مشاهدات عائد من بغداد: “مدينة السلام”… وحروبها

2

يجترح كل من زار العراق مؤخراً انطباعاً معيناً، خاصاً به عن مشاهداته الشخصية ومعايشته لأحوال البلد المزار. وأزعم أن غالبية العراقيين، أو هم من أصول عراقية، الذين زاروا بلدهم الأصلي في الفترة الأخيرة، ينتابهم شعوراً عاماً ومحدداً، يمكن وصفه بأنه شعور مخيب للآمال وينطوي على إحباط كبير، وهم يروا ما آلت إليه أمور مدن البلد وقصباته، ما يجعل كثر منهم “يجر” حسرات تكون عادة غاصة بالحزن والألم، نتيجة الوضع المتخلف لتلك المدن وخاصة وضع مدينة بغداد المزري، هي التي كانت يوماً ما: حاضرة العالم الإسلامي وعاصمته التليدة.

ويتساءل المرء؛ كيف قُدر لمدينة عظيمة مفعمة بالحيوية والآمال، وعلى جانب كبير من التمدن والحداثة والتعدد، أن يؤول مصيرها إلى مثل هذا المصير التعس، سئ الحظ، منزوية بعيداً عن إيقاع حركات الإعمار وموجات الإنماء الذي شهدته مدن العالم قاطبة، وبلا استثناء، وخصوصاً مدن دول الجوار، هي التي لطالما تاقت أن ترتقي حضارياً وثقافياً ومدنياً إلى مصاف بغداد المتطورة، وأن تدرك مستوى أهلها المتبغددين؟

هل كان ذلك الأمر مقصوداً، أم أنه حدث جراء قصر نظر، وسوء إدارة واستبداد الحاكمين الذين تسلقوا دفة الحكم بغفلة من الزمن، ليحيلوا العراق إلى تلك الحالة المزرية، التي لم يكن أحد يتصور أن تبلغ ذلك المدى من التأخر والجهل والسقم والشقاء، مثلما هو مخيم الآن على فضاء كل مدنه تقريباً، ومثلما هو حاصل في عاصمته العتيدة، العاصمة، التي نود أن نشاطر مع الآخرين انطباعتنا الشخصية عنها.

وأياً تكن الأسباب التي أدت ببغداد أن تصل إلى تلك الحالة، فنحن إزاء مدينة/عاصمة، لا تشبه مدن العالم ولا تماثل عواصمه. مدينة تائهة، فاقدة لذاكرتها، وطاردة لأهلها ومحبيها، هي التي شاهدة الآن على موجات عاتية لانزياحات سكانية فيها، تعيد بها ترتيب وضعها الأنثروبولوجي، وتجترح “منظومة” تراتبية خاصة له!. بالإضافة إلى قدر تعايشها مع النقائض، وخصوصاً واقعة معايشتها مع ثنائية الحرب والسلام على “سطح” واحد!. وهي معايشة نادرة في تاريخ المدن، من حيث مراعاتها أولاً، لمتطلبات “الحرب”، المفروضة عليها، (ففضاءها المكاني،الآن، مسرحاً لعمليات عسكرية مجنونة، لا تعرف الشفقة، ولا تراعي حرمة مواطنيها)؛ في الوقت عينه، عليها، تأخذ في نظر الاعتبار اشتراطات “السلام” والتحايل للتعايش معه، وكأنها بذلك تسعى وراء تماثل حالها مع حال أية مدينة “مسالمة” آخرى.

وهذا الوضع الغريب الذي تنوء المدينة بحمله الثقيل، أفضي إلى تلك الحالة الملتبسة، التي تعيشها بغداد اليوم. إذ بلحظة واحدة تنقلب مظاهر السلام إلى حرب، أو بالعكس. وتبعاً لذلك، فإن سكنة العاصمة، كتب عليهم التعايش مع هذه الحالة التي يرصدها بارومتر العمليات العسكرية بين إرتفاع وانخفاض متواصل.. وهي حالة، من السهل وصفها كتابةً، أو رصدها عن بعد؛ لكنها تغدو أمراً لا يطاق لأولئك الذين يتعايشوا معها يومياً، وعن قرب، وباستمرار!.

لقد “أنجزت” قوى عديدة ومختلفة دورها في تسريع وصول بغداد إلى تلك المرحلة “المتطورة” من التأخر والسقم، بدءاً من مظاهر مدانة برزت بُعيد تأسيس الدولة الحديثة في عشرينات القرن الماضي، مروراً بادعاءات “ضباط” الانقلابات العسكرية، والعهود المظلمة شديدة القسوة إبان الحكم الشمولي الاستبدادي، وصولاً إلى المرحلة الحالية، التي سلمت بها أمور المدينة وإدراتها إلى أناس غير كفوئين، ومعظمهم بعيدين وغرباء، وفقاً لقول النائب “صفية السهيل”، عن طباع وعادات مدينة بغداد وتقاليدها، فضلاً على سوء إدارتهم للمدينة وفسادهم. (انظر تصريح النائب في الرابط الآتي: http://www.burathanews.com/news_article_118440.html).

لكني ماانفكيت، أعتقد، بأن خصائص الإرث المسموم، الذي تشكل إبان الفترة الشمولية والاستبدادية ولحين سقوطه في 2003، هو المسؤول الأساس عن زرع “ثقافة” تريف العاصمة، التي كانت إجراءاتها قائمة على قدم وساق وقتذاك، بالإضافة إلى منهجية استبدال تقاليدها بتقاليد فجة وغريبة عن طباع حاضرة مدينية عظيمة مثل بغداد. كما لا زلت أعتقد، أيضاً، بأن الكثير من مشاكل المدينة التي تعاني منها الآن، هي بسبب أولئك الذين تبؤوا مناصب إدارة المدينة بعد التغيير؛ غالبيتهم الذين ظلوا يستقوا مرجعيتهم المعرفية من ذلك “الزرع” المرّ، الذي اُنبت إبان ثلاثة عقود ونيف سابقة على التغيير، وما فتئ أن ظلّ مرشداً، وحاضراً ومستمراً وفاعلاً في ذهنيتهم، وفي طريقة اتخاذ القرارت.

لا أبتغي وراء كتابة مقالتي، تقديم تحليل مهني وعلمي وشامل لواقع بغداد الراهن، أو أنشد تفسير العوامل العديدة التي أدت بلوغها تلك الحالة، والتي بسببها نراها الآن: متأخرة جداً، ومنهكة جداً، ومتناقضة جداً، وتائهة جداً. بيد أني أتوق إلى الاشارة لبعض الأمور والأحداث، التي رأيت، شخصياً، في وجودها تمثيلاً لذلك التدهور وحتى الانحطاط، الذي يثير لدى كثر منا لوعة، وقلقاً، وأسفاً، وألماً، وأسى، وحزناً، ووجعاً، وصدعاً، وانكسارا وبالطبع.. كأبة. هل غفلت عن ذكر كلمة أخرى تصف الحالة؟ إذاً، بمقدور المتلقي أن يستل من معجمه الكلامي ويضيف ماشاء له من كلمات مماثلة، وأجزم أن وقعها سيكون متناغماً، مع إحساسي، وإحساس كثر منا!.

تتداخل الأزمنة، عادة في فضاء المدن التاريخية القديمة. وتمثل شواهدها المكانية، سجلاً قائماً ومحفوراً لوقائع مرّ بها تاريخ تلك المدن. وبغداد، كحاضرة “متروبوليتانية” بامتياز، لا تختلف طبيعتها عن طبائع المدن التاريخية القديمة. وبمقدور المرء أن يحفر حفراً “أركيولوجيا” في ذاكرتها، ليتسنى له بموضوعية بلوغ ما يرمي إليه. لقد أشرت تواً، إلى ظاهرة الاستبداد، التي اقترن حضورها بممارسات إلغاء الآخر، وتكميم الأفواه، واحتكار “الحقيقة”، المفصلة على مقاس المستبدين، كتمثيل واضح لبواعث تردي وضعية بغداد وتقهقرها. بالطبع، يمكن إيراد عشرات الأمثلة والنماذج لذلك التمثيل، فتاريخ بغداد “متخم” بها. لكني سأصطفي بعضاً منها، تماشياً، مع مزاج المقالة وهدفها. ليس بالضرورة أن تكون اصطفاءاتي متوافقة مع رأي الآخرين، أو حائزة على رضاهم. ذلك لأن خطاب النص المقروء، في النتيجة، هو خطاب ذاتي، يسعى، كما آمل، وراء تأشير ومن ثم تفكيك ظواهر تدهور المدينة وتأخرها من وجة نظر شخصية.

سأحاول قدر الإمكان تعقب ظواهر الاستبداد، وتقصي تمثلاته في فضاء تلك المدينة المحبوبة. كما أني سأنزع إلى عدم التركيز فقط على الظواهر الكبرى المعروفة، التي أسست للاستبداد، ومهدت لإدامته. إذ بموازاة ذلك سأمنح تجليات الأمور الهامشية والصغيرة وتأثيراتها، اهتماماً واسعاً، معتقداً، أنها بمقدورها أن تفضح نزعات الاستبداد وتعريته بصيغ، أحياناً، تعجز الظواهر الكبرى تحقيقها بمثل تلك القناعة والوضوح!.

أقف، إذاً، أمام باب “مديرية التحقيقات الجنائية”، (مديرية الأمن العام لاحقاً)، المديرية الأشهر لدى كثر من العراقيين، في “ربوع” العراق الملكي، هي التي كانت تمثل بامتياز “مقر” الاستبداد العراقي و”بعبعه” المخيف، ولاسيما لدى النخب المثقفة، وتحديداً أصحاب التوجه الديمقراطي والشيوعيين. إنها تقع في وسط بغداد، بالقرب من شارع النهر، في نسيج بناء تقليدي، (وهي، ذاتها، نموذجاً لبناء تقليدي)، مطلاً على دجلة.

أرى آثار الزمن، الذي أحالها إلى بناء آيل للسقوط، وإلى “خسوف” مدخلها إلى ما تحت مستوى الأرض الحالي. وإلى تساقط جزءٍ منه فعلياً، كما هو واضح في واجهته الجانبية، التي بدت لي وكأنها “لوحة” لمقطع طولي، ولكن بأبعاد حقيقية. وفي هذه الواجهة، بمقدور المشاهد أن يتابع “أسرار” إنجاز مفردات المبنى الإنشائية كالملاقف وتجويفات النوافذ والأبواب المعمولة آجرياً. بل أن سطح هذه الواجهة يكتسي أبعاد ثلاثية، مكتسباً خاصية نحتية واضحة، جراء تناوب رصف الطوابق بمستويات مختلفة. ورغم هرم المبنى وتداعيه، فإن تلك النحتية، أضافت بعداً جمالياً، وجدته لافتاً، هي التي يتكرس حضورها في المشهد جراء لعبة الضوء والظلال.

لكن نظرة المعمار للمبنى، يتعين هنا نسيانها حالياً، والإصغاء إلى صدى صرخات الذين سجنوا فيه يوماً ما، وتذكر معاناتهم وهم تحت التعذيب، ليس لسبب، سوى أنهم امتلكوا فكراً مغايراً عن سياق ما كان ينبغي أن يكون “فكراً” أحادياً وواحداً، يتعين على جميع فئات المجتمع بكل طبقاتة وأطيافه الالتزام به وعدم الحيادة عنه. وأتساءل عن مصير الأفكار النيرة، والأحلام المفعمة بالآمال، التي حملها “نزلاء” هذا المبنى، هم الذين كانوا في غالبيتهم مثقفين وذوي اختصاص مهني عالٍ؛ وآخرين كانوا مشاريع لرجال ثقافة وحضارة ومهن مرموقة. وجميعهم كانوا تواقين لأن يروا وطنهم بلداً متقدماً ومتسامحاً، و”بغدادهم”: مدينة متحضرة وجميلة، جميلة بسكانها، وجميلة بعمارتها. ذلك لأن العمارة وحدها لا تكفي أن “تخلق” مدينة جميلة، ما دام سكنتها يرزحون تحت وطأة الخوف والقهر والظلم الذي يبثه وينشره عادة الاستبداد؛ ذلك الاستبداد الذي بدأت نشاطه هذه الدائرة، و”مبناها المهجوم”؛ (وفقاً لتعبير الصديق الدكتور كاظم حبيب، عندما رجوته التكرم في تأكيد هوية المبنى).

لقد كنت مدركاً، وأنا أقف أمام المبنى، مستعيداً دوره الذي لعبه بنجاح، بأن كثراً من اللاحقين سيشمروا عن سواعدهم، ليشيدوا حجراً وراء حجر، و”ساف” وراء “ساف” على ما أسسته تلك الدائرة المخيفة، وليضحى عملهم بمثابة “بنيان” راسخ لا يتزعزع، احتمى المستبدون به ليحيلوا آمالنا الى رماد، الآمال الحالمة في رؤية مدننا: مدن حضارية وعصرية، على جانب كبير من الحيوية والجمال، يسكنها مواطنون سعداء، لا “رعايا” منهكون!.

قد لا تكون فترة الحكم الشمولي والاستبدادي، التي استمرت نيف وثلاثة عقود، حائرة، أمام الإتيان بحجج تدين ذلك النظام، وتحمله مسؤولية تدهور وانحطاط مدن العراق بعامة، ومدينة بغداد بخاصة. إنها، بالطبع ليست قاصرة عن ذلك ولا عاجزة عنه. فهي بالواقع كثيرة ومتنوعة، مثلما هي أيضاً، معروفة ومتداولة على نطاق واسع في المجتمع. وحده الاستبداد، الذي لا يعرف الحدود، مثالاً لا حصراً، الذي خيم على البلد طيلة تلك الفترة، كفيل بإحالة، (وأحال بامتياز) الحالة الحضرية، إلى ما يشبه الترييف، الذي تجاوزته مدن العالم منذ قرون. وبل ونظرة سريعة وخاطفة، من أي كان، إلى حال مدن العراق مقارنة بأحوال مدن دول الجوار، يتبين المأزق الحضري والإنساني الذي عاشته (وتعيشه مع الأسف) مدن العراق قاطبة.

سأتغاضى، بتعمد، كما وعدت، عن اللجوء إلى ذكر عوامل معروفة كثيرة، أو إيراد أسباب مقنعة ومعلومة للجميع، أفضت إلى تدهور وانحطاط بغداد وتأخرها. سأثير، في هذا السياق، إلى جزئية واحدة، تتعلق بقرار استبدادي وتعسفي ينضح تباهٍ وتبجحاً. إنه قرار أفسد بتبعاته نسيج المدينة الحضري، وأبان أسلوب التعاطي مع قضايا تخطيط المدينة من قبل الحاكم/ الفرد. أنا، هنا، أشير إلى واقعة بناء “مجمع جامع الرحمن” في المنصور، الذي بدأ النظام السابق في تشييده قبيل سنين قليلة من سقوطه. ومعلوم أن فكرة البناء، وقرار اختيار الموقع، وتحديد مقياس ومقاس المبنى المستقبلي، كلها من “بنات” أفكار الديكتاتور المشنوق. سوف لن أتحدث عن قيمة الحلول التكوينية للمبنى ومعالجاته التصميمية. ما يهمني، هو نوعية المبنى ومكان توقيعه، ومقياسه ومقاسه، وفي كل ما يمكن أن يكون شأناً خاصاً يتعلق بذهنية الحاكم وقراراته الملزمة غير القابلة للاعتراض أو المساءلة، من أي كان.

وحي المنصور، كما يعرف معظم العراقيين، من إحياء بغداد الجميلة، إن لم يكن من أجملها. ويمتاز الحيّ، الذي شيد في منتصف الخمسينات، بدوره السكنية العائدة إلى ممثلي الطبقة الوسطى المتنورة، ذات العمارة اللافتة. وقد خُطط الحيّ وفق نمط تخطيطي مميز، يعرفه المخططون جيداً، وهو نمط تخطيط “المدينة-الحديقة” Garden – City ، التي تمتاز بحضور ملحوظ للمناطق المكشوفة والمزروعة “الحدائقية”. وعادة ما تكون نسبة المساحات المكشوفة فيه، أعلى بكثير من مساحة التغطيات البنائية. كما تنطوي أشكال شوارع هذا التخطيط على شوارع ملتوية ومتعرجة غير مستقيمة؛ والتي يضفي وجودها انطباعاً حدائقياً ريفياً إلى خصوصية الحي السكني. هذا بالإضافة، إلى وجود أبنية عامة ترفيهية، معظمها نوادٍ اجتماعية ورياضية. ويشتمل الحيّ على ساحة كبيرة مزروعة ومكشوفة، هي بمنزلة “رئة” الحي السكني الذي يتنفس منه هذا الحي والأحياء الأخرى المجاورة. وقد اُستثمر جزء منها كساحة خاصة لسباق الخيل. وبعبارة أخرى، فان حيّ المنصور، هو حيّ سكني مميز، وغني بأمكنة الفعاليات الاجتماعية والترفيهية والخدمية، ولهذا فإنه يمتلك كل المقومات، التي تجعل منه، ليكون حياً سكنياً عصرياً، هادئاً، ومناسباً جداً لوظيفته.

وفجأة، ومن دون توقع، وحتى من دون حاجة ماسة، يأتي قرار بناء “مجمع جامع الرحمن” في ساحة المنصور ذاتها، الساحة الوسطية المكشوفة، والتي لطالما اعتبرت ميزة الحيّ، ومفردته التخطيطية البارزة. بالطبع، ليس من ثمة اعتراض على بناء “مسجد”، رغم أن بغداد، الآن، “متخمة” بهذا النوع من المباني. ولازلت أكن احتراماً عميقاً لجرأة أحد رجال الدين الشيعة البارزين، الذي أفتى، عندما خُـيّر بين بناء جامع، أم مدرسة؛ فاختار الأخيرة، شرط أن تكون ثمة حاجة لها. وهل يمكن لأحدٍ أن يجادل في حاجة المدينة إلى مدارس؟ سواء في بغداد أم في غيرها من المدن العراقية.

ذلك لأن مجرد التذكير بوجود، بما يطلق عليه الآن “المدارس الطينية” كفيل لوحده بإدانة جميع الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق، وتعرية سوء إدارتها للبلد ومقدراته؛ وإظهار حقيقتها كأنظمة تكن عداءاً مستحكماً للثقافة والتعليم؛ تلك الأنظمة التي “بفضلها” ورثنا هذه التركة/الفاجعة. لكني، أعيّ، بأن الاسترسال في هذا الموضوع ليس مكانه هنا بالطبع؛ ولهذا فسأعود إلى موضوعنا الرئيس.

لم يكن قرار تشييد المسجد في ساحة المنصور أمراً عادياً أو عفوياً. إذ أراد الحاكم بأمره، أن يكون المبنى من الضخامة بمكان، بحيث يشار إليه بالبنان من جميع جهات المدينة. ولقد ترتب على هذه النزوة المفاجئة، غير المنطقية وغير المبررة، نتائج كارثية على الحي السكني وعلى نمط تخطيطه وأشكال عمارته. لقد “سحقت” ضخامة هيكل الجامع المشيد، مجاوراته، وأحالتها إلى توابع صغيرة له. فمثل هذه الضخامة لا تتناسب بالمرة مع خصوصية النمط التخطيطي المختار للحيّ السكني، ولا تلائم مقياس مفردات عمارته. ثمة “فيل أبيض”، كما يدعوه المخططون، برز فجأة ومن دون مبرر في بانوراما الحي السكني، مغيراً من “سيلويته” Silhouette وخادشاً خط سمائه، و”ماحقاً” مجاوراته بجبروته العدائي ومقياسه غير الإنساني.

قد تكون عمارة المسجد، وضخامته المطلوبة، أمراً عادياً، لو تم اختيار موقعاً آخرا له، يكون ملائماً لمقياسه ولمجاوراته. أما أن “يحتل” ساحة خضراء، اعتبرت دوماً من مزايا التخطيط الحضري للحي السكني، وأن يصار إلى جعله بذلك “الانتفاخ” الكتلوي، غير الضروري وغير المسوغ في حي سكني هادئ، تاق مخططوه أن يكون مثالاً للأحياء السكنية المدنية، ونموذجاً لها؛ فإن قرار تشييد الجامع بالصيغة المتصورة، وفي المكان المخصص، يبدو وكأنه عقاباً للحي ولشاغليه معاً. كما أنه يعكس، في الوقت ذاته، أسلوب تعاطي الحاكم بأمره مع مشاكل البلد وقضايا إعماره وإنمائه، بالصيغة التي أبانتها واقعة اختيار موقع الجامع، من دون أن تخطر على باله فكرة استئناس رأي المهنيين أو سماع مشورتهم.

لم تنتهِ “قصة” جامع الرحمن، بسقوط النظام عام 2003. فعند تاريخ سقوطه، كان الجامع قد بلغ مراحل بنائية متقدمه في حينها، لكنه لم يكتمل نهائياً. ولم تعرف حكومات ما بعد التغيير، ماذا تفعل به. فعملية إكماله تبدو وكأنها امتداداً لتنفيذ أعمال النظام السابق، ما يشي بنوع من “التمجيد” لإنجازات تلك الفترة؛ وهو أمر لم يقدم عليه أي مسؤول في جميع الحكومات التي تشكلت بعد التغيير. أما فكرة هدمه فكانت عملية مكلفة، كما أنها قد توحي بإعطاء رسالة خاطئة، من أن الحكم الجديد مهتماً، (والعياذ بالله!)، بهدم أماكن العبادة.

وقد أدى تكثيف العمليات الإرهابية التي تسارعت وتيرتها لاحقاً في البلاد، إلى جعل قضية حضور أو “غياب” جامع الرحمن، أمراً ثانوياً وهامشياً لدى اهتمامات المسؤولين؛ ما مهد لعملية استيلاء هادئ ومنظم للجامع وأرضه الواسعة المحيطة به، من قبل أحد الأحزاب الدينية الشيعية المتنفذة، واتخذه مسجداً له، رغم عدم اكتمال بنائه. وتبين لاحقاً، أن “تفعيل” عمل الجامع، كان بمثابة تغطية مدروسة للاحتيال على حيازة أرضه المحيطة، ذات القيمة المالية العالية، وإمكانية حق التصرف بها. وبدأت تظهر، بين فترة وأخرى، دوراً سكنية، فُسّر وجودها بأنها “متجاوزة”، كما بدأت تظهر ساحات لوقوف السيارات، مقتطعة في ذلك الموقع، تؤجر لآخرين؛ وغير ذلك من “الأنشطة” الأخرى المتجاوزة.

لكن فكرة “تغطية” تلك الممارسات بذريعة “أداء” الجامع لوظيفته، اصطدمت بعقبة كبيرة، ظهرت بغتة، وهي النقص الفادح في عدد المصلين الذين “يرتادون” ذلك الجامع، أو حتى عزوفهم التام عن زيارته لأسباب عديدة؛ ما حدا بالجهة “الغانمة” للجامع وأرضه، أن “تجلب” المصلين من أمكنة بعيدة من أحياء بغداد ومجاوراتها، حتى تثبت ديمومة “أداء” الجامع لطقوسه الدينية واستمرارها. وقد شاهدت بنفسي، في إحدى أيام الجمع، سيارات نقل كبيرة وعديدة “محملة” بالمؤمنين من مناطق بعيدة عن المنصور، الذين تاقوا (؟!) لأداء صلاة الجمعة، في فضاء الجامع إياه. وقد تمادت الجهة المستولية على أرض الجامع ومبناه ومعداته في “التشبث” بمبنى الجامع، والتمسك بأرضه وملحقاته، من دون مسوغ قانوني، يجيز لها مثل ذلك التشبث. وقد بلغ ذلك التشبث و”الاعتصام” لديها حداً، بحيث جعلها تتغاضى عن “التماس” وزارة الإعمار، وعدم تلبية مطلبها بالسماح لشركات الوزارة باستعادة ممتلكاتها الموجودة في الموقع، لاستخدامها في تنفيذ مشاريع العمرانية. وقد بررت الوزارة عدم استجـابة الجهة الغانمة لطلباتها العديدة في هذا الشـأن “لأسبـاب غير معروفة”!. (انظر خبر طلب استعادة الوزارة لمعداتها على الرابط التالي: http://www.ninanews.com/arabic/News_Details.asp?ar95_VQ=FFFHKJ ).

بالطبع، لم تكن ممارسة الجهة “الغانمة”؛ (وأنا أدعوها بتلك الصفة، لأني لم أجد تعبيراً آخراً مناسباً، بمقدوره أن يصف وصفاً موضوعياً و”شرعياً” للحالة إياها!)، أقول لم تكن ممارساتها غريبة عن ممارسات جهات كثر “ناشطة” في بغداد اليوم، وضعت نصب عينها الحصول على مزيد من “الغنائم” بطرق ملتوية وغير قانونية، أحالت المدينة وفضاءها إلى ما يشبه الخراب، بل وأتجاسر وأقول: إلى خراب تام وشامل، هو الذي يلقي بظلاله اليوم على جميع أحياء العاصمة بدون استثناء. إنه ثمرة ذلك الغلو، الغلو غير المنطقي وغير المسبوق، في الرفع عالياً من شأن الامتيازات الشخصية والحزبية على مصالح المجتمع واحتياجاته. ثمة “سطوة” عارمة، من حب الامتلاك، والاستحواذ على الممتلكات العامة (وحتى الشخصية)، لدى البعض، (البعض المتنفذ على وجه الخصوص) يجيزها لنفسه بذرائع واهية ومسوغات غير منطقية، ساهمت في خراب بغداد، مثلما تسهم في تغريب وتشويه حالتها المدنية… وللحديث صلة!.

د. خالد السلطاني مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

إقرأ ايضًا