انطولوجيا العمارة العربية المعاصرة

6

يطمح غالبية المعماريين العرب، ويشاطرهم في هذا الطموح كثر من المثقفين والمهتمين أن يقرأوا كتاباً مطبوعاً يتضمن “مختارات” من المنجز المعماري العربي المعاصر. كما يتطلعوا أن يروا فيه لوحات مصطفاة لتلك النماذج التصميمية، وأن يرافق ذلك شروحات عن نوعية المبنى المختار وأسماء مصمميه، بالإضافة إلى تضمين تلك “المختارات” دراسة موسعة تتعاطى مع طبيعة هذا المنجز الفني، المهم ثقافياً وحضارياً، وتشير إلى خصائصه التكوينية – الفضائية؛ أي، باختصار، كل ما تنطوي عليه أية “انطولوجيا” جادة. وبحسب ظني، فإن نشاط النشر العربي وفعاليته، لم يهتما كثيراً في هذا الجانب. ولهذا فلا يوجد مطبوع جاد ومهني صادر بهذا الشأن. رغم أنه توجد إصدارات مقننة تكفل في نشرها أشخاص أو مؤسسات محلية، رصدت النشاط المعماري المعاصر في هذا البلد أو ذاك، في هذه المدينة أو تلك. عدا ذلك، يكاد يكون فضاء النشر العربي، خالياً تقريباً من ما يمكن أن تكون فعالية ضرورية لوجود مطبوع شامل ونافع مهنياً.

والحال، إن عدم وجود مثل هذا المطبوع، لا يعني البته، بأن المنجز المعماري العربي المعاصر، غير جدير نقدياً، أو أن وضعه الحالي، يسّوغ مثل ذلك التغاضي، المتصف بعدم الاكتراث. بالعكس إنه إنجاز مهم ومرموق، وفق كل المعايير النقدية الصارمة. وعدم وجود “انطولوجيا” له، في الوقت الراهن، يقع في باب النقص المعرفي ليس إلا، والذي يمكن تجاوزه لاحقاً. ذلك لأن وجود مثل هذا المطبوع سيضيف الكثير إلى الذخيرة المعرفية للمعماريين العرب، وسيغني تجاربهم، مثلما سينوع مقارباتهم المعمارية. فالقضايا التصميمية وإشكالاتها تكاد تكون ذاتها في كل بلد من البلدان العربية تقريباَ، ما يجعل من الإطلاع على تجارب الأشقاء، أمراً حيوياً واساسياً، سواء كان ذلك بدافع متطلبات الممارسة المهنية، أم بسبب التطلعات الثقافية الشخصية. في حين يفضي غياب هذا النشاط المعرفي إلى الجهل بما يجرى في “الورشة” التصميمية الشقيقة؛ هي التي لا نعرف، مع الأسف، الكثير عن مشاغلها وعن إنجازاتها في الوقت الحاضر.

نشهد بين فترة وأخرى، محاولات للخروج من هذا المأزق “المعرفي”، بإيلاء النشر المتخصص اهتماماً يليق بمكانته. لكن غالبية تلك المحاولات التي نراها متحققة في المشهد، لم تصدر من مؤسسات محلية، أو إقليمية، وإنما عالمية: أوربية على وجه الخصوص، التي دأبت بعض مؤسساتها الثقافية، في الوقت الراهن، الدفع باتجاه توسيع مجال اهتمامها بـ”الآخر”، الآخر المختلف، ولكن بعيداً، الآن، عن مفهوم ما يسمى بـ “التمركز الأوروبي” Eurocentric ، الذي هيمن، بتبعاته السلبية، على الخطاب ردحاً طويلاً من الزمن. وكتاب “تصاميم عربية” Arabian Design، يمكن له أن يكون، مثالاً لا حصراً، على تلك المحاولات. نحن نتكلم عن الكتاب الصادر في عام 2007، عن دار نشر “داب” daab الألمانية، بـ 384 صفحة، وبالقطع المتوسط. صحيح أنه يتناول بمجمله موضوع “التصميم الداخلي” للمباني المنفذة أخيراً في دول عربية مختلفة، لكننا، مع هذا يمكننا، أن نتابع من خلاله نوعية العمارة المصممة بالسنين الأخيرة في تلك الدول المختارة.

لا يورد الكتاب جميع أنواع Types الأبنية التي اشتغل على تصاميمها المعماريون العرب، كما لا يغطي تصاميم كل البلدان العربية. فالكتاب يتناول، تحديداً، تصاميم البلدان التالية: مصر، والإمارات، والمغرب، والبحرين، والأردن ولبنان؛ ويفرد إلى البلدين الآخيرين معظم نماذجه المنشورة. وبهذا الاختيار، فقد ظل أكثر من نصف العالم العربي بعيداً عن موضوعة “تصاميم عربية”؛ وهو أمر يبعث من جديد، إشكالية نشاط المكاتب الاستشارية العربية، ودورها في “تسويق” نفسها إلى الجمهور، وإلى “الميديا”، هي التي، الآن، لا يمكن تجاوز منافعها أو التغاضي عن تأثيراتها، بأي حال من الأحوال.

وكما أشرنا، فإن الكتاب يتعاطي مع الثيمة التي اختارها وهي “التصميم الداخلي” في العمارة العربية المعاصرة. ويشير في مقدمته المتواضعة (لا تتجاوز 450 كلمة)، إلى أن المصممين العرب يتمايزون عن الآخرين، بكونهم يولون اهتماماً كبيراً إلى الموروث التقليدي، وتشغلهم كثيراً إشكالية الهوية. كما يولون قدراً من الاهتمام، لمعالجة التأثيرات المناخية القاسية. في النماذج المنشورة بالكتاب، نشاهد طيفاً من المقاربات التصميمية التي يتعاطى معها المعماريون العرب اليوم. وهي تشكل مروحة عريضة تمتد من اتجاهات ما بعد الحداثة مروراً بالحداثة، إلى أن تصل إلى ما يسمى بالعمارة الشعبية Vernacular Architecture، التي مافتئت توظف في تكويناتها ذات العناصر المحددة والمعروفة في العمارة الإسلامية، مثل القبة والعقد والعمود، والفناء الوسطى، فضلاً على الاستخدامات الكثيفة للون، وحتى في إستثمار “تكنيك” الإنشاء “الشعبي” واستخدام المواد الانشائية التقليدية، ولكن بنكهة حديثة، تتماشى مع التطورات التكنولوجية ومزجها مع اشتراطات الذائقة الجمالية المعاصرة.

في تصاميم “مكتب جورج اربد وفضل الله داغر” (لبنان)، المنشورة في الكتاب، نشعر أن ثمة توقاً واضحاً لدى المصممين لبلوغ مؤائمة تكوينية بين عناصر العمارة التقليدية، مع مفردات اللغة المعمارية الحديثة. في “دارة سليم” (لبنان، 1995)، يضعنا المصممان أمام تناقض صارخ (فاضح؟!) بين لغتين: قديمة وجديدة. لكن عين المتلقي، تجد في ذلك التناقض التصميمي “المفتعل”، أمراً مقبولاً، بإمكانه حث هذا المتلقي على استحضار ذاكرة بصرية تُستل من بين تلافيف “غيابات” الماضي. في حين يتخلى مصممو المكتب، في مثال آخر، (دارة شاب، بيروت لبنان، 1998)، عن مقاربة “مزج” الأوقات المثير، معتمدين، هذه المرة، على لغة حداثية، تميل إلى التجريد التكويني، أكثر بكثير، من حرصها على الالتزام بانشغالات إيمائية تدلل على خصوصية المكان. واللغة المعمارية الحداثية، هي اللغة المفضلة عند مكتب “سهل الحياري وشركاه” (الأردن). ففي المشاريع المصممة من قبل المكتب، مثل (بيت س، عبدون/ عمان، الاردن، 2005)، و(مبنى في دابوق/ عمان الاردن، 2000)، أو في مبنى (زوار وادي موسى، البترا، الأردن، 2007)، تحضر الحداثة التصميمية في تكوينات تلك المباني حضوراً لافتاً، وغير متوقع، وأحياناً صادم؛ من خلال هيئآت، تتصادى أشكالها مع مجرى عمارة الحداثة، المنطوية على الهندسية المنتظمة والأساليب الخاصة في تنطيق مفردات واجهاتها.

واللغة الحداثية، نراها عند تصاميم مكتب “برنارد خوري” (لبنان)، وخصوصاً في (مبنى “مينا 1338” بيروت، لبنان)، وهو مبنى متعدد الوظائف، بضمنها الوظائف الترفيهية والتجارية، بالإضافة إلى وجود فندق في فضاءاته. وقد تم “نحت” هيئته بشكل مختلف كلياً عن سياق البيئة المبنية، فهو لا يمت بتاتاً إلى ما هو مألوف ومتعارف عليه من أشكال مبانٍ مدينية عادية. والقول ذاته، يمكن سحبه على تصاميم هذا المكتب، مثل “المجمع السكني”، بيروت، لبنان، 2006، وكذلك مشروع “المطعم الياباني”، بيروت، لبنان، 2002. فكلا المبنيين، مع بعض المشاريع المنشورة، تتسم عمارتها على فرادة تكوينية لافتة، يتكرس حضورها في المشهد، لتكون أيقونة بصرية مميزة للمكان. ويصر مكتب “نبيل غلام: عمارة وتخطيط” (لبنان)، أن تقتصر لغة مشاريعه التصميمية، على لغة ما بعد الحداثة تحديداً. فمشاريعه من قبيل “دار أ. ز.”، لبنان، وكذلك حدائق الدوحة، الدمام، السعودية، 2010، و”دار: ف” لبنان 2003، وغيرها من التصاميم المنشورة، بأشكالها المعبرة ولغتها التي في بعضها تذكرنا بمقاربة “النيويوركيون الخمسة”، وفي الأخص، مقاربة “ريجارد مايير” R. Meier ، وأشكال تصاميمه “النظيفة” البيضاء.

أما مكتب “ديوان: معماريون ومهندسون”، الإمارات العربية، فيحرص على تبني مفردات اللغة المعمارية التقليدية، أساساً لحلول تكوينات التصاميم المنشورة، وهي “مجمع ابن بطوطة التسويقي- التجاري”، دبي، الإمارات، 2005، و”فيلا في دبي” 2006. ففي حين يرى مصممو المشروع الأول، ثمة تسويغاً مقنعاً في اللجوء إلى مثل تلك المفردات، لجهة الحصول على تأثير مناسب، تسلتزمه طبيعة الحدث التصميمي، هو المشوب افتراضاً بإحساسيّ الدهشة والفرجة معاً، فإن مبرر وجود مثل تلك المفردات في المشروع الثاني، كان بدافع استدعاء تأثيرات “النوستالجيا” بصرياً، لتضحى أشكال مفردات العمارة التقليدية الحميمية بمثابة “واجهة” للاحياز التي تجري داخلها الفعاليات المعيشية العادية لأعضاء البيت السكني وزواره، بل وحتى لأناس غرباء مستطرقين بالصدفة في شوارع المدينة، التي تنهض على جانبها، بخيلاء، عمارة هذه الفيلا.

لكن تصاميم مكتب” عمار خماش معماريون” (الأردن)، تظل رغم ولعه بتوظيف مفردات العمارة التقليدية، تمنح المتلقي انطباعاً راسخاً عن حداثتها, إنها تصاميم تحيلنا إلى مرجعية المعمار، المتأسسة على إدراك واعٍ لمفردات البيئة المحلية، والمقدرة على توظيف أشكالها الموؤلة، لجهة الدنو باتجاه تلك المؤالفة الفطنة، التي بها يصبح المبنى المصمم منتمياً بقوة إلى ثقافة المكان المبنية، في الوقت الذي تظهر حلوله التكوينية- الفضائية صلتها الوثيقة بالحداثة المعمارية. وتعكس صور تصاميم المكتب المنشورة في الكتاب، وهي “دار ب”، في ضواحي عمان، الأردن، 1993، و”مركز الطبيعة”، عمان، الأردن، 2004، هذه المقاربة على قدر كبير من الإقناع. أما المكاتب المعمارية المغاربية، سواء كان مقرها في مدن المغرب أم في باريس/فرنسا، فإنها تحرص بغالبيتها (في الأقل، هذا ما نشاهده في النماذج المنشورة في الكتاب)، على التمسك بممارسة لغة العمارة التقليدية، الممارسة التي أوصلت “الحرفة” البنائية إلى مستويات جد متقنة، وجد متنوعة، وطبعاً تظل متفردة بأسلوبها وأشكالها. أنها، أي هذه الممارسة، ما برحت تحافظ على أسرار ذلك الاتقان وإلى ذلك التنوع المميز والاستثنائي، رغم تبدل الأزمان وتغيير الظروف. وهو ما انعكس، بصورة واضحة، على سبيل المثال، عند التصاميم المعدة من قبل مكتب “أنيس وشاكر وفوزية سفراوي” (المغرب)، والخاصة بتصميم فندق “رياض فاس، (2005) في فاس، المغرب.

تمنح نماذج التصاميم المنشورة في كتاب ” تصاميم عربية” المتلقي إمكانية رصد النزعات التصميمية الحداثية في الخطاب العربي المعماري. ومع الإقرار بعدم اكتمال “لوحة” النماذج التصميمية وشمولها لبلدان عربية أخرى، فإن الثراء التصميمي المتأتي من النماذج المنشورة، لا يتعين تجاهل تأثيراته، أو الاستمرار في تعتيمه. ولنا قناعة، بأن المنجز المعماري العربي جدير أن يعرفه الجميع، ولاسيما المهتمين منهم، وأن يولي له اهتماماً، يليق بمكانته وبتنوع منجزه الثرّ. وإذا استفدنا باطلاعنا على جانب من هذا المنجز، كما هو منشور في كتاب “تصاميم عربية”، فإن كتاباً مكرساً لانطولوجيا العمارة العربية المعاصرة، سيكون، من دون أدنى ريب، حدثاً معمارياً وثقافياً مفيداً… ومرحباً به.

د.خالد السلطاني مدرسة العمارة/ الأكاديمية الملكية الدانمركية للفنون.

إقرأ ايضًا