عشية تكوين الدولة العراقية الحديثة: النهضة وتمثلاتها في الثقافة

1

يندرج كتاب المؤلفة فاطمة المحسن “تمثّلات النهضة في ثقافة العراق الحديث” (منشورات الجمل، بيروت- بغداد 2010، 456 صفحة من القطع المتوسط)؛ ضمن الكتب القليلة والهامة في آن، التي تتعاطى مع موضوعة تكوين دولة العراق الحديث. لكن الكتاب إياه يستقي أهمية مضافة، كونه يتناول، أيضاً، إشكالية النهضة عشية ذلك التكوين، وهي فترة كانت على الدوام، تمثل حقبة زمنية معتمة ومشوبة بالضبابية، لجهة ندرة تناولها من قبل الباحثيين.

ومعلوم أن القراءة الموضوعية لتشكل الكيان العراقي الحديث، تستوجب معرفة وتقييم ارهاصات ما قبل التشكل، ليتسنى فهم الأحداث التي اقترنت بظهور العراق الحديث، وإدراك فعالية تلك الأحداث وتأثيراتها في مهمام تكريس وجه البلد الجديد ومساره التطوري. بعبارة آخرى، ثمة ترابط متين، يكاد يجمع عليه كثر من المهتمين، بين اللحظة التاريخية لنشوء الدولة العراقية الحديثة، وما قبلها؛ ما يجعل من دراسة الفترة الأخيرة، أمراً مطلوباً، وضرورياً.

إن واقع الحال، المنطوي على نقص فادح في الأدبيات التي تأخذ على عاتقها، إضاءة تلك المرحلة المنسية، إضاءة عميقة وشاملة وجدية، يجعل من شأن صدور كتاب فاطمة المحسن، حدثاً معرفياً غاية في الأهمية. نحن، إذاً، أمام دراسة جادة، تتعقب جذور النهضة، وتشكل الوعي الجديد في الثقافة العراقية. وهذه الدراسة، التي هي باعتراف المؤلفة، “..نتيجة سنوات طويلة، أنفقتها على جمع المعلومات، وأرشفتها وتحديد أولوياتها، ساعدتني على أن أتعلم كيفية التخلي عن الكثير منها، كي يمسك القارئ بزبدة المادة دون أن يتشتت في بحر من المعلومات والمصادر الكثيرة، فالذي يهمني قبل كل شيء أن تكون المادة مفهومة، وقابلة لفتح الباب أمام أسئلة وقراءات جديدة..”.ص. 12.

لا أدعي أن قراءتي لكتاب “تمثلات النهضة في ثقافة العراق الحديث” ، تدخل في باب التقييمات الجازمة والقاطعة لما اجترحته المؤلفة. فالكتاب، أساساً، يهتم في الجانب السوسيولوجي لفهم الأحداث التي تتعاطى معها المؤلفة، وهو جانب، بالطبع بعيد عن اختصاصي. لكن نصه الذي يشي بـ “قراءات جديدة” ومتنوعة، والتي تظهر حيوية الكتاب، وثراءه المعرفي، قد تغوي المتلقى إلى إنجاز قراءة ذاتية وخاصة به. وبحكم اهتمامي العميق بـموضوعة “تمثلات” النهضة العراقية..معمارياً، ومنكب منذ أمد طويل في محاولة رؤية الحدث المعماري الحداثي، (الذي ظهر بظهور العراق الجديد) وادراكه، وهو يعمل تحت تأثير بانوراما من تآلف مجموعة علوم مختلفة، بضمنها بالطبع الجانب السوسيولوجي. فالعمارة الآن، تفهم ، وكما أشرت في مكان آخر، “خارج أقانيم علم الجمال الكلاسيكي، التي سادت سلطته في الخطاب الفلسفي لفترات طويلة…وبالتالي أضحى من الضرورة بمكان التعاطي مع العمارة.. بوصفها وليد اشتراطات معرفية عديدة ومتباينة في اختصاصاتها بضمنها المعارف البيئية والتاريخية والانثروبولوجية وعلوم الاجتماع وحتى ..الاقتصاد السياسي..”. (خالد السلطاني، تناص معماري، دمشق 2007، ص 18-19). من هنا، اذاً، يمكن أن أفهم ذلك الشعور المفعم بالغبطة لدى القراء والمهتميين على حد سواء، لمناسبة صدور كتاب جدى ورصين مثل: ” تمثلات النهظة في ثقافة العراق الحديث”.

تتطلع المؤلفة أن تكون إشكالية تمثلات النهضة وهو موضوع كتابها الأساس، مسردة ومغطاة عبر مجموعة من العناوين التي وزعتها على فصول الكتاب البالغ عددها تسعة فصول. ويتلمس القارئ من خلال إطلاعه على تلك العناويين على جدية مسعى المؤلفة لإضاءة موضوعها على قدرٍ كبيرٍ من الموضوعية والشمولية. إذ تبدأ الفصل الأول بتحديد المفاهيم وتمثلاتها: النهضة والثقافة في العراق الحديث. يليه الفصل الثاني المكرس لتواريخ افتراضية للنهضة العراقية. في حين اقتصر الثالث على المثقف العراقي، أما الرابع فهو مخصص للاصلاح الإسلامي، والخامس إلى حركة الأفكار، تشكل الوعي الجديد. والسادس: النهضة وأقنعة الأدب؛ والسابع مكرس إلى الأدب الشعبي والنهضة، والثامن، معنون عسر الولادة والتكوين الثقافي، وفيه تتناول المؤلفة، التمدن وصراع القيم في عراق مطلع القرن العشرين، والثقافة المحجبة، التي بها تعني قضية المرأة في أدبيات النهضة. وأخيراً الفصل التاسع، المكرس إلى الرواد، وهم نخبة من المثقفيين الذين اصطفتهم المؤلفة ليجسدوا، وفقاً لرؤاها، تمثلات النهضة ولواءها الذي رفعوه عالياً في ربوع العراق الحديث.

ثمة ملاحظتان عموميتان، أراهما أساسيتين، يمكن لهما أن يسما كتاب فاطمة المحسن، بطابع خاص، بل وأتجاسر وأقول بطابع متفرد ..أيضاً. وهما، أولاً، لغة الكتاب المنتقاة لنصه، والتي جاءت مفرداته على درجة عالية من البلاغة والجمالية والفصاحة، ما أضاف إلى متعة حضور الأفكار الزاخر بها الكتاب متعة القراءة المشوقة لذلك النص الجميل. وتذكرني جماليات أسلوب كتاب فاطمة المحسن، مرة أخرى، على مصداقية مقولة أحد الفلاسفة، (وهو هربرت ماركوز)، من أن تأثير الفعل المضاد للمضمون الفكري، لن يكون كذلك، مالم يتخذ الأخير شكلاً صادقاً وقوياً ومؤثراً، والمهم ينطوي على جمالية آسره، تكون قادرة على خلخلة السائد “المعرفي” وثوابته!. من هنا، يغدو تدفق الأفكار الجديدة الحافل بها الكتاب، يكتسي قوة مضافة جراء انثيال “تمثلاتها” بلغة شفيفة وطازجة وعذبة، يدهشنا، كيف تمكنت فاطمة المحسن، بلوغ هذا المستوى من التعبير!.

أما الملاحظة الأخرى، فتخص موقف المؤلفة ونزوعها للارتقاء إلى حالة من التعالي المعرفي المترع بالانفتاح الفكري، عند تعاطيها مع القضية الطائفية، القضية التي تحضر حضوراً بليغاً في ذلك المجتمع، الذي تسعى المؤلفة وراء دراسته سوسيولوجيا، والتعرف على آليات عمله وتفكيكها، لجهة تأشير تمثلات النهضة، التي تؤلف موضوعة الكتاب. فموقفها الموضوعي، المشوب بالحيادية العلمية، يتيح لها رؤية الحدث الطائفي لدى الفريقين المشكلين للمجتمع، وهو يعمل كأداة معرقلة ومثبطة لتجليات النهضة لدى النخب والعامة على حدٍ سواء. ورغم ان اسم المؤلفة يشي بانتماء محدد إلى طائفة معينة، فإنها استطاعت، في رأيي، أن تتسامى عن ميدان “معترك” الانتماءات الطائفية، وتتغاضى في الوقت عينه عن حيل وخدع ادعاءاتها، فضلاً على مقدرتها النأي بعيداً عن ممارسة إيجاد مسوغات تبرر أفعال طائفة ضد آخرى.

تتوق المؤلفة، إلى التعاطي مع موضوع كتابها، ضمن منهجية بحثية، ابتدعتها لمتنها الكتابي، والتي جسدتها عناوين الفصول. ونقرأ في ثنايا الكتاب، من أن المؤلفة ستعتمد تأثيرات “الفعل، والفاعل الاجتماعي” ، في قراءة الواقع الثقافي سوسيولوجياً. وإذ تشير، بأن استخدام هذين المصطلحين سيردا في مواضيع كثيرة من الكتاب، فانها تسعى وراء توضيح أهميتهما ودورهما في تلك القراءة، وتحيل القارئ (ص 35) إلى كتابات “ماكس فيبر” وآخرين لتأكيد مسعاها. لكننا، أو هكذا بدا الأمر لنا، لم نر لهما أية إشارة أو ذكر لاحقاً، وتم تجاهلهما في مسار قراءتها السوسيولجية لموضوعها.

في تناولها لأحداث المجتمع، الذي سبق تأسيس الدولة العراقية عام 1921، تنزع المؤلفة إلى تسميته باسم “العراق”، مستعيرة في هذا، اسم الكيان السياسي الذي سيظهر لاحقاً. لكن حدود أراضي ذلك المجتمع لم تكن واضحة، مثلما لم تكن محددة؛ وبالتالي يصعب الحديث عن خصائص مجتمع، يفترض به أن يكون سلفاً لمجتمع آخر. والحال، وكما هو معروف، فإن العراق المستقبلي، قد تشكل أساساً من “تجميع” ثلاث ولايات، طبقاً للتقسيم العثماني، وهي ولاية البصرة وولاية بغداد وألحقت به ولاية الموصل فيما بعد (1926). ولم تدخل مساحة تلك الولايات بصورة آلية في تشكيل حدود وكيان العراق. فمساحة ولاية البصرة، على سبيل المثال، لم تقتصر على مناطق البصرة المعروفة الآن؛ وإنما كانت تمتد عمقاً ووسعاً، جنوباً وشرقاً وغرباً، في الأراضي المتاخمة لـ “خليج البصرة” (التسمية التي تم إزالتها، بدون مبرر، من المعجم الجغرافي للمنطقة).

وثانياً، إن الجيش البريطاني الذي دخل “البلاد”، لم يكن يعرف اسم المناطق التى احتلها على وجه التحديد. وظل يستعير اسمها من تسميتها الإغريقية القديمة، “ميسوبوتاميا” Mesopotamia ، والتي تعني “بلاد مابين النهرين”؛ لحين “نحت” (مس غيرترود بل)، اسم (العراق- IRAQ في تهجئة (Q)، وليس في (K) كما هو الشائع في اللغات الاوربية)، بعد اتفاقيات سايكس – بيكو (1916).

معلوم أيضاً، أن خرائط العراق المقدمة إلى “سايكس- بيكو” كانت ثلاث خرائط، بمساحات متباينة وبتشكيلات مختلفة. إحداهما يطل العراق المستقبلي، بمساحة ضيقة، على البحر الأبيض المتوسط في مكان يقع ما بين شمال فلسطين المحتلة وجنوب لبنان الحالي، بدلاً من إطلالته المتواضعة ذاتها على خليج البصرة في خريطة ثانية، (التي اعتمدت لاحقاً للعراق الحديث).

أما الثالثة فاتسمت على مساحة أصغر ومن دون إطلالة بحرية!!. وكل هذا يجعل من خصوصية مجتمع تلك الأراضي المتباينة في المساحة والمختلفة في السكان، أمراً غاية في التنوع والتعقيد، ويجعل من مهمة استقصاء تمثلات النهضة فيه، مهمة متحركة ومعومة؛ وبالتالي، من الصعب بمكان، ان تختزل تلك الخصائص بتسمية محددة، تكون قادرة على التدليل إلى منطقة جغرافية معينة.

ابتهجت كثيراً، وأنا أقرأ الفصل الثامن، الذي يتناول، في جانب منه، التمدين وصراع القيم في عراق مطلع القرن العشرين. إنه فصل أراه هاماً، فهو يتعاطى مع الاشكالية العمرانية في فضاءات مدن ما قبل تشكل الدولة الجديدة. وهي فترة مشوبة بالغموض تخطيطياً ومعمارياً، ومن هنا تنبع أهمية دراستها وتأشير إنجازاتها ومن ثم تقييمها. كما تستقي تلك الأهمية حضورها أيضاً من جدة وغزارة المعلومات العديدة التي يتضمنها النص المكتوب، من جهة، ومن أسلوب الطرح المفاهيمي لتلك الإشكالية من جهة آخرى.

وأعترف بأني استفدت كثيراً من مسعى المؤلفة الجاد في إيراد اقتباسات عديدة تخص هذا الشأن، ولاسيماً الاقتباسات المطولة نسبياً التي أوردتها المؤلفة من نصوص منسية لمحمود شكري الآلوسي، (ص. 290-293)، ومن غيرهم من الكتاب الذين تناولوا تلك الإشكالية من وجة نظرهم الخاصة. ولا يسعني، هنا، إلا أن أحيّ اجتهاد المؤلفة وحسها البحثي الرصين في التعاطي مع موضوعها على قدرٍ كبير من الجدية والموضوعية العلمية. لكن هذا الاعتراف، لا يمكنه أن يسوغ عدم الإشارة، فيما ذهبت المؤلفة إليه من رأي، مبديةً تعاطفاً معه، بأن المعيار الوحيد (الصحيح؟) لتحديد مفهوم المدينة، هو ذلك المفهوم الذي تحدده “مسطرة” المعيار الغربي، والذي يشخصه ماكس فيبر وغيره من الكتاب، هم الذين كادوا أن يمثلوا مرجعية معرفية وحيدة لها. (ص. 278-9). فذلك المعيار الذي تورده المؤلفة عنهم، هو في أحسن الحالات، ليس سوى اجتهاد من جملة اجتهادات ابستمولوجية متداولة في نظرية التمدين والعمران. بل وأذهب بعيداً في القول، إلى خطل النتيجة التى توصل إليها فيبر وآخرون، فيما يخص عمران المدينة الشرقية، التي رؤوا مجتمعها بأنه محض مجتمع أبوي وعشائري وطائفي، ما جعل أن “تبقى خارج التعريف المحدد لفكرة التمدين” (ص.287). وهو أمرٌ، فضلاً على عدم صحته، فإنه يتبدى لي “مترعاً”ً في أوهام “المركزية الاوربية” Eurocentric المتعالية وإدعاءاتها الجازمة، التي توحي بيقينية لا تقبل التشكيك.

وبالطبع، فإن مثل هذا التصريح، يمكن بسهولة دحضه من خلال الاستشهاد بنوعية الخطط العمرانية لمدن شرقية عديدة، سواء تلك التي تأسست إبان القرون المماثلة لعهد الظلمات الاوربي، أو التي يعود تخطيطها إلى القرون الوسطى، مثل الكوفة وسامراء وأصفهان، وسمرقند وبخارى وبلخ ولاهور ودمشق وحلب والقاهرة والقيروان وفاس ومراكش واسطنبول، وغيرها من المدن الشرقية العديدة، والتي تعد إبداعاتها العمرانية والمعمارية المميزة،الآن، كنوزاً للثقافة الانسانية.

لا تشير المؤلفة لا من قريب ولا من بعيد في كتابها، إلى “حدث” تأسيس (جامعة آل البيت) في بغداد عام 1922، كأحد الأحداث النهضوية والثقافية الهامة واللافتة في تاريخ البلاد. صحيح أن واقعة إنشاء الجامعة تمت في فترة لاحقة عن الحقبة التي تركز عليها المؤلفة أنظارها، لكن الأفكار التحديثية التي بموجبها تأسست الجامعة، وما أريد لها أن تكون مشروعاً تصميمياً طموحاً ورائداً في آن؛ (فجامعة آل البيت، هي الحدث الثاني في سجل ظهور المؤسسات الأكاديمية في عموم البلاد العربية، الحدث الأول ، كما هو معروف، كان في مصر عندما تأسست جامعة فؤاد (القاهرة لاحقاً) قبل عقد ونيف عن تأسيس الجامعة العراقية)، فضلاً عن برنامجها الثقافي المتنوع؛ كل ذلك يرفع من مقام حدث إنشاء الجامعة، ليضحى الحدث الثقافي الأبرز في تمثلات النهضة بعيد تأسيس الدولة العراقية، ويجعل منها ومن حضورها اللافت في المشهد الثقافي العراقي كمؤسسة أكاديمية رصينة، باعثاً للدرس والاهتمام من قبل المهتمين، وخصوصاً من قبل المؤلفة التي تطمح عبر قراءتها الخاصة، إلى تأشير “تمثلات” النهضة في ثقافة البلد الذي تشكل حديثاً.

سررت شخصياً، لاطلاعي على اسم “هبة الدين الشهرستاني” حاضراً كأحد الشخصيات المؤثرة التي اصطفتها المؤلفة، واعتبرته رائداَ من رواد عصر النهضة العراقية، هم الذين تناولتهم الكاتبة في متابعة لسيرتهم “.. من خلال نتاجاتهم وأفكارهم ومصائرهم الشخصية”، كما تقول في مقدمة كتابها (ص.12)؛ وتضيف بأن “هذا المبحث يحاول التوقف تفصيلاً على مآلات تلك الفترة من خلال النماذج الفاعلة فيها”.

تشير فاطمة المحسن، وهي على حق، بأن كثيراً من المؤلفات عن أدب النهضة قد أهملت “..اسم هبة الدين الشهرستناني، وبقى تاريخه وتاريخ مجلته العلم، الصادرة عام 1910، شبه مجهولين عند متابعي الاتجاهات الفكرية الحديثة في العراق. ومع أن بعض الدارسين، وبينهم على الوردي، اعتبر الشهرستاني ظاهرة لافتة في مدينة مثل النجف، غير أن الانتباه إلى هذه الظاهرة وربطها بتحولات عصر التحديث في العراق، لم يتحققا إلا مؤخراً، بنشر عدد من الكتب التى تعُرف به.” (ص.345).

ولعل الأدوار المتنوعة ، التي أداها هبة الدين الشهرستاني في المشهد الثقافي العراقي، تدلل على أهمية الرجل وتبين أهمية الأهداف التي توخاها، والآمال التي سعى وراء تحقيقها. فهو “الوزير والقاضي والمتأدب والمغامر سياسياً والمصلح الديني”، كما تذكرنا المؤلفة، عن طبيعة الأنشطة لهذه الشخصية المؤثرة، ذات الطموحات الكبيرة، المهتمة في “نشر الافكار الحديثة داخل حلقات الدرس الديني، وضلوعه في مغامرات السياسة والصحافة، التي حرمته من منصب روحاني مرموق، فقد كان مرشحاً للمرجعية العليا، كما يقول جعفر الخليلي، ولكنه ضحى بها من أجل غاياته التنويرية”. (ص. 348).

بالطبع ليس في نيتي اختزال ما أوردته المؤلفة، في كتابها عن سيرة هبة الدين الشهرستاني، بدءاً من لقبه المميز الذي يعود، وفقاً لدراساته، الى أصول عربية، وبنسبه إلى زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وإلى ولادته في سامراء ونشاطه التنويري في كربلاء والنجف ولاحقا في بغداد. فكل ذلك موضح ومسرود في لغة فاطمة المحسن العذبة في كتابها إياه. لكني أحتفظ بحادثة طريفة “جمعتني” مع اسم هبة الدين الشهرستاني. وخلاصتها، بأني نشرت دراسة عن العمارة في عراق ما بين الحربين، في نهاية السبعينات. وفيها أتيت على ذكر المهندسين السوريين الذين عملوا في تلك الحقبة وبضمنهم “بدري قدح” المهندس الذي صمم دوراً للنخبة العراقية في الثلاثينات بالإضافة إلى تصميمه الى كلية فيصل في الأعظمية. وأضفت اسم “هبة الدين الشهرستاني” إلى تلك القائمة، معتقداً بأنه سوري، وفقاً لمعلومات، حصلت عليها تشير إلى اسم قريب إلى اسم الشهرستاني، وتبين لاحقاً بأنها غير صحيحة.

وفي إحدى المناسبات الفنية التي كانت تمور بها بغداد السبعينات، اعترضني شخص، متسائلاً مني بصيغة لا تخلو من طيبة، عن موجبات “جعلنا عائلة سورية، في حين أننا عراقيون؟!”. لم أفهم في البداية مقصده، وعندما شعر بحيرتي، سارع في تذكيري بأني أشرت إلى ذلك في دراستي المعمارية المنشورة، وقال مصححاً بأن هبة الدين الشهرستاني أحد العراقيين النشطاء، واحد رجال الدولة العراقية المرموقين، ووزير معارفها في العشرينات، وأنا المتحدث معك ..ابنه.

بالطبع أوضحت له الالتباس الحاصل، واعتذرت منه كثيراً للخطأ الفادح الحاصل في الدراسة. وقد تبين لي بان هذا الرجل ذا الثقافة العالية، الذي تحدث معي، وبات أحد اصدقائي، سبق وأن عمل مع أول معمار عراقي خريج مدرسة ليفربول في الثلاثينات وهو “أحمد مختار ابراهيم”، وكان مصدري للكثير من المعلومات التي تخص سيرة المعمار العراقي الأول، والذي لا يعرف الكثيرون عنه، وعن انجازاته. رغم أن اسمه ارتبط بتصميم مجمع النادي الأولمبي في الأعظمية في 1939، وفي تصاميم عديدة… لكن ذلك بالطبع حكاية آخرى!.

وظللت منذ تلك الحادثة، أتعقب سيرة الشهرستاني، متابعاً أعماله ونشاطه الثقافي، واجداً، كما وجدت فاطمة المحسن، أيضاً، فيه، شخصية نافذة عملت الكثير لجهة نشر الأفكار التنويرية وتوسيع مدارك الثقافة في بلد لايزال يعاني كثيراً ندرة أؤلئك الرجال الأفذاذ، من طينة “هبة الدين الشهرستاني”!.

كنت سابقاً من المتابعيين لقراءة مقالات فاطمة المحسن، وخصوصاً تلك التي كانت تنشرها في جريدة “الحياة”. واجداً فيها دقة الملاحظة والمقدرة على إيصال أفكارها للمتلقين بيسر ووضوح، فضلاً بالطبع على عذوبة لغتها المميزة. الآن، نحن، إزاء باحثة قديرة، استطاعت أن تضيء جانباً مهماً ومنسياً من “تمثلات النهضة في ثقافة العراق الحديث”، وأن تعيد، عبر كتابها المهم والقيم، الحافل بالمعلومات والأفكار، قراءة تاريخ دولة العراق.. الذي يجهل معظم مواطنيه الكثير عنه !.

د. خالد السلطاني مدرسة العمارة/ الأكاديمية الملكية الدنماركية للفنون

إقرأ ايضًا