عمارة الاستجداء

17

من المعروف أن الفنون جميعها ومن ضمنها العمارة هي خلاصة حضارة الشعوب, فإذا أردنا أن نتعرف على ثقافة وحضارة شعبٍ ما نظرنا أولاً إلى فنونه.

والعمارة في زمن وأرض الحكم الإسلامي كانت عمارة مزدهرة بكل ما للكلمة من معنى. عبرّت عن ثقافةٍ وعلمٍ وغنىً وانتشرت في معظم بقاع الأرض. لكن كيف يمكننا قراءة هذه المعاني؟ كيف تحمل المباني المعاني، وكيف تصل إلى المتلقي الذي يراقبها؟

يرى روجر سكروتون في كتابه “جماليات العمارة” أننا حتى نحكم على العمارة فإننا نقوم بممارسة الفهم الجمالي الذي هو بالإجمال مسألة عملية, لا تتعلق بحسب قوله بالمعرفة النظرية, وإنما بترتيب وتنظيم الإدراك. حيث يقول “يجب ان نشعر بالرنين الداخلي لفكرةٍ ما أو لطريقة حياة, وأن نعرف كيف نتعرف ونتجاوب مع تجلّياته الأخرى… فالإنسان لا يتعلم عن اللاهوت في العصور الوسطى عن طريق كنيسة التشارترس, ولكنه يتعلم ماذا يعني أن يؤمن بهذا اللاهوت, ماذا يعني أن نرى ونشعر بالعالم كما شعر ورأى أصحاب التشارترس من قبل.”

هذا الكلام يعني أن المباني يمكن أن تفرض علينا حالة شعورية تفضي بنا إلى معرفةٍ غير مدركة أو بالأحرى غير معرّفة أو مرتبطة باسم أو عنوان بحسب ما يراه سكروتون. حيث يشرح أن العمارة تستطيع أن تحمل معنىً من خلال استخدامها لأدوات العمارة كالمواد والفراغ والضوء والألوان وغيرها, لتعبّر بذلك عن ما سماه سكروتون بمفاهيم بدائية “primitive” أو مفاهيم عقلانية.

أي أن المرء حين يختبر المباني فإنه يمر بمرحلة تلقٍّ ابتدائية أو بحسب سكروتون مستويات بدائية للتجربة الجمالية وهي الانطباعات التي تحملنا على القول أن هذا المبنى كئيب أو عدائي أو جليل أو مرحّب تماماً كما هي الحال حين تبدو لنا الكهوف على سبيل المثال ساحرة أو كئيبة….

ولكن يوجد مستوى إدراكي أعلى من هذا المستوى وهو المستوى العقلاني الذي يتم بواسطته رفع الخيار الجمالي إلى مستوى فهم العقلاني من خلال النقاش المنطقي والمبررات العقلانية تماماً مثل القول أن هذا المبنى يبدو عدائياً بسبب الزخارف المسننة الموجودة أعلى الباب والأعمدة الضخمة على الجانبين…

وفي هذا يقول سكروتون “يبدو أن الخيار الإبتدائي والحكم النقدي هما جزءان من طيفٍ مستمر, و مثلما يؤمن الثاني السبب للأول, فإن الأول يتنبأ ويبرر الثاني.”

وهذا تماماً ما كان موجوداً في مباني العمائر الإسلامية، والتي أسأنا فهمها وسطّحنا محتواها لأبعد الدرجات فأخذنا نقتطع منها أجزاءً ونقوم بعمليةٍ تشبه “الكولاج” على مبانٍ خالية من المحتوى خالية من المحتوى ومن المعنى، نسينا أن من صمم وبنى هذه العمائر قام بسكب جزءٍ من روحه وأخلاقه أثناء اتخاذ تلك الخيارات الجمالية فأصبحت المباني المنسوبة للعمارة الإسلامية مفرّغة تماماً من المعنى حالها حال كأس انسكب معظم محتواها على الأرض.

فحتى المساجد والمباني الإسلامية اليوم التي تحاول أن تخرج من عباءة التوصيف النمطي للعمارة الإسلامية, نراها تخرج مستجديةً تستخدم الزجاج وأشكال الحداثة بطريقةٍ متعمدّة، وكأنها تحاول القول أنا مثلك أيها الغرب… لا شيء يدعو للخوف مني… أنا شفافة تماماً وليس لدي شيء أخفيه. أي أنها شُغلت بالدفاع عن نفسها بدلاً من التعبير عنها.

حالها حالنا نحن المسلمون الذين ترانا وترى رجال ديننا يخطبون ودّ الغرب ويقيمون المؤتمرات والندوات لمخاطبة الآخر, والشرح للآخر, التبرير للآخر, وكأن الانفتاح يعني الاستجداء.

وهكذا أصبحت مبانينا وحتى جوامعنا التي تفوز بالمسابقات ناجحةً في الحصول على شهادة براءة من الغرب وصك موافقة من الماضي.

وحتى نسترجع المعنى الذي نريد لمبانينا يجب أن نتحلى بالموقف المناسب تجاه أنفسنا، وسوف يظهر تلقائياً في عمائرنا.

ويؤكد روجر سكروتون في كتابه “جماليات العمارة” أن العمارة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمنظومة الأخلاقية للإنسان, ويفسّر سكروتون تعريف ألبرتي للجمال أنه “التناغم بين الأجزاء بحيث لا يمكن إزالة أو إضافة أو استبدال أي منها دون أن يؤدي إلى الأسوأ.”

بأن هذا التناغم الذي أشار إليه ألبرتي هو ذو أهمية أخلاقية بشكلٍ أساسي. حيث كانت تلك الأهمية الأخلاقية هي ما حاول ألبرتي أن ينقله إلى الحقل الجمالي. حيث يقول “من خلال استخدامه الدائم لمصطلحٍ يستمد معناه من استخدامٍ أوسع وأشمل كان ألبرتي يدعو -كما يقودنا مفهوم “المناسب” أو “appropriate”- إلى اتباع الطريق من الذوق الجمالي إلى المنطق العملي, ومن حسّ كيف يجب أن تبدو الاشياء إلى حكم كيف يجب أن تكون الأشياء.”

ويرى سكروتون أن حسّ “المناسب” الذي أشار إليه ألبرتي هو بمثابة تجسيد للفكر الأخلاقي وكإدراكٍ مباشر للأهداف والقيم الموجودة داخلنا في العمق. وهذا يقود إلى أن المباني الإسلامية قد حملت في طيات جميع تفاصيلها كأجزاءٍ من الكلّ المعماري الأخلاق الإسلامية, وإذا بحثنا بعمقٍ كافٍ فيها فسنجد كيف يتبع كلّ جزءٍ من أجزاء المبنى الإسلامي الأخلاق والعقيدة الإسلامية. وهذا ما لا يجب أن تستمر عليه القراءة السطحية المتبعة في يومنا، والتي سادت معظم محافل الدراسة في العمارة الإسلامية.

مروة محمد مطيع الصابوني [email protected]

إقرأ ايضًا