفكار مثمرة، تشاركنا اليوم الدكتورة أسماء حامد بمقالةٍ نشرتها مع بحث الدكتوراة الذي قدمته لذات الكلية التي تخرجت منها، وذلك تحت عنوان “صياغة عصرية للتصميم الداخلي في تطوير النزل البيئي بالمحميات الطبيعية سياحياً”.

إذ لم يعد يخفَ على أحد توجه معظم المصممين والمعماريين، إن لم يكن كلهم، نحو التصميم المستدام والصديق للبيئة في عالمٍ باتت مصادره في تناقص واضح حسبما بتنا نرى ونسمع ونقرأ كل يوم. من هنا كان للدكتورة أسماء حامد المقال الآتي:

مواد البناء المستدامة: القش

أثبتت عدة دراسات أجريت على مبان قش شيدت منذ عام 1901 م في أستراليا ونيوزلندا أن استخدام حزم القش ينافس اقتصادياً العديد من مواد البناء الأخرى .

إن كون القش مادة مهدرة تجعله تقريباً من دون ثمن، إلى وقت قريب كان المزراعون يتخلصون من القش والمخلفات الزراعية الأخرى بحرقها أو دفنها، وقد تسبب ذلك بأخطار بيئية عديدة، لذا فقد كان البديل لهولاء المزارعين هو بيع القش بأي ثمن للتخلص منه، كما أن تكلفة نقل القش أو حزمه إلى مواقع التنفيذ منخفض للغاية.

يعد القش من أخف مواد البناء, كما أنه يتميز بمتانة عالية خاصة عندما تدك الحزم جيداً وتقوى بأسياخ من الفولاذ، كما أن مباني القش تتميز بملاءمتها للمناطق المعرضة للزلازل، فليونة القش وقوة امتصاصة لصدمات الزلازل بدلاً من نقلها للأسقف مثلما تقوم به مواد البناء الأخرى كالخرسانة والفولاذ يجعل حزم القش أكثر ملائمة لهذه المناطق، وبلاشك فإن تقوية هذه الحزم بشبكات فولاذية تزيد من متانة الجدران.

الجدير بالذكر هنا هو أن طبيعة الحصول على القش وتشكيله كحزم للبناء لا يحتاج إلى طاقة كهربائية أو غيرها وهذه ميزة أخرى ترفع من فائدة القش الاقتصادية. كما أن هذا التجهيز والبناء بالقش لا يتطلبان أي طاقة ولا ينتجان أي نفايات كما هو الحال في الخرسانة، فحسب دراسة قام بها ريتشارد هوفميستر بكلية فرانك لويد رايت للعمارة بفينكس، تعتبر جدران حزم القش 30 مرة أقل تحفيزاً للطاقة من الجدران التي هياكلها خشبية وبها فايبرجلاس للعزل الحراري.

القيم البيئية: يعتبر القش مادة بناء مستدامة حيث أن الحصول عليه واستخدامه في البناء لا يضر بالبيئة، فهو ينمو في أقل من سنة وفي بعض الأحيان يجني محصول القمح أو الأرز عدة مرات في السنة الواحدة، كما أن هناك أنواع من القش الصالح للبناء تنمو في أرضية مالحة أو منخفضة الجودة، بالإضافة إلى أنه لا ينتج أي مخلفات ضارة بالبيئة.

ومن فوائد القش البيئية هو أن استخدامه في البناء يمثل حلاً لمشكلة بيئية، فهناك ملايين من أطنان القش والعشب الناتجة عن زراعة القمح والأرز تتطلب التخلص منها حيث أن بقائها يؤذي المحاصيل نتيجة الأضرار الناتجة عن تعفنها إذا تركت لفترة طويلة دون التخلص منها، هذا عدا عن تآكل التربة وانخفاض نشاطها البيولوجي، كما أن التخلص منها بالحرق يلوث الهواء، وهذا الحرق يولد ما يعرف بالتلوث البصري، هذا بالإضافة إلى الأضرار الصحية الأخرى ننتيجة الدخان وغاز ثاني أكسيد الكربون.

يمكن استخدام القش كمادة بناء إذا كان خالياً من الرطوبة، وكان الأمريكيون يستخدمون حزم القش منذ نهاية القرن الـ19، إلا أنه ومع بداية التسعينات بدأ يظهر القش كمادة “ممكنة” للبناء لأسباب عدة منها، التركيز الاعلامي الناشئ من القدرة على التحمل للقش، خاصة بعد التطويرات التي حدثت له، والشيء المهم الآخر شركات المقاولات التي طورت هذا النظام (قارن بين شركات الغرب وشركات العرب في هذا المجال أقصد العمل على تطوير مواد البناء المحلية لتلائم الحاضر بينما شركات العرب عبارة عن شركات شفط واستيراد من الغرب) .

فشركات المقاولات طورت نظام بناء يسمح ببناء الجدران “الغير حاملة” من القش. وفعلاً تم بناء أول منزل بهذا النظام في عام 1991 في مدينة تيكسيو الصحراوية، والغريب أن أفراد العائلة أنفسهم من قاموا ببناء المنزل.

الجانب الإنشائي للقش:

هو متين جداً وخفيف، ممتص للزلازل، كما أثبتت التجارب أنه عازل للحرارة حيث أن وجود الهواء بين القش يمنع التسرب الحراري، كما أن وجود الهواء يمثل عازلاً للصوت، والحاصل أن الشركات ذات الصلة طورت حزم القش بإضافة شبكات فولاذ تزيد من متانة الجدران.

هذا باختصار أبرز المعالم الانشائية لحزم القش المستخدمة في بناء المنازل في أريزونا.

الجانب المناخي: القش له قيمة عزل حرارة أفضل بثلاث مرات من تلك الخاصة بجدار الاسمنت المعزول بطبقة من الفايبر جلاس.

..(R – value هي وحدة قياس مقوم تسرب الحرارة ، كلما زادة الحرارة كان ذلك أفضل) فقيمة العزل الحراري للقش تقريبا 49.5، أما البلك الاسمنتي 0.2 .. فقط.

أجريت دراسة على المنزل المبنية من القش، فوجد أنها تستهلك 10.2 كغم من الفحم للتدفئة، بينما المنزل الاسمنتي 34 كغم، فقد كان المزارعون يتخلصون من القش بدفنه أو حرقه، مما سبب بعض الأخطار البيئية الخطيرة جداً (كارتفاع نسبة غاز أول أكسيد الكربون في الهواء) الأمر الذي جعل المزارعين “يتخلصون” منه ولكن هذة المرة عن طريق بيعه بثمن بخس تتراوح بين 20 و 45 دولار للطن. أمر آخر … القش لا يحتاج لعمالة ماهرة كالبناء بالخرسانة المسلحة، فكما قلت في بداية المقال أن الأهالي أنفسهم هم من يبنون منازلهم، وهذا بالطبع يخفض تكلفة البناء بشكل كبير إذا ما علمنا أن تكلفة الأيدي الماهرة في أمريكا تبلغ 50% من كلفة البناء.

تكلفة بناء منزل بناه الملاك أنفسهم مبين 5 – 30 دولار للقدم، أما بواسطة مقاول من 50- 80 دولار.

إقرأ ايضًا