معمارية “مصر- أم الدنيا”

3

تتوق زها حديد (1950)، مصممة جناح مصر في معرض ، في شنغهاي بالصين، إلى “إدهاش” متلقي عمارتها، بالنأي “ظاهرياً” عن مقاربتها المميّزة التى عُرفت بها من خلال نماذج عمارتها المتسمة على فرادة تصميمية. تلك الفرادة المتكئة على “جماليات” عدم منطقية الفورم المصمم، وغياب الأشكال المنتظمة فيه، والغاص بالتنافر التشكيلي وعدم التناغم، والملء بالالتواءات والهشاشة المتقصدة مع الايحاء بالحركة الديناميكية والتشظي، كما كتبنا عن عمارتها يوما ما.

فالكتلة الأساسية للجناح تميل الى الشكل المنتظم. وهو شكل عن “ربيرتوار” أشكالها المألوفة. بيد أنها، من جانب آخر، لا تود أن تجري سريعاً وراء إغواءات الدهشة التى نشدت إلى “زرعها” لدى المتلقي، ذلك أن كتلتها “المنتظمة” (أو بالأحرى الموحية بالانتظام!)، ما انفكت تتحلى بعناصر ذات أشكال ديناميكية، يشي حضورها المقنن في الواجهة، بطبيعة وبنوعية “الثيمة” التصميمة الأساسية للجناح، المعبر عنها من خلال “معمارية” Architectonic المقولة الشائعة، المأخوذة من معبد “حتحور” (آلهة الأمومة والطفولة والحب لدى المصريين القدماء)، والتي يرددها المصريون وأصدقائهم، بكون: .

وسواء كانت كلمة “مصر” تدلل عن مصر كلها، أم عن “قاهرتها”؛ فإن الغاية من حضور المقولة، هنا، يكمن في تجسيد معناها بدلالات معمارية. وهذا التجسيد تحرص المعمارة على أن يكون مكانه مقتصراً علي داخل الجناح، ذلك الداخل المشحون بالتشظي والالتواءات والحافل بالحضور الطاغي للأشكال المنحنية، التي “افتقدناها” في الصياغات الحجمية لخوراج كتلة الجناح!.

تطمح المعمارة زها حديد (ذات الأصول العراقية) مع مساعديها المصممين، أن يكون تعبيرهم عن موضوعة معرض “اكسبو 2010″ (الذي افتتح في 1 أيار من هذه السنة، وسيغلق في 31 اكتوبر 2010)، وهي من خلال اصطفاء نوعية معالجة تصميمية خاصة، تعتمد على معطيات الفن، أكثر بكثير عن ناتج فعالية التصميم المعماري. لكننا، مع التصريح بهذا الاستنتاج، نسارع إلى القول، بأن مفهوم الفن هنا، هو مفهوم حداثي، أو بالاحرى ما بعد حداثي.، ينهض على تداعيات ما يعرف ” بالفن التركيبي أو التجهيزي” Installation Art، المتسم بالابعاد الثلاثية، والقريب لهذا، من العمارة.

ثمة “زوبعة” من الأشكال الملتوية والانحناءات المتداخلة، تفاجأ المصممة بها زوار معرض مصر. وهذه الزوبعة يثيرها “وشاح” من شريط نسيجي متصل، “يسبح” في حركةٍ حلزونيةٍ تبدأ من الأسفل نحو الأعلى، شاغلاً معظم الحيز الداخلي للجناح المصمم. وما يراه أمامه زائر الجناح، هو في الحقيقة، “كلية” موضوعة التكوين، وضربته الرئيسية. إذ لايوجد في التصميم، ثمة أحداث مميزة عداه. ومن هنا تغدو المعالجات التصميمية الآخرى لعناصر الجناح، بمثابة “غطاء” (غطاء، لا أكثر!)، للحدث الحلزوني الملتوي، الشاغل لفضاء الجناح الرئيس.

يشتبك الوشاح داخل الانترير (الذي يوحي في جزء منه إلى شكل الرحم، زيادة في تأكيد دلالات الموضوعة التصميمية للجناح)، ويضم شكله المعروضات والزوار معاً في فضاء واحد مستمر. وهذا الفضاء يقسم الى ثمانية أقسام، كل قسم له هويته المميزة المجسدة لمرحلة زمنية من تاريخ وحاضر ومستقبل مصر الغنية بالاحداث والانجازات. وقد تم توظيف سطح الوشاح الذي صنع من سائل، ليعمل كشاشة يعرض عليها فيلم، تم عمله خصيصاً للمعرض، يحكي بالصورة والصوت، تاريخ مصر العريق وحاضرها وما ينتظرها من مستقبل زاهر. ويعمل الفيلم الذي يشاهد من نقاط رؤى مختلفة، باختلاف وضعية انحناءات الوشاح/ الشريط، ومع المعروضات على تكثيف الاحساس لدى الزائر باتجاه فرادتها وجذب انتباهه نحو أهميتها لمصر وللعالم.

لا تتخلى، بالطبع، زها حديد بالمطلق، عن مفردات مقاربتها التصميمية المميزة. إذ توظف بعضاً منها في معالجة بقية الفضاءات التى يتطلبها البرنامج التصميمي للجناح. ففي صياغة حيزّي انترير “قاعة الشرف” VIP، وحانوت مبيع التذكارات، تستدعي المعمارة مفردات “معجمها” التصميمي، لتكون حاضرة في أسلوب تلك الصياغات. ورغم أبعاد كلتا القاعتين البسيطة (6×6 مترا) ، فإن احيازهما غنيتان بتلك المفردات التى أمست “مألوفة” في عمارة زها: الخطوط المتكسرة والملتوية المشكلة للفضاء ومحتوياته، والجدران المنبعجة، يضاف إلى ذلك كله، أسلوب انارة مميز، مع حضور لافت لمقاعد جلوس في قاعة الشرف وخزائن التذكارات بالحانوت التى حرصت المعمارة على تصميمهما بنفسها، بأشكال حافلة بالفرادة ومشبعة بابداع تجديدي صادم.

ولئن نشدت زها حديد، في تصميمها لجناح مصر، الذي جاءت أبعاده الكلية متواضعة ( 18×36 مترا وبارتفاع حوالي 4 امتار)، انتاج عمارة مميزة ومؤثرة في آن، فإنها تعي أيضاً طبيعة عمارة الأجنحة المشاركة في معرض دولي. وهي طبيعة تتسم كما هو معروف، بصفتها “الوقتية”، وعدم استدامتها، ما يتعين على مصمم مثل تلك “المباني” أن يراعي في قراراته التصميمية حقيقة وجود العمارة الى حين. في الوقت ذاته، يسعى وراء إيجاد حل معماري ينطوي على أكبر قدر من الإثارة التصميمية، جنباً الى جنب حضور وضوح المسارات في هذا الحل، المقترن عادةً، بتوظيف منظومة أساليب تركيبية غير معقدة، تمتاز بسرعة تركيب وتفكيك عناصر الانشائية في آن واحد. والأهم ان تكون كلفة التنفيذ للمشروع ضمن ميزانية غير مكلفة. وهذا ما توافر عليه، في اعتقادنا، جناح مصر في اكسبو 2010، بشنغهاي. كما أن خصوصية عمارة الجناح تشير أيضاً، لصوابية القرار التصميمي المتخذ، عندما تتطلب المقاربة التكوينية تغييراً في مسارها، طبقا لخصوصية العمارة المنتجة. وهو درس مهم، آخر، تكرسه زها حديد في الخطاب المهني.

(*) جزء، من دراسة مطولة عن عمارة أجنحة “اكسبو 2010” في شنغهاي بالصين.

د. خالد السلطاني مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

إقرأ ايضًا